النوبلي سوينكا يهدد ترامب بمغادرة أميركا

الأحد 2017/02/26
ترامب في كاريكاتور أميركي يحول حياة النيجيري وول سوينكا المقيم في أميركا إلى جحيم

توعد الكاتب والأديب النيجيري وول سوينكا والمقيم في أميركا منذ أكثر من عشرين عاما بتمزيق الكارد الأخضر أو أوراق الإقامة الأميركية ومغادرة الولايات المتحدة إلى الأبد في حالة فوز الملياردير دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية وذلك احتجاجا على سياسات ترامب أثناء حملته الانتخابية.

يعتبر سوينكا أول كاتب أفريقي حاز على جائزة نوبل للآداب وذلك في العام 1986 وقد جاء في سيرته الذاتية التي نشرتها مؤسسة جائزة نوبل أنه فاز بالجائزة تقديرا لأعماله الروائية والمسرحية والقصائد الشعرية التي نشرها ولكن الكثير من النقاد يعتقدون أن فوزه بالجائزة جاء أيضا تقديرا لنشاطه السياسي في مكافحة الاستعمار ونشر الوعي في أفريقيا. وفي حفل تسلم الجائزة في ستوكهولم ألقى سوينكا خطابا أهدى فيه الجائزة إلى نيلسون مانديلا الذي كان لا يزال في السجن وهاجم سياسة التمييز العنصري التي كانت تتبعها جنوب أفريقيا.

وقد انتقل سوينكا للعيش في الولايات المتحدة حيث يقوم منذ عشرين عاما بالتدريس في مجموعة من أشهر جامعاتها مثل ييل وكورنل وهارفارد. ولعل في تلك المفارقة وأعني بها لحظة تخلي المناضل والناشط السياسي عن دوره الذي اختطه لنفسه والذهاب للعيش في دول الغرب التي استعمرت بلاده لسنين طويلة ما يدفعنا لإلقاء نظرة أخرى على مجمل مشروع نقد ما بعد الكولونيالية الذي يعتبر سوينكا واحدا من أبرز رموزه خصوصا وأن سوينكا ليس الوحيد في ذلك إذ أن الكثير من الأدباء والنقاد الأفارقة وغير الأفارقة الذين بدأوا حياتهم الأدبية منادين للحرية في بلدانهم وكاتبين تحليلات ودراسات عن أدب الكولونيالية وما بعد الكولونيالية قد انتهى بهم المطاف في ذات الدول الغربية التي استعمرت بلدانهم ويكتبون كتبهم بلغات غير لغتهم الأم التي طالما دافعو عنها وأبدو اعتزازهم بها.

بدء الاهتمام بما بعد الكولونيالية في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن العشرين وكانت بدايتها في الجامعات الغربية كمحاولة لتوسيع مناهج الأدب الإنكليزي لتشمل كتابا من دول الكومنولث أو المستعمرات البريطانية السابقة وممن يكتبون بالإنكليزية. ولعل من الجدير بالملاحظة أن المشروع هو أكاديمي بحت نشأ وتطور داخل الجامعات ولم يكن مرتبطا ارتباطا وثيقا بأيّ مجريات على الأرض أو الواقع.

وقد تزامن ظهور نظرية ما بعد الكولونيالية مع ظهور مجال أكاديمي آخر هو ما يعرف بالدراسات الثقافية والذي أصبح هو الآخر حقلا مؤثرا في المجال الأكاديمي، ولعل ظهورهما المتزامن كان السبب وراء إيمان بعض النقاد بأن هذين المنهجين إنما طورا خصيصا لإضعاف الماركسية التي كانت قد هيمنت على المناهج البحثية في جامعات الغرب وسحب البساط منها.

فرغم أن الماركسية قد ماتت كفكرة سياسية إلا أنها ظلت حاضرة وبقوة كنظرية معرفة ومنهاج بحث. تهدف النظريات الفلسفية الحديثة مثل “التفكيكية” لجاك دريدا و”خطاب القوة والمعرفة” لميشيل فوكو التي تؤكد عليها الدراسات الثقافية إلى إلغاء دور الإنسان في تغيير العالم والذي أكدت علية الماركسية وتصوير الإنسان على أنه خاضع لسطوة القوة التي تمارسها اللغة والخطاب النصي.

ورغم أن الكثير من النقاد والمؤرخين يعتبرون أن بداية نظرية ما بعد الكولونيالية كانت مع فرانتز فانون في كتابة “بشرة سوداء اقنعة بيضاء” (1954) و“معذبو الأرض” (1961) إلا أن النظرية لم تتوسع إلا بعد ظهور الثلاثي إدوارد سعيد وهومي بابا وغايتري سبيفاك وخصوصا بعد ظهور كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد سنة 1978 والذي ترك أثرا كبيرا في تطور النظرية النقدية ومرة أخرى نلاحظ أن المؤسسين الكبار كلهم يعملون في جامعات غربية مرموقة.

ورغم أن إدوارد سعيد لم يكن أول الباحثين الذين كتبوا عن الاستشراق والصورة التي يرسمها الغرب للشرق فقد سبقه إلى ذلك مصطفى السباعي في كتاب “الاستشراق والمستشرقون” (1956) وكذلك أنور عبد الملك في “الاستشراق في أزمة” (1963) إلا أن ما ميز سعيد هو موقعه كأستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأميركية وهو ما أعطى أفكاره أهمية كبيرة وتأثيرا كبيرا في المجال الأكاديمي.

أدرك المهتمون بهذا الحقل من الدول النامية أن الطريقة المثلى للتأثير في هذا الحقل الأكاديمي هو العمل في الجامعات ومراكز البحوث الغربية من أجل الدعوة لإعادة دراسة الأدب الكولونيالي وفهم الطريقة التي صور بها الغربيون الآخر وذلك من وجهة نظر الآخر نفسه. ولعل في ذلك مفارقة كبيرة في أنك لكي تبتعد عن تأثير الغرب وتحرر نفسك من السطوة الفكرية للغرب ولكي تدرس الطريقة التي ينظر إليك بها الغرب عليك أن تذهب إلى الغرب نفسه وتكتب بلغته وإلا فإن صوتك لن يكون مسموعا أبدا.

ومن أشهر التجارب في هذا المجال هي تجربة الكاتب الكيني الشهير أنجوحي واثنجو الذي كتب بالإنكليزية عددا من الروائع الأدبية مثل “حبة القمح” (1967) و”لا تبكي أيها الطفل” (1964)) والذي قرر بعد استقلال بلده ألاّ يكتب بالإنكليزية أبدا وأن يكتب فقط بلغة الجايوكو وهي إحدى اللغات المحلية في كينيا، وقدم مقترحا لجامعة نيروبي يطالب فيه بإعادة تسمية قسم اللغة الإنكليزية في الجامعة وإعادة كتابة المناهج لإبراز الأدب الأفريقي ومنحه المكانة التي يستحقها. ويعود أنجوجي في كتابه “تحرير العقل” (1986) ليقول إن الرصاص كان وسيلة الآخر للإخضاع الجسدي واللغة كانت وسيلة الإخضاع العقلي ولذلك ولتحرير العقول من سطوة الآخر المستعمر ينبغي التحرر من سطوة اللغة الأجنبية وتأثيرها.

إلا أن أنجوجي مع الأسف عاد وتراجع عن القرار بعد أن غاب صوته تماما ولم يعد أحد يقرأ له وقد سلك نفس طريق سوينكا إذ أنه أصبح أستاذا في جامعة كاليفورنيا-أرفين حيث يدرس الأدب المقارن، وحتى ابنه ماكوما فقد أصبح أستاذا في جامعة كورنيل الأميركية وينشر جميع كتبه ودراساته بالإنكليزية. وفي آخر لقاء له مع الصفحة الثقافية لصحيفة الفايننشال تايمز يبدو أن أنجوجي غيّر من آرائه، فهو يقول إنه كان دائما يؤمن بأن هناك فرقا بين ما يجب عمله وما ينبغي عمله، فإذا كان الكاتب قد نشأ على الكتابة بالإنكليزية فهل ينبغي أن نمنعه من الكتابة إلى أن تتحسن لغته الأم؟ ويبدو هذا الرأي بعيدا عن ذلك الكاتب الذي قال يوما إننا بالكتابة بالإنكليزية نكون قد أصبحنا جزءا من الإمبراطورية الميتافيزيقية ونسهم من حيث لا نقصد بنشر سطوة اللغة الإنكليزية.

إلا أن الصورة لا تبدو بذلك التشاؤم إذ أن وول سوينكا قد نفّذ وعده وترك أميركا عائدا إلى بلاده قبل تنصيب الرئيس الجديد في العشرين من شهر يناير 2017، وقد قال لمراسل صحيفة الإندبندنت، الذي التقاه على هامش مؤتمر ثقافي في جنوب أفريقيا مؤخرا، إنه قد عاد للاستقرار في موطنه حيث كان ينبغي له أن يكون. ورغم أنه لن ينصح الشباب الأفريقي بعدم الذهاب إلى أميركا فبالنسبة إليه اعتبر سوينكا أن فوز ترامب بالرئاسة كان اللحظة المناسبة للمغادرة.

كاتب من العراق

11