النوبيون أهل الذهب.. محاربون ورقيق

الاثنين 2015/02/09
النوبيون كانوا ينعمون في أرض الذهب قبل تهجيرهم

أسوان (مصر) – ظهرت الحضارة النوبية منذ خمسة ألاف عام في وقت لم تكن أذرع الحضارات القديمة قد امتدت بعد إلى قلب الشرق الأوسط عندما نشأت بذور تلك الحضارة واتصلت مباشرة بنهر النيل الذي كان بمثابة ترياق الحياة للنوبيين.

ومنذ ذلك الوقت، تعرضت المناطق التي يسكنها النوبيون لتحولات كبيرة ارتبطت معظمها بالجار الشمالي في مصر، الذي طالما مثل القوة التي تمركزت الثقافة والمجتمع النوبيين في حماها.

إقليم النوبة يقع في جنوب مصر وشمال السودان على ضفتي النيل وبالتحديد اليوم بين مدينة أسوان المصرية والخرطوم عاصمة شمال السودان، ويحده البحر الأحمر من الشرق والصحراء الليبية من الغرب.

وعُرف الجزء الشمالي من النوبة مع الحدود الشمالية عند شلال أسوان باسم واوات. وفي الطرف الجنوبي عند الشلال الثاني (بحيرة ناصر الآن). عرفت عند المصريين باسم “بلاد كوش” وعرفت باسم إثيوبيا عند الإغريق.

ويعود وصف النوبيين إلى بلاد النوبة. والنوبة كلمة جاء أصلها من كلمة “نب” أي الذهب.

ويعتز النوبيون بهويتهم النيلية، فقد استقر النيل في منطقتهم أولا، لذلك فالحضارة في وادي النيل بدأت حيث استقر النهر، وكانت النوبة هي النبع الأول للحضارات الأفريقية التي نشأت على ضفاف النهر.

أنشأت الحضارة النوبية ممالك مستقلة وضمت الشمال المصري، ثم قسمها الاستعمار البريطاني عند خط عرض 22.

لكن النوبيين خاصة الأجيال الجديدة يعانون من إشكالية “ازدواجية اللغة” إذ بحكم انخراطهم في المجتمع يتحدثون باللغة العامية المصرية ويتلقون تعليمهم في المدارس باللغة العربية الفصحى في حين يتحدثون فيما بينهم بلغتهم الأم.

وازدواجية اللغة لم تكن المشكلة الوحيدة في الحفاظ على اللغة النوبية، إذ أن النوبية كلغة ظلت حتى وقت قريب لغة شفهية يتحدث بها أهل النوبة لكنهم يكتبونها بالأحرف اللاتينية أو الإنكليزية وأحيانا العربية.

مختار كبارة: تمكنا من جمع وتحديد القواعد النحوية لتعود اللغة النوبية مجددا إلى لغة مكتوبة

ومؤخرا اكتشف أحد الباحثين النوبيين، وهو الدكتور مختار كبارة، برديات نوبية قديمة قام من خلالها بجمع أحرف اللغة النوبية.

ويقول كبارة “شرعنا في جمع أحرف اللغة وشكلنا لجنة متخصصة تمكنت من تحديد القواعد النحوية لتعود اللغة النوبية مجددا إلى لغة مكتوبة ولها قواعد، فهي من أقدم اللغات حيث يصل عمرها إلى ما بين 15 وعشرين ألف سنة”.

قديما، عرف عن النوبيين مهاراتهم العسكرية وقد قاتلوا في الأعم جيرانهم المصريين واشتهروا باستخدام القوس والسهم، لذا فقد أطلق المصريون على أرض النوبة “تا سيتي” أي بلاد القوس.

وفي فترات أخرى من التاريخ كانوا ضحايا للقمع، واقتيدوا كرقيق في مصر. وتعكس صور النوبيين على الأحذية التي كان ينتعلها الفراعنة المصريون خاصة الملك توت عنخ آمون مدى الكراهية بين الأمتين إذ كان المصريون ينظرون للنوبيين باعتبارهم عدوا ضعيفا لا ينبغي له أن يجترئ على مصر.

لكن النوبيين استغلوا ضعف الفراعنة وتمكنوا في عصر الأسرة 25 (حوالي 700 ق.م) من حكم مصر وشكلوا دولة في المنطقة التي تمتد من البحر الأبيض المتوسط حتى الخرطوم وكانت إمبراطورية عرفت بالإمبراطورية الكوشية “الفراعنة السود” وعاصمتها مدينة نبته.

وخلال حكم النوبيين، تم إحياء التقاليد الفرعونية، الفنية والهندسية والدينية من جديد، وقبل عامين تم نبش تماثيل كبيرة للحاكم النوبي طاهرقا وأسلافه في مدينة كرمه السودانية.

وحول كرمه كانت هناك إمبراطورية نوبية قديمة مستقلة عاشت أربعة قرون منذ 1900 – 1570 ق.م. أما أخر مملكة نوبية فهي تقع بعيدا إلى الجنوب بالقرب من الخرطوم وعاصمتها مدينة مروي، واستمرت منذ عام 593 قبل الميلاد حتى 350 م.

وقد تطورت الإمبراطوريات النوبية بشكل فعال لعدة أسباب جلية فقد كانت هذه الإمبراطوريات تقع بالقرب من الطرق التجارية الهامة بين أفريقيا والشمال بما في ذلك شعوب البحر الأبيض المتوسط.

وكانت التربة إضافة إلى ذلك في تلك المناطق خصبة جدا لزراعة المحاصيل وتربية المواشي، كما تحتوي على مناجم الذهب.

وقبل الشروع في بناء السد العالي عام 1960 وجد النوبيون أنفسهم مضطرين لمغادرة مملكتهم التاريخية، وتعرض أكثر من 100 ألف منهم للتهجير نحو الشمال بينما فضلت البقية النزوح إلى السودان.

12