النووي لا يختزل مشكلة إيران مع العرب والعالم

الاثنين 2013/09/30

أخيرا اتفّق الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن على قرار في شأن السلاح الكيميائي السوري. لا يقدّم القرار ولا يؤخر نظرا إلى أنه لا يدين صراحة استخدام النظام السوري هذا السلاح في سياق حربه على شعبه.

لا يمكن اختزال الأزمة السورية بالسلاح الكيميائي. كذلك، لا يمكن اختزال علاقة إيران من جهة، والعرب والمجتمع الدولي من جهة أخرى بملفها النووي.

هناك رغبة لدى النظام الإيراني في حصر التفاوض معه بالملف النووي وتجاهل ما يفعله في هذه المنطقة أو تلك من العالم، بدءا بلبنان والعراق وسوريا وصولا إلى اليمن مرورا بالبحرين وأيّ دولة خليجية يستطيع أن يعثر فيها على منفذ يستطيع من خلاله إثارة النعرة المذهبية. أكثر من ذلك، يسعى النظام الإيراني إلى استخدام الملف النووي بغية الاعتراف بدوره الإقليمي من منطلق أن إيران دولة عظمى في الشرقين الأدنى والأوسط.

جاءت الشكوى من استخدام النظام السوري السلاح الكيميائي متأخّرة كثيرا. العالم كلّه يعرف أن هناك كمية كبيرة من هذا السلاح مخزّنة في الأراضي السورية. والعالم كلّه يعرف أن هذا السلاح له جهة استخدام واحدة هي الداخل السوري، أي الشعب السوري.

المؤسف أن هذا العالم لم يستفق على خطورة السلاح إلا من زاوية أنه يمكن خروجه من تحت السيطرة وأن يستخدم ضدّ إسرائيل. وهذا ما لفت إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المقال الذي نشره يوم الثاني عشر من أيلول- سبتمبر الجاري في صحيفة «نيويورك تايمز». جاء المقال في سياق حملة العلاقات العامة التي استهدف بوتين من خلالها الحؤول دون ضربة أميركية لمواقع عسكرية تابعة للنظام السوري.

ما ينطبق على الكيميائي السوري ينطبق على النووي الإيراني. لا اهتمام بهذا الملف إلا من الزاوية الإسرائيلية، ومن إمكان إنتاج إيران يوما سلاحا نوويا يمكن أن يستخدم ضد إسرائيل. لا اهتمام يذكر بأن المفاعل النووي في بوشهر يمكن أن يؤذي الدول العربية في الخليج، في حال طرأ عليه عطل شبيه بذلك الذي تعرّض له مفاعل تشرنوبيل.

فالكويت لا تبعد أكثر من ثلاثمئة كيلومتر عن بوشهر، في حين أن طهران تبعد عن موقع المفاعل نحو ألف وسبعمئة كيلومتر، أي أن لا مجال لأيّ ضرر يلحق بها في حال حصول هزة أرضية في منطقة زلازل يقع فيها مفاعل بوشهر.

بدل التركيز على الملف النووي الإيراني، وهو بالفعل ملفّ مهمّ، يفترض التركيز على الأهمّ. الأهم هو ما تفعله إيران في سوريا ولبنان والعراق واليمن والبحرين وحتى في السودان وقطاع غزّة وسيناء.

بعض الأمثلة تبدو أكثر من ضرورية لإعطاء فكرة عن الدور الإيراني. ماذا تفعل إيران في لبنان. لماذا هذا الإصرار على تعطيل تشكيل حكومة لبنانية برئاسة الرئيس تمّام سلام؟ لماذا هذا الإصرار على أن تكون هناك ميليشيا مذهبية إيرانية في لبنان، عناصرها لبنانية، على استعداد للقتال في سوريا حماية لنظام أقلّ ما يمكن أن يوصف به إنّه طائفي؟ لمصلحة من تؤدي هذا الدور الذي يصبّ في نهاية المطاف في تدمير لبنان وسوريا؟

حسنا، لنضع لبنان وسوريا والعراق جانبا، ما الفائدة من الحملة التي يشنّها الأمين العام لـ»حزب الله» في لبنان السيّد حسن نصرالله على دولة مثل البحرين؟ هل المطلوب عزل لبنان عن محيطه العربي وتأكيد أنه تابع للمحور الإيراني- السوري، بل ذيل له، وذلك من منطلق مذهبي بحت؟

هل المطلوب تأكيد أن إيران تمتلك أوراقا في البحرين وأنها تستخدم هذه الأوراق ببراعة انطلاقا من لبنان، عندما لا تريد الدخول المباشر على الخط والاكتفاء بتلك المقارنة، التي لا أساس لها، بين الوضعين سوريا والبحرين.

وهذا ما حصل على لسان الرئيس الجديد حسن روحاني في حديث أدلى به قبل أيّام إلى صحيفة «واشنطن بوست»؟

لا يوجد شخص يمتلك حدّا أدنى من الوعي السياسي إلا ويدرك أن مثل هذه المقارنة بين الوضعين السوري والبحريني غير واردة، وأنّ كل المطلوب ممارسة ضغوط إيرانية على المنامة من جهة، والإساءة إلى اللبنانيين الموجودين في دول الخليج من جهة أخرى. نعم، هناك مشاكل في البحرين، وهي مشاكل قابلة للعلاج، وهي تعالج فعلا. لكنّ هذه المشاكل لا تقارن بما تشهده سوريا حيث ثورة حقيقية يقوم بها شعب يسعى إلى التخلص من نظام فئوي يسعى إلى استعباده، نظام لا يؤمن سوى بإلغاء الآخر.

لا يمكن إلا الترحيب بأيّ تقارب أميركي-إيراني يؤدي إلى إغلاق الملف النووي. ولكن لا يمكن في الوقت ذاته إلا اتخاذ موقف حذر من مثل هذا التقارب في حال تجاهل الولايات المتحدة للملّفات الإقليمية، خصوصا التورط الإيراني في كلّ ما من شأنه تفتيت المنطقة العربية عن طريق إثارة كلّ أنواع العصبيات. فالمشكلة مع إيران ليست في الملف النووي، الذي تدعي إسرائيل أنه موجه إليها. المشكلة في مكان آخر. هل إيران دولة طبيعية في المنطقة تسعى إلى العيش مع جيرانها بأمان وأن تتعاون معهم في كلّ الميادين، أم أنها نظام يدرك أنه غير قادر على حلّ أي مشكلة في الداخل الإيراني وأن عليه الهرب باستمرار إلى الخارج؟ فعل النظام السوري ذلك في الماضي طوال ما يزيد على أربعة عقود. كانت النتيجة ما يدور الآن على الأرض السورية.

هل تريد إيران بالفعل أن تكون نهاية نظامها أفضل من نهاية النظام السوري؟ الجواب بكل بساطة أن ذلك متوقف على استيعاب واقع يتمثّل في أنه آن الأوان للاعتراف بأن الفشل يجب أن لا يقود إلى المكابرة والاستكبار بمقدار ما أن المطلوب اليوم قبل غد الاعتراف بأن لا معنى للانفتاح نوويا من دون شعور اللبناني والسوري والبحريني والعراقي واليمني وكلّ عربي في المنطقة أن هناك إيران أخرى، لا تراهن على إثارة الغريزة المذهبية وتعزيزها.

بكلام أوضح ثمة حاجة إلى شعور كل مواطن عربي بأنّ إيران بدأت تنتهج سياسة مختلفة تماما مع وصول حسن روحاني إلى الرئاسة خلفا لمحمود أحمدي نجاد.. هل تستطيع إيران القيام بهذا الانقلاب قبل أن ينقلب شعبها على نظام جعل نسبة أربعين في المئة من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر؟


* إعلامي لبناني


8