"النور والأمل" تنافس أغاني المهرجانات بالمعاناة والسيمفونيات

أوركسترا "النور والأمل" تنجح في نقل السيمفونيات العالمية إلى قصور الثقافة الشعبية والمحافظات الريفية.
الثلاثاء 2018/09/11
عزف متناغم دون الحاجة إلى توجيهات مايسترو

تشهد أوركسترا “النور والأمل” للكفيفات بمصر نشاطا فنيا ملحوظا لتحيي في أقل من أسبوع حفلين بمناطق شعبية وريفية لم يعتد أهلها على السيمفونيات، ولم يعرفوا يوما أسماء لمؤلفين موسيقيين أثروا في الأوبرا والباليه بأعظم مؤلفاتهم.

 القاهرة – قدّمت أوركسترا “النور والأمل” للكفيفات بمصر، مؤخرا حفلا بمدينة دمنهور التابعة لمحافظة البحيرة (شمال القاهرة)، مستخدمة سيمفونيات غربية غير معتادة لجمهور صاحب طبيعية تميل للريف أكثر، ومع ذلك تفاعل معها، وكسر الحفل نظرة معتادة تشي بعدم ميل الجمهور  لذلك النمط من الموسيقى.

ويعد حفل دمنهور هو الثاني للأوركسترا المكونة من 34 عازفة خلال أقل من أسبوع، بعدما قدّمت في أول سبتمبر الجاري بقصر “الأمير طاز” الثقافي بحي الخليفة بوسط القاهرة، مقطوعات لتشايكوفيسكى ويوهان هلمش رومان، لجمهور كبير غلب عليه انتماؤه إلى الطبقات الشعبية دون المتوسطة.

واعتبر موسيقيون النشاط الفني والطلب الكثيف على حفلات الفرقة، تبشيرا بنقلة لبوصلة الفن باتجاه محطة الرقي، وباتت هناك منافسة قوية لأغاني المهرجانات بمصر ذات الإيقاع الذي يمزج بين “التكنو” و”الراب” بإيقاع سريع وكلمات ركيكة، واستأثرت بالساحة الفنية بالمناطق الشعبية.

ويقول الفنان أحمد رمضان، سكرتير نقابة المهن الموسيقية، إن حفلات “النور والأمل”، تؤكد مقولة أن “العملة الجيدة تطرد الرديئة”، ورغم المحاولات المضنية لإفساد الذوق
العام بإيقاعات لا تمت للفن بصلة، إلاّ أن الجمهور متشوّق للفن الراقي ويقبل عليه حال وجوده.

وبدأت هذه المهرجانات الشعبية بمصر قبل 11 عاما بأغنية “دار السلام” مع طلاب بإحدى المدارس الفنية المتوسطة الذين يقطنون حيا فقيرا (دار السلام) المُتاخم لحي المعادي الراقي في جنوب القاهرة، وبإيقاع شاب اسمه عمرو حاحا، لتنتشر بعدها كالنار في الهشيم، وتنشأ فرق متخصّصة في تقديمها طرقت عالم السينما والدراما مثل “أوكا وأورتيغا” و”المدفعجية”.

وتوجه حفلات الأوركسترا قصفا لجبهة المتحدثين عن فقدان الجماهير التذوّق والمدافعين عن تدهور مضامين الأغنيات بمقولة “الجمهور عايز كده (يريد ذلك)”، لتؤكّد أن الساحة يمكن أن تتقبل الموسيقى الرصينة المخاطبة للوجدان والمشاعر.

 عزف نسوي متناسق دون نوت موسيقية
 عزف نسوي متناسق دون نوت موسيقية

ويشير رمضان لـ”العرب” إلى أن حضور الحفلات المحك الرئيسي لتقدير الفن وليست كمية المشاهدات عبر موقع يوتيوب، فالجمهور قد يشاهد بالخطأ أو لمجرد الإلمام والمتابعة ويندم بعدها، لكن المعيار الحقيقي هو تخصيص جزء من العائد لصالح حفلة بعينها للاستمتاع بالفن فقط.

ولم يكن من المتخيل بمصر قبل “النور والأمل” أن تخرج سيمفونيات بيتهوفن وموتسارت وباخ خارج قاعات الفن التشكيلي وبيوت متذوقي الفنون، ولم تراهن فرقة موسيقية واحدة على تقديمها خارج دار الأوبرا بالقاهرة، لكن الأوركسترا نجحت في نقلها إلى قصور الثقافة الشعبية والمحافظات الريفية.

ويوضح محمد ظريف، مدير دار أوبرا دمنهور، لـ”العرب” أن جمهور المدينة كان لديه شغف لحضور حفلات الفرقة والاستماع إلى أعمالها باعتبارها تقدّم فنا ممزوجا بالإصرار والعزيمة، وباعتبارها الفرقة الأولى من نوعها على مستوى العالم التي تعزف دون نوت موسيقية أو بتوجيهات من مايسترو.

وتنقل حفلات الفرقة حجم معاناة أعضائها لتتسرّب إلى الأصابع التي تحيلها بدورها إلى الآلات وتجعلها تستقطب جمهورا يسعى للفن، من فتيات يرتدين زيا تقليديا لا يتعدى العباءات العربية في معظم الأحيان وغطاء للرأس مزينا بنقشات شبيهة بالرموز الفرعونية بالمعابد، ويقدّمن موسيقى خالية من الرقص والإغراء.

وألم فقدان البصر في مجتمع يعتبر الإعاقة عيبا يستوجب المعايرة يتزايد أكثر مع المرأة دون الرجل، فالأخير قد يجد عملا وزوجة، لكن في الكثير من الأحيان، يحرم المجتمع ذلك الحق من المرأة ذات الإعاقة، بل ويسخر من محاولاتها لتغيير واقعها.

فرقة مصرية تنشر الموسيقى الكلاسيكية بين الأوساط الشعبية
فرقة مصرية تنشر الموسيقى الكلاسيكية بين الأوساط الشعبية

وتلك المعاناة لم تخلق محاباة في اختيار فتيات الفرقة الذي يتم وفق قواعد فنية صرفة، تتعلق بحجم الأصابع وطولها للمرشحات للوتريات، وطبيعة الأسنان وترتيبها في آلات النفخ، وفوق كل ذلك لا بد أن تكون المرشحة تجيد الغناء.

وانبثقت أوركسترا “النور والأمل” عن جمعية أهلية تحمل الاسم ذاته تأسّست عام 1961، بفكرة من سمحة الخولي، رئيس الأكاديمية المصرية للفنون، وعميد كونسرفتوار القاهرة للموسيقى سابقا، لإنشاء معهد موسيقي لإعداد الكفيفات لتعلم العزف الكلاسيكي، لتنشأ الفرقة التي اكتسبت سمعة عالمية حاليا.

وساعدت طريقة “برايل” للمكفوفين فتيات الفرقة على قراءة النوتة وحفظها قبل الصعود إلى المسرح، بينما يكتفي المايسترو محمد سعد باشا بالتأكد من حفظهن أدوارهن جيدا، واختيار خلطة من المقطوعات سهلة الاستيعاب على الجمهور من الموسيقى الغربية والمصرية.

ونمت الفرقة التي بدأت بخمس فتيات، لتشمل حاليا أقساما للوتريات والآلات الخشبية والنحاسية والإيقاع، ممّا مكنها من حجز مكان لها في الخارطة الموسيقية المصرية، بل وقدّمت حفلات في 25 دولة حول العالم وتلقت إشادات وصلت إلى درجة وصفها بـ”الهرم الرابع” و”المعجزة”.

وتنتهي علاقة المايسترو بأعضاء الفرقة بمجرد قرع جرس ينبهنّ لبدء العزف، لينضم بعدها إلى المشاهدين تاركا أعضاء فرقته ببرنامج يحفظنه عن ظهر قلب، ثم يعاود الصعود مع كل مقطوعة ينطق فقط اسمها، وما إن تستعد العازفات حتى يطرق جرسه مجددا لتبقى الأذن والذاكرة الوسيلتين الأبرز للتواصل بينهنّ.

لا تعرف أعضاء الفرقة الكثير عن أغاني المهرجانات أو الإيقاعات السريعة، يسمعن فقط ما يمكنهنّ تقديمه، أوبرا وسيمفونيات ومقطوعات باليه، وموسيقى كلاسيكية مصرية لسيد درويش ورياض السنباطي وأحمد أبوعيد، لكنهنّ لا يخفين أن أفضل لحظات حياتهنّ حين يصفق الجمهور بعد انتهائهنّ من العزف.

16