"النوغا" حلوى الجنة يشتريها الفقراء والأغنياء بالرباط

تنتقل صناعة الحلويات من شعب الى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى حتى تتجذر وتأخذ نكهة ومذاقا متميزين في بلدها الجديد، وأخذت الشعوب العربية الحلويات من البيزنطيين وغيرهم، تماما كما انتشرت النّوغا في المغرب، وهي حلوى جلبها اليهود معهم فأبدع فيها المغاربة وأصبحت لا تغيب عن بيت مغربي فقير أو غني.
الاثنين 2016/04/25
نكهات وألوان مختلفة

الرباط- مما يدهش في الوطن العربي التفنَّن في تحضير الحلويّات، وهي أول ما يُستقبل به الضيوف عادة، وإن اختلفت العادات من بلد إلى بلد، وأول ما تقع عليه العين في إفطار الصباح لدى الكثير من العائلات في المشرق والمغرب، وإن اختلفت التسميات.

ويشتهر المغرب بصناعة حلوى النّوغا أو الحلوى الإدريسية، ولا تخلو مائدة مغربية في فاس والمدن الكبيرة كطنجة ومراكش والدار البيضاء والرباط من هذه الحلوى.

والنَّوغا عزيزة على كل من يتذوقها، وهي من ابتكار عائلات يهودية عاشت بمدينة فاس بعد طردها من الأندلس مع المسلمين، كما يقول المؤرخ عبدالحق المريني.

عبدالحق بنعمر (60 عاما)، صاحب محل بسويقة الرباط، لبيع النَّوغا بمختلف ألوانها محشوة بالفستق واللوز والجوز، والسِّمسم، ومطعَّمة ببذور اليانسون والجنجلان والهال والكتان.

ويقصد محله مسلمون ويهود وسائحون، وهو ينظر إلى المستقبل بتفاؤل، فهو واثق أن النَّوغا سيحبها كل من تذوقها. ويعبر عن ذلك بتقديمه قطعة نَّوغا بالمجان ليتذوقها الزائر، ويقول بالدارجة "حلّي باش تولي" ويعني تذوق هذه الحلوى لتعود لنا ثانية.

وعند باب الحد (أحد أبواب سور مدينة الرباط) يستقر مولاي أحمد (30 سنة) بعربته الخشبية البسيطة في ظل نخلة، وهو من مساعدي بنعمر، وله مقر آخر “عند بوابة مقبرة اليهود القريبة من أكدال بالرباط”، يقول “عادة يشتري زوار تلك المقبرة كميات كبيرة من النَّوغا، ليتم توزيعها على أطفال الفقراء، المتجمعين عند بوابة المقبرة بانتظار أن ينالوا إحساناً من زائري القبور”.

النَّوغا عزيزة على كل من يتذوقها

ويقول إن النَّوغا يشتريها الفقراء والأغنياء، ويحصل من بيعها مجزأة إلى قطع صغيرة، ومغطاة بغشاء رقيق من السلوفان للحفاظ عليها من الأتربة في باب الحد، على ما يكفي لإعالة زوجته وطفليه.

"الشيف" الحاج قطيفة الفاسي (65 عاما)، شريك بنعمر، وهو أحد الصانعين الماهرين لهذا النوع من الحلوى، تعلم صنعها بالطريقة الفاسية القديمة من والده، الذي تعلم أسرار صنعها أثناء عمله في محل حلويات لإحدى العائلات اليهودية الفاسية في باب الدكاكين.

يقول الفاسي “كان اليهود بفاس يوزعونها في الأعياد الخاصة بهم، وقد حافظوا على هذا التَقْليد حتى هذا اليوم”، وذكر أن والده أخبره، بأنهم ابتكروها لتذكرهم بالمن والسلوى، اللذين أغدقهما الله تعالى قديما على اليهود في صحراء سيناء، واللذين جاء ذكرهما في القرآن الكريم”.

ويذكر الفاسي أنه عندما كان طفلا بمدينة فاس كانت أمه الحاجة حليمة، تحضر كميات منها وتقطعها بسكين مدهون بالزيت ـ لأنها صلبة ـ قطعا صغيرة قبل العيدين، و"تملأ بها جيبي صباحا”.

ويروي عن سعادته بتلك الحلوى الملونة، حلوة المذاق، فيقول “كنا نعتقد أن مثلها لا يوجد إلا في الجنَّة. وكان بعض الأطفال يسمونها نقلا عن أهلهم بحلوى الجنَّة”. ويستطرد قائلا “النوغا يسميها أهل فاس بالإدريسية نسبة إلى الدكاكين القريبة من ضريح مولاي إدريس الثاني، التي اعتادت بيع هذا النوع من الحلوى”.

الفاسي يزور شريكه بنعمر في محله بين فترة وأخرى، لمعرفة حركة السوق، ويتابع بنفسه تسويق النَّوغا لمعرفة ما يرغب به الزبائن، وفي بعض المرات يسألهم عن رأيهم بها. ويقول عن مكوناتها “لعمل 1.5 كيلوغرام من النَّوغا، نستخدم 350 غراما من اللوز، 120 غراما من البندق، 120 غراما من الفستق الحلبي، 50 غراما من الهال المطحون، 150 غراما من الغلوكوز، 350 غراما من السكر العادي، 320 غراما من العسل، و4 بيضات نستخدم منها بياضها فقط”.

ويضيف "تمر عملية إحضار النوغا بمرحلتين؛ الأولى نسخن المكسرات في فرن حرارته 175 درجة مئوية لعشرين دقيقة، ما عدا الفستق الحلبي، فنسخنه وحده بدرجة حرارة أقل، تصل إلى 120 درجة مئوية، لخمس دقائق فقط، ونضع الحلو في قدر خاصة فيها الماء والسكر والغلوكوز فوق نار هادئة لفترة 40 دقيقة حتى يغلي الخليط، وفي قدر أخرى نضع العسل على نار هادئة لخمس عشرة دقيقة، وكلما ظهرت رغوة نزيلها عنه ثم نضع بياض البيض مع رشة ملح، وملعقة عصير ليمون، وعندما يتحول لون الخليط إلى لون أصفر وله شكل كريمة غليظة القوام، نضيف محتويات القدر الأولى من الحلو والفانيلا، ونقلبها قليلا ثم نضيف المكسَّرات، ونصب المحلول في صينية، وعلينا الإسراع بوضع غطاء عليه، ليأخذ الشكل المنتظم، وبعد ذلك نضعه في الثلاجة ليوم كامل ثم يقطع بسكين حسب الطلب”.

20