النوبلي الجديد لم يزر وطنه الأول إلا مرة واحدة في نصف قرن

المترجم طاهر البربري نقل إلى العربية أربع روايات لكازو إيشيغورو في محاولة منه لاستكمال مشروع في الترجمة يركز على النصوص الروائية لحركة الكتابة المسماة “ما بعد الاستعمار”، ويعد إيشيغورو أحد مفردات هذا المشروع. أطرف ما يُحكى عن الأعمال الروائية للكاتب البريطاني الياباني، كازو إيشيجورو هو أن رواية بقايا النهار The Remains of the Day هي الرواية المعاصرة الوحيدة التي قرأتها إليزابيث ملكة بريطانيا. والغريب أيضًا في الشخصية الإبداعية لكازو إيشيجورو هي تلك النزعة المثالية التي جعلته يُعرض عن زيارة اليابان مسقط رأسه على مدار عمره إلا مرة واحدة، لفترة قصيرة جدًا لا تتجاوز الساعات لرغبته الاحتفاظ بنقاء اليابان في ذاكرته كما هي، اليابان التي ألفها في طفولته بتقاليدها وألوانها وحضورها الاجتماعي البسيط لديه دون البنية المعقدة التي أضفتها الحياة المعاصرة على اليابان.
الجمعة 2017/10/06
حفاوة كبيرة بالفائز

لا بد وأنك بحثت طويلاً عن المسرب المتعرج أو المرج الهادئ الذى اشتهر فيما بعد باسم إنكلترا. وبدلاً من ذلك، كانت هناك أميال من الأراضي المهجورة القاحلة؛ وهنا وهناك ممرات صخرية وعرة أعلى تلال شديدة الانحدار، أو أراض سبخية كئيبة، معظم الطرق التي خلفها الرومان كانت قد أصبحت آنئذٍ مدمرة أو متعرجة، وغالبًا قد تلاشت مع تعاظم البراري عليها، طبقات من ضباب متجمد تتدلى فوق الأنهار والمستنقعات، تخدم وبمنتهى التفاني الغيلان التي كانت لم تزل تعتبر السكان الأصليين على هذه البقعة من اليابسة. أولئك الناس الذين كانوا يعيشون على مقربةٍ من هنا -ربما تندهش حين تتساءل، أي يأس دفع بهم للاستقرار في هذه البقاع المُقْبِضَة الموحشة- ربما سكنهم الفزع من هذه الكائنات، التي كانت أنفاسها اللاهثة تُسْمَع قبل فترة طويلة من رؤية هيئاتها المشوهة حين ينشق عنها الضباب. غير أن تلك الوحوش لم تكن سببًا في أي ذهول، آنئذٍ، كان الناس يعتبرونها بمثابة مخاطر اعتيادية يومية، وفي تلك الأيام كانت هناك الكثير من الأمور الأخرى المثيرة للقلق والمخاوف. كيف تحصل على الطعام من بين فكي الأرض الصلبة القاسية؛ كيف تحافظ على مخزونك من الحطب بحيث لا ينفد؛ كيف توقف تفاقم المرض الذي يمكن أن يقضي على دستة خنازير كاملة في يومٍ واحد، ويترك بثورًا من طفحٍ جلديٍ أخضر اللون على خدود الأطفال.

على أية حال، فالغيلان ليست سيئة تمامًا طالما لم تستثرها، من الضروري أن يتقبل الشخص أحيانًا، أن يصل أحد المخلوقات، ربما بعد شجار مبهم جراء التباين في الرتبة والمنزلة، ويمشي متخبطًا في إحدى القرى وهو في حالة هياج وغضب، رغم الصياح وتلويحات التهديد بالأسلحة، والثورة مخافة جرح أي شخص يمشي متباطئًا كي يفسح له الطريق. أو في أحايين أخرى، إذ يختطف أحد الغيلان طفلاً ويمضي به في غياهب السراب. أناس تلك الأيام كان يتحتم عليهم التمتع ببعض الروح الفلسفية إزاء موجات الغضب والهياج تلك. في منطقة مثل هذه على حافة مستنقع شاسع، على حافة تلال مسننة التضاريس، كان يعيش زوجان مسننان، أكسل وبياتريس، ربما لا تكون هذه الأسماء هي أسماءهم الفعلية، أو الكاملة، ولكننا، تيسيرًا للأمر، سنشير إليهما بهذه الأسماء. كنت أقول إنهما كانا يعيشان حياةً منعزلة، لكن في تلك الأيام قليلون كانوا «منعزلين» أيًا كان فهمنا لما تعنيه كلمة عزلة. لقد كان القرويون، بغية الدفء والحماية، يعيشون فى سقائف أشبه بالملاجئ والمآوي، كثيرون منهم كانوا يحفرون بعمق جانب التل، ويربطون المأوى بالآخر عبر أنفاق أرضية وممرات مغطاة.

الرواية المعاصرة الوحيدة التي قرأتها الملكة إليزابيث

كان الزوجان المسنان أبطال حكايتنا يعيشان في أحد هذه المآوي المكتظة الممتدة -كلمة «بناية» كانت تعتبر بمثابة مصطلح هائل جدًا- مع ما يقارب الستين من الفلاحين الآخرين. لو أنك خرجت من مأواهم ومشيت لمدة عشرين دقيقة حول التل، لوصلت إلى المستوطنة التالية، هذه المستوطنة الأخرى، بالنسبة لك، ستبدو مطابقة لسابقتها. لكن بالنسبة لسكانها أنفسهم، فهناك الكثير من أوجه التمايز التي كانت بمثابة نقاط فخر أو خزي. لا أود أن أعطي انطباعًا بأن ذلك هو كل ما كان لدى البريطانيين آنئذ؛ بأننا كنا هنا أبعد قليلاً من العصر الحديدي، بينما كانت أماكن أخرى من العالم تعيش فى ظلال حضارات عظيمة مزدهرة. لو كان بمستطاعك أن تتجول مختارًا في الريف المجاور، لربما استطعت أن تستكشف كثيرًا من القلاع التي تصدح فيها الموسيقى، وعامرة بما لذ وطاب من الطعام، والتميز الرياضي؛ أو أديرة مليئة بسكان مستغرقين في التعلم. لكن التجول حولها يعد أمرًا مستحيلاً. حتى لو أنك امتطيت ظهر حصان قوي، في طقس جميل، فمن الممكن أن تمضي أيامًا على ظهر الحصان دون أن تلمح أي قلعة أو دير يطل عليك من غياهب المساحات الخضراء الشاسعة.

ربما تجد، على الأرجح، مجتمعات مماثلة لتلك التي وصفتها آنفًا، وإذا لم تكن تحمل معك هدايا من الأطعمة والملابس، أو مدججًا بالسلاح، فلا سبيل إلى نوعٍ من الترحاب بك. أعتذر عن مثل هذه الصورة التي أرسمها لبلدنا فى ذلك الوقت، ولكنها الحقيقة. أعود لأكسل وبياتريس، فكما قلت، كان الزوجان المسنان يعيشان على هامش المرنبة (منطقة مكتظة بالسكان، وتأخذ اسم المرنبة لأنها تشبه الجحور التى تتربى وتتوالد فيها الأرانب… المترجم) حيث كان كوخهما لا يتمتع بقدر أكبر من الحماية التي تقيه العراء وكانا يتمتعان بالكادر بالقدر الأقل من الغرفة العظيمة التي كان يحتشد فيها الجميع ليلاً. ربما عاشا أوقاتًا على مقربةٍ من نار المدفأة؛ أوقاتًا كانا يعيشان فيها مع أطفالهما. في الواقع، تلك كانت الفكرة التي تتقافز في ذهن أكسل وهو يستلقي في سريره أثناء الساعات الخاوية التي تسبق الفجر، فيما زوجته تغط في نعاس عميق إلى جواره، حينئذ، ثمة إحساس مجهول الاسم يقضم قلبه، ويمنعه من العودة ثانية إلى النوم. ربما لهذا السبب، وفي هذا الصباح بعينه، هجر أكسل سريره تمامًا وانسل بهدوء إلى الخارج ليجلس على المنصة القديمة بسطحها الخشن المجاورة لمدخل المرنبة في انتظار أولى تباشير النهار. كان الوقت ربيعاً، غير أن الهواء كان لم يزل قارصًا، حتى وهو يلتحف عباءة بياتريس، التي أخذها معه وهو في طريقه للخارج ولف بها نفسه. مع ذلك فقد كان في تمام الاستغراق في أفكاره لدرجة أنه حينما أدرك مدى شعوره بالبرد، كانت النجوم كلها قد أفلت، بدأ ألقٌ ينتشر في الأفق، وكانت أولى سقسقات العصافير قد بدأت تشق العتمة.

نهض من نومه، وانتصب على قدميه، نادمًا على الإقامة في الخارج لوقتٍ طويل. كان يتمتع بصحةٍ جيدة، لكنه استغرق بعض الوقت كي يبرأ من إصابته الأخيرة بالحمى ولم يكن يود أن تعاوده. الآن بإمكانه أن يشعر بالرطوبة في ساقيه، ولكنه عندما استدار ليأخذ طريق العودة إلى داخل الكوخ، كان يستشعر حالة من الرضا؛ لأنه في هذا الصباح استطاع أن يتذكر عددًا من الأشياء التي كان قد تجنبها لبعض الوقت، إضافة إلى أنه آنئذٍ كان يشعر أنه على وشك الوصول إلى قرار بالغ الخطورة -قرار كان قد تأجل طويلاً- وداخله شعورٌ بالحماس تاق أن تشاركه فيه زوجته.

*الفصل الأول من رواية لم تنشر بالعربية “العملاق المدفون”

* ترجمة طاهر البربري

للمزيد:

تجربة الحرب بين انتصار وهمي وناج مذنب

15