النيات الواعية وشياطين الإبداع

السبت 2015/10/17

يفضي الإلحاح المتواصل على الأهمية الفائقة التي تكتسيها حاجة الكاتب المبدع إلى الإجابة عن الأسئلة الأساسية المتصلة بهدف الكتابة (الرّسالة) وموضوعها وأسلوب تقديمها وبنيتها، ومتلقيها (المرسل إليه) الذي تسهم خصائصه في تحديد مكونات الرّسالة وتمييز خصائصها اللّغوية والأسلوبية، إلى توليد انطباع مؤداه أنّ هذا الإلحاح ينطوي على إعطاء قيمة ما للقصدية في الإبداع الأدبي والفني، وهو أمر يتناقض مع المبدأ الإبداعيّ الجماليّ الرّاسخ الذي يؤكّد أنّ “انتصار النّيات الواعية للكاتب يميت الإبداع″.

ولإزالة هذا اللّبس، أو التّناقض الظاهري، نسارع إلى توضيح حقيقة أنّ القصديّة التي نطالب بالأخذ بها، وندعو إلى التأكّد باستمرار من إعمالها، إنما تتعلّق بالجهد الذي ينبغي للكاتب أن يبذله قبل الانهماك في العملية الإبداعية، وبعد الخروج منها، وذلك على النّحو الذي يمكّنه من بلورة المعطيات والخصائص المتصلة بالغرض، والموضوع، والمتلقي، ومن إعداد ما يلزم من تحضير ضروريّ على مختلف مستويات العمل، ومن تملّك مؤكّد للأدوات الثّقافية والفنية واللّغوية والأسلوبية التي تمهّد السّبيل أمامه لولوج حقل الإبداع الأصيل، والشّروع في إنشاء الكتابة، والإقدام على مراجعة ناتج العملية الإبداعية في ضوء المعايير التي حدّدها لنفسه بنفسه انطلاقا من معطيات مادته، ووفق تقديره ورؤيته.

وتلك، في ما نحسب، من أبرز خصائص الكتابة التي تعي نفسها؛ فتراجع منجزها، صقلا وتشذيبا، لتكون كتابة قادرة على اختراق عالم أدب الأطفال لتخطّ لنفسها، برشاقة واقتدار، سياقا مميزا فيه، ولتنفتح بدورها، على العالم الأدبي الواسع كي توسّع حدوده إذ ترسّخ حضورها في رحابه مضيئة المزيد من فضاءاته وآفاقه الواسعة.

لا شيء في الحياة بريء وعفوي، ولم يعد لشياطين الإبداع وجود في الوجود، وليس لها من مفعول يذكر في مخيال الإنسان المعاصر؛ فثمة موهبة لا تبين ولا تصقل إلا بالتعلّم والمران والدّربة، وبأخذ النّفس بالجد والاجتهاد والمثابرة؛ وثمة، في خاتمة المطاف، تجريب يفضي، إن هو توبع من قبل الكاتب، إلى اكتشاف آليات الإبداع وقوانينه الدّاخلية وممكنات الكتابة؛ ولا شكّ، أبدا، في أنّ لكلّ كاتب أو مبدع حقيقيّ خصوصية أو فرادة تميّزه عن غيره، فتبرّر وجوده المتفرّد في مجاله الإبداعي.

وليست العملية الإبداعية، في خاتمة المطاف، إلاّ جدلا مستمرا ومفتوحا بين الوعي واللاوعي، بين الكاتب ومعطيات مادته الخام، بينه وبين مكونات محيطه الاجتماعي ومجاله الثقافي، بينه وبين النصوص التي تسكنه، والرؤى التي تموج في كيانه، والأدوات والمهارات والقدرات الفنية التي يمتلكها، والتي يعزّز امتلاكه لها، ويكتسب المزيد منها، عبر استمراره الواعي في ممارسة كتابة تعي نفسها، فلا تكتب الإنشاء بل تنشئ الكتابة.

نعم، كلّما انتصرت النّيات الواعية مات الإبداع، وذلك لأنّ حركة الجدل تكون قد توقّفت عن الاشتغال والموران فأوقفت علاقة التّفاعل بين الذّات والعالم، وألغت علاقة التّواصل والانسجام بين الدّال والمدلول، وجرّدت اللّغة من حيويّتها الخلّاقة ومن جمالها العالي، وأحالتها إلى مجرّد وسيلة جامدة، أو أداة سالبة صمّاء خرساء لا تصغي لنفسها ولا تحسن القول، أو محض قناة بثّ وتوصيل وتلقين لا تحمل شيئا سوى الجمل الإرشادية، والعبارات الوعظية المسكوكة، والأقوال الإنشائية المبتذلة، التي تنأى عن الإبداع، فتفارقه وتجافيه في كلّ وقت، وفي كلّ حيّز ومقام، وفي كلّ موضع ووضع ومقتضى وحال.

ويبدو -تأسيسا على ما تقدّم- أنّ وجهة النّظر التي نتبناها، وندعو إلى مناقشاتها وإثرائها، ولا سيما لجهة تمييز أدب الأطفال، والسّعي نحو تحديد سماته وخصائصه النّوعية بوصفه فرعا من فروع الأدب بمعناه الواسع، تلتقي، في ما نحسب وإلى حدّ بعيد، مع الرؤية التي يتبناها رافضو الطّابع الإنشائي التّلقيني الوعظي الذي يتبناه، بوعي أو من دون وعي، أغلب الكاتبين أو المستكتبين الذين يتصدّون لكتابة الإنشاء وتقديمها للأطفال بوصفها أدبا خاصّا بهم. ويبدو أنّ إلحاح الكاتب والروائي المرموق ميشيل تورنييه (المولود في فرنسا عام 1924) على هذا الرّفض، وإدراكه العميق مدى الخطورة النّاجمة عن مسخ الإبداع في صور إنشائية وعظية تلقينية، هو الدّافع الحقيقي وراء مغالاته في رفض وجود أيّ خصوصيّة لأدب الأطفال، بينما كان يوغل في مناقشة غنيّة أسفرت -ويا لروعة المفارقة- عن توضيح هذه الخصوصية، وتأكيدها، وتعميق مؤسّساتها الفكريّة والجمالية في آن معا.

ناقد أدبي وكاتب من فلسطين

16