النووي السعودي يدخل الصراع ضد إيران في منطق توازن الرعب

سعي المملكة العربية السعودية إلى امتلاك برنامج نووي سلمي لا ينفصل عن التنافس المحتدم مع إيران بما تبديه من نوازع توسعية في المنطقة أيقن الخليجيون أنه لم يعد من الممكن الرهان على الولايات المتحدة لوقفها، وأن أفضل الوسائل لمواجهتها تنويع الحلفاء عبر العالم، وامتلاك أقصى ما يمكن من أسباب القوة الذاتية.
السبت 2015/06/27
تحالفات جديدة بصدد التأسيس على أنقاض التحالف التقليدي مع واشنطن

الرياض - يمثّل توصّل القوى العالمية وإيران إلى اتفاق نووي حدثا عالميا، بقدر ما يمثّل حدثا عربيا وخليجيا، في ضوء ما يمكن أن يمنحه من امتيازات لإيران، أولها الاعتراف بها وترسيمها بشكل قانوني ضمن نادي القوى النووية العالمية الأمر الذي يثير قلق جيرانها الأقربين الذين خبروا بشكل عملي النوازع التوسعية المتأصلة في السياسة الإيرانية منذ ما بعد الثورة الخمينية سنة 1979.

وبعد تأكّد دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية المنافس الأكبر لإيران في المنطقة، من عدم جدوى التعويل على الولايات المتحدة في فرملة المطامح الإيرانية، بدأت تلك الدول تعدّد خياراتها في مواجهة الخطر الداهم، ومن بينها الشروع الفوري في امتلاك التكنولوجيا النووية عبر برامج سلمية.

وشرعت السعودية في تركيز مشاريعها النووية الخاصة وبناء تحالفات لمواجهة إيران التي من المحتمل أن تتوصل إلى صفقة نووية تخشى الرياض أن تؤدي إلى مضاعفة زعزعة الاستقرار في المنطقة.

وتجري الولايات المتحدة والقوى الكبرى حاليا محادثات مع إيران في فيينا، بهدف وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق بحلول الثلاثاء يمنع طهران من الحصول على سلاح نووي.

وتبدي الدول الخليجية بقيادة السعودية قلقا حيال أن تتمكن إيران من تطوير سلاح نووي بموجب الاتفاق المحتمل الذي من المتوقع أن ينهي 12 عاما من التوتر.

كما أن هذه الدول قلقة لأن واشنطن لا تأخذ بشكل جدي مخاوفها من إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط.

والأربعاء الماضي، أعلنت فرنسا والسعودية دراسة جدوى لبناء مفاعلين نوويين في المملكة. وعلى غرار جارتها الإمارات، تريد السعودية تنويع مصادر الطاقة ووضعت لذلك خطة لتشييد 16 مفاعلا.

واتفاق باريس هو الاتفاق النووي الثالث الذي توقعه الرياض خلال العام الحالي.

فقد توصلت الأسبوع الماضي إلى اتفاق مع روسيا حول العلاقات التقنية والاقتصادية والعلمية للاستخدام السلمي للطاقة النووية. وفي مارس الماضي وقّعت المملكة اتفاقا مبدئيا للتعاون النووي مع كوريا الجنوبية.

وقال جمال خاشقجي الصحفي القريب من دوائر صنع القرار في المملكة “لدى السعودية مشاريع كبيرة في مجال الطاقة النووية”، وأضاف “بالطبع إنها مشاريع سلمية رسميا”، لكن الخبرة النووية يمكن أن تستخدم في تطوير أسلحة.

برامج سلمية لكنها تتيح امتلاك الخبرات النووية اللازمة لتطوير أسلحة إذا اقتضت الضرورة

وبموجب اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في أبريل الماضي ستخفض إيران عدد أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها.

وتقول إيران إن برنامجها سلمي، لكن إذا علمت السعودية أن طهران ماتزال تحاول تصنيع سلاح نووي فلن يكون هناك “خيار آخر” أمام الرياض سوى متابعة سياسة الردع الخاصة بها حسب خاشقجي.

ومن جهته، كتب المحلل السعودي نواف عبيد، وهو زميل زائر في مركز بيلفر بجامعة هارفارد، على موقع سي ان ان الأسبوع الماضي إن لدى الرياض “الرغبة والإرادة” لامتلاك قنبلة نووية.

لكن مسؤولا سعوديا أبلغ وكالة فرانس برس أن المملكة لن “ترتكب مخاطرة” السعي إلى امتلاك السلاح النووي. وأضاف أن سياسة التدخلات الايرانية في سوريا والعراق واليمن ولبنان تشكل خطرا بغض النظر عن الأسلحة التي تمتلكها طهران.

وبدوره، قال مارك فيتزباتريك مدير برنامج منع الانتشار النووي ونزع السلاح في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن “أفضل طريقة لتعزيز خيارات الأمن السعودي هي الشراكة مع مختلف الدول الغربية”.

وتابع فيتزباتريك أن “اتفاق المفاعل النووي الفرنسي يوفر وسيلة أخرى من الطمأنينة من قبل الشركاء الغربيين المهتمين بمصالح السعودية”.

والاتفاق النووي كان بين استثمارات بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 12 مليار دولار أقرت خلال زيارة ولي ولي العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان إلى باريس. وتبين قيمة الاستثمارات استعداد السعودية لتسخير ثقلها المالي في تأسيس شراكات تقوم على تشبيك المصالح بحيث لا يمكن فضها والتراجع عنها بسهولة، وبمجرّد حدوث متغيرات.

وتحسين الروابط مع فرنسا يسلط الضوء على تعميق العلاقات بين الخليج والدول الكبرى بعيدا عن الحليف التقليدي للمنطقة أي الولايات المتحدة. وقال فيتزباتريك إن هناك انعدام ثقة كبيرا بين واشنطن وطهران لكنهما لديهما الآن قنوات اتصال، ما “يشكل قلقا مشروعا بالنسبة إلى السعودية”.

وجاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس بعد أسبوع واحد من زيارته إلى روسيا حيث تم الاتفاق على تعاون عسكري وغيره من الاتفاقات إلى جانب الاتفاق النووي.

وتدعم روسيا وإيران الرئيس السوري بشار الأسد في حين تدعم الرياض الثوار السوريين. لكن صحيفة سعودي غازيت رأت أن التعاون بين موسكو والرياض “سيضمن الوحدة الوطنية والأمن في كلا البلدين”.

واعتبر خاشقجي أن على السعودية مواصلة “ضمان استقلالها الأمني. لا يمكن اعتبار الضمانات الأميركية أمرا مؤكدا”.

وختم قائلا “نحن قلقون جدا حيال التوسع الإيراني، الشرق الأوسط ينهار ولا أحد يساعد على لململة أجزائه”.

3