النوع الأدبي والتحليل عبر الوسائط الرقمية

الأحد 2016/09/25
موريتي يخضع النصوص الأدبية للتحليل عبر الوسائط الرقمية

طوّر النقاد الجدد مفهوم “القراءة اللّصيقة” حتى أصبح منهجًا أساسيّا من مناهج النقد الحديث؛ أن يقترب القارئ من النص، ويغوص فيه، لدرجة تمكّنه من تفكيك العلائق التي تتواشج، مضمرة، في نسيجه الجامع. هيمنت هذه النزعة الشكلانيّة على النقد الأدبي في منتصف القرن العشرين، ساعية إلى البحث عن “معنى المعنى”— في الشعر، على وجه الخصوص— وإلى تبيان أنّ العمل الأدبيّ ليس إلّا كينونة تحوي ذاتها بذاتها، ولا تكون جماليّتها إلّا منغمسة في هذه الذات، وناشئة عنها؛ فلا حدود للمعنى خارج فردانيّة الكلمات، وتركيبها الكلاميّ، والنسق الذي ينظم الجمل. كأنّ عين القارئ كشّاف لا يروم المعنى الجامع إلّا بعد أن يستبطن كلّ مفردة فيه.

وعلى النقيض من “القراءة اللصيقة”، شهدت النظرية الأدبية، في العقد الأخير، ظهور مصطلح “القراءة البعيدة” التي تنزع إلى التبصّر في الأدب عبر تجميع بيانات كبيرة لنصوص— روائيّة في الغالب—واستقصائها وفقًا لطرائق التحليل الكميّ التي كانت، في السابق، حكرًا على العلوم الاجتماعيّة، وبعيدة، كلّ البعد، عن حقل الإنسانيّات.

يكمن التحدّي الأكبر الذي يواجه “القراءة البعيدة”— بحسب المنظر الأدبي والناقد الماركسي الإيطالي فرانكو موريتي، مؤسس مختبر الأدب لدى جامعة ستانفورد الأميركية— في المدى الذي تستطيع منه خلاله الكمبيوترات التعرف على النوع الأدبيّ، وإلى أيّ حدّ نستطيع استخدام نظرية الشبكات (دراسة الرسومات البيانيّة، أو المخطّطات، بوصفها “تمثيلًا للعلاقات المتماثلة، أو غير المتماثلة بين كائنات منفصلة، على نحوٍ أعمّ”) في إعادة تخيُّل الحبكات القَصصيّة وتصوّر الشكل الذي قد تكون عليه.

يُخضع موريتي، في مختبره الجامعيّ، النوعَ الأدبيّ إلى التحليل عبر وسائط الإنسانيّات الرقمية؛ “كاختبارات الدلالة والنمذجة الحسابيّة والتحليلات الكميّة”، للكشف عن العلائق التي قد تسهم في معرفة طبيعة الأدب ومجاله الحقّ. فالقراءة اللصيقة، بالنسبة إليه، لا تكشف عن هذه الطبيعة، لأنها تكون معنيّة، في المقام الأول، بأعمال محدّدة، ولا تستطيع أن تنفذ إلى كل الأدب المكتوب في حقبة معيّنة. فلكي نفهم الأدب، يجادل موريتي، فإنّه يتوجب علينا أن “نتوقف عن قراءة الكتب”.

مختبر الأدب والقراءة البعيدة

وتذكر الناقدة الأميركية كاثرين شولتز (جائزة البوليتزر في الصحافة للعام 2016) في إحدى مقالاتها بأنّ “المختبر الأدبيّ يسعى إلى وضع هذه النظرية الخلافيّة موضع التطبيق العمليّ (أو يسعى، على نحو أكثر دقّة، إلى وضع هذه الممارسة قيد التطبيق) ثم تذكّرنا بأن الكرّاس الأول الصادر عن فريق المختبر أشار إلى أنهم قد قاموا بتعذية برنامجين كمبيوتريين بثلاثين رواية وفق نوع محدّد، ثم طبلوا منهما تحديد النّوع الأدبي لستّة أعمال إضافيّة. حققت التجربة غايتها، حيث استطاع كلا البرنامجان التعرف على النوّع؛ الأول، عبر استخدام الدلالات النحوية والسيميائيّة؛ فيما لجأ البرنامج الآخر إلى ذلك عبر درجة تردّد الكلمات.

وعلى الرغم من نجاح الكمبيوتر في اختبار التعرف على النوع، إلّا أنه— وفقًا لشولتز— قد أخفق في مسألة “العلّة”؛ ما “الجديد”؟ فلا ميزة للكمبيوتر، في هذه الممارسة، على الإنسان؛ فكلاهما قادر على تعيين “النوع″ عبر سمات مختلفة، ومن خلال “منظومة” محدّدة من “المشاهد” أو استعمال متكرّر لمفردات بعينها. ولكنّ الأكثر أهميّة، بالنسبة إلى مختبر الأدب، كما تقول تشولتز، يكمن في أنّ الكمبيوتر يقترح سمات “شكلانية” للأدب لا يستطيع البشر اكتشافها بدون مساعدة.

وبصرف النظر عن “الفعالية” التي أثبتها “القراءة البعيدة” في دراسة الأدب، إلّا أنّ الفريق الآخر المتحمّس إلى القراءة الأخرى؛ القراءة اللصيقة، ما زال ينظر إلى هذه الممارسة بوصفها مجرّد “ممارسة” لا يمكن أن ترقى إلى مصاف أن تكون “منهجًا” أدبيًا مستقلًّا بذاته؛ فالأدب ليس حقلًا علميًّا يخضع لقوانين مجرّدة، وإنّما خيال جامح واستعارات كلاميّة خارج حدود كل قانون.

فهل ينجح “مختبر الأدب” في فرض “القراءة البعيدة”، كنظرية أدبيّة قائمة بذاتها، ترى الأدب بوصفه “نظامًا جمعيًّا”، ولا ينبغي مقاربته إلّا بوصفه كذلك . . . أم تظلّ القراءة الفردية، اللصيقة، الشغوفة، عصيّة على الاندثار، مقاومة لكل “ثيولوجيا” لا ترى “معنى الحقيقة” (و”الحقيقة الأدبيّة” ليست بمعزل عنها) إلّا من خلال “الكليّة الجامعة”؟ هل نشهد تلك اللحظة، خاصة وأنّ القرن الذي نعيش فيه، ينزلق، بقوّة، إلى هاوية “ثيولوجيا” مرعبة، أم يظلّ “الحيّز” الفرديّ، على ضيق مساحته التي تشتدّ ضيقًا يومًا بعد يوم، هو تلك الكوّة التي نظلّ فيها على الكتاب، الذي هو “نُور” الآخر الذي يضيء في دواخلنا معنى “الحريّة”؟

كاتب من الأردن

15