النيران تلتهم صبرا هشا في مصر

لفتت أحداث اشتعال الحرائق بشكل مكثف في الفترة الأخيرة داخل العديد من الأحياء في القاهرة انتباه السلطات والسياسيين والخبراء والمواطنين إلى أن شيئا ما ربما يحدث لتدمير الاقتصاد المصري، فأغلب تلك الحرائق استهدف مجمعات تجارية ومحلات وأسواقا، الأمر الذي يضعها في خانة العمل المدبر. ولعل ذلك من شأنه حصر الجهة المسؤولة عن تصوير الحالة المصرية الآن في شكل فوضى.
الأربعاء 2016/05/18
في انتظار إجراءات بحجم الكارثة

القاهرة - الغموض الذي يحيط بأسباب الحرائق المتكررة في مناطق حيوية من مصر خلال الأيام الأخيرة، دفع الكثيرين إلى صب غضبهم وأحيانا السخرية من النظام، خاصة في ظل صمت الحكومة والجهات المعنية عن تفسير أسباب تلك الحرائق.

عبارة “مصر تحترق” أصبحت عنوان الساعة، فلا يكاد يمر يوم دون أن يستيقظ الرأي العام على حريق جديد، تتنوع خسائره حسب المنطقة التي اندلع فيها وتتفاقم إذا شب في واحدة من المناطق التي تقول وزارة الداخلية إنها عصيّة على الإطفاء بسهولة.

غابت نظرية المؤامرة عن بيانات وتصريحات وزارة الداخلية للمرة الأولى منذ ثورة 30 يونيو 2013، حيث لم تتهم أطرافا محلية أو دولية بالمسؤولية عما يحدث، ما ضاعف من علامات الاستفهام التي بدأت تتزايد مع كل حريق ينشب في مناطق صناعية وتجارية كبرى، خاصة مع تصريح أبوبكر عبدالكريم الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية الذي أكد أن جماعة الإخوان المسلمين ليست وراء تلك الحرائق المتتالية. وما يزيد من الغموض أن الحرائق تنشب في أكثر من مكان في توقيت واحد، مثلما حدث في منطقة العتبة وسط القاهرة، عندما اشتعلت النيران في 245 متجرا في نفس اللحظة، ما دفع إلى الاعتقاد أنه كانت بفعل فاعل.

وألقت أجهزة الأمن القبض على موظفين اتهما بالضلوع في حريق مبنى محافظة القاهرة، وكشفت تقارير أمنية تورط موظفين آخرين في إشعال حريق مبنى مديرية أمن الجيزة مطلع الشهر الجاري، ما قد يفنّد وجود مؤامرة.

نظرية المؤامرة غائبة عن بيانات وتصريحات وزارة الداخلية للمرة الأولى منذ ثورة 30 يونيو 2013

حريق القاهرة

تكرار الحوادث وغموض أسبابها دفعا البعض إلى الربط بينها وحريق القاهرة في يناير عام 1952، الذي يعتبر من أبشع ما تعرضت له العاصمة المصرية في القرن العشرين، وأكثر صفحات تاريخها غموضا، وأشدها تأثيرا في مجريات الأحداث. فقد تسببت سلسلة الحرائق التي اندلعت في يناير من ذلك العام على أيدي مجهولين والتهمت نحو 700 محل وسينما وكازينو وفندق ومكتب وناد في شوارع وميادين وسط المدينة بالقاهرة في استقالة حكومة حزب الوفد، كما مهدت لثورة 23 يوليو من نفس العام.

وظل الفاعل مجهولا حتى الآن، لكن هناك من وجّه الاتهام إلى اليهود والإنكليز، وهناك آخرون ألقوا التهمة على سياسيين منهم أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة الاشتراكي وجماعة الإخوان المسلمين.

محمد مصطفى، مالك أحد المحال التي احترقت بمنطقة العتبة، اتهم في تصريحات لـ”العرب” أيادي خفية بتعمد إشعال الحرائق بمنطقة وسط القاهرة لنقل الباعة إلى مكان آخر، تمهيدا لبيع منطقة العتبة إلى أحد المستثمرين، وقال إن غالبية أصحاب المحال يعرفون ذلك جيدا. وأضاف مصطفى أنه شاهد بعض الأشخاص يلقون بمواد شديدة الاشتعال حتى يزيدوا المهمة صعوبة على رجال الإطفاء، الأمر الذي تسبب في استمرار الحرائق لمدة يومين على التوالي، ما يعزز فرضية المؤامرة، خاصة مع تصريح مسؤولين بمحافظة القاهرة عن خطة لإخلاء المنطقة من الباعة. وفي سياق متصل عزز الفحص المبدئي لمعاينة النيابة العامة حريق محال الأقمشة بمنطقة الغورية، في حي الحسين بالقاهرة، شكوك أصحاب المحال التجارية بالمنطقة، حيث أكد الفحص أن الحريق وقع “بفعل فاعل”.

نبيل فؤاد: تكرار الحرائق أمر غير طبيعي وليس محض صدفة وهناك جهات بعينها مسؤولة

وزير الداخلية في مرمى النيران

على المستوى السياسي، وضعت الحرائق مجدي عبدالغفار وزير الداخلية في مرمى نيران البرلمان، حيث تقدم العشرات من النواب باستجوابات عاجلة للوزير، للمطالبة بالكشف عن أسباب الحرائق، وما إذا كانت نتيجة مؤامرة أو إهمال من قوات الحماية المدنية، غير أن الوزير لم يرد على البرلمان.

ويرى الخبير الأمني نبيل فؤاد أن تكرار الحرائق “غير طبيعي وليس محض صدفة”، متهما جهات بعينها، لم يسمها، بالوقوف وراء كل ما يحدث من حرائق، واستبعد التقصير الأمني، خاصة وأن أحد مقار وزارة الداخلية اشتعل، ولا يعقل أن تشعل الوزارة النار في نفسها. وأوضح نبيل فؤاد لـ”العرب” أن جهات التحقيق ستكشف المسؤول الحقيقي عن كل هذه الأحداث، معتقدا أن البعض يقوم بها بتوجيهات، لا سيما أن الحرائق تشتعل في أوقات متقاربة، ما يكشف أن هناك من يريد إظهار مصر كدولة لا تستطيع مواجهة الأزمات وهذا غير حقيقي.

ورأى مراقبون أن هناك تعمدا لخلق احتقان بين الشعب والدولة، خاصة بعدما شن مجهولون هجوما بالمولوتوف على الحماية المدنية بمنطقة العتبة وهو المركز الرئيسي للمطافئ بالمنطقة، بالتزامن مع حريق منطقة الرويعي، للحيلولة دون وصول القوات لإطفاء الحريق، ومن ثم إظهار وجود تقصير أمني في التعامل مع الحريق الذي التهم 245 محلا تجاريا.

وطرح متابعون تساؤلات عديدة حول تكرار الحرائق في مناطق تتسم بالخطورة والحيوية، ويصعب وصول المطافئ إليها بسهولة، لأن شوارعها ضيقة للغاية، ما يستدعي تدخل مروحيات الجيش لإطفائها.

إيهاب يوسف خبير الشؤون الأمنية وإدارة المخاطر، اعتبر الحرائق ممنهجة لأنه من غير المعقول أن يتصادف اندلاع العشرات من الحرائق في أوقات متقاربة، ورجح أن الحرائق التي تستهدف زعزعة الاقتصاد وخلخلة الأمن وزيادة الاحتقان في الشارع تخدم جماعة الإخوان.

وأشار في تصريحات لـ”العرب” إلى أن حديث أصحاب المحال التجارية عن وجود أياد خفية وراء هذه الحوادث، يعزز وجود مخطط حقيقي يستهدف الدولة المصرية بشكل عام، وأن وزارة الداخلية لا تريد استباق التحقيقات التي تجريها الجهات المعنية باتهام فصيل محدد. ومن جانبه، قال عبدالحميد زايد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم، إن هناك محاولات لتوظيف الحرائق بشكل سياسي، سواء من جانب المعارضة أو النظام، وأصبح كل طرف يحاول استغلال هذه الأحداث للتأكيد على صحة وجهة نظره.

6