النيكوتين كالكافيين له آثار إيجابية

يسعى عدد من العلماء إلى تبرئة النيكوتين من المضاعفات الصحية الخطيرة التي يخلفها التدخين، وفي الوقت الذي يؤيدون تسببه في الإدمان على السجائر لا يرون ضيرا في تعاطي بضع جرعات يومية لها نفس مفعول الكافيين بالجسم.
الخميس 2015/05/21
متخصصون في إدمان التبغ: التدخين هو الجاني وليس النيكوتين

لندن - منذ أقلع دانييل عن تدخين سجائر (مارلبورو لايتس) قبل خمس سنوات صارت عادته الأثيرة مضغ علكة النيكوتين بنكهة الفاكهة التي تباع في صورة شرائط أنيقة في عبوات سهلة الفتح ويتناول من 12 إلى 15 قطعة منها يوميا، ويقول إنه يحتفظ بعدد كبير منها في كل مكان يرتاده .. لكنه لا يعتبر نفسه مدمنا على النيكوتين.

ومثله مثل كثيرين يرى دانييل أن علكة النيكوتين أقل ضررا بالنسبة إليه من التدخين، فيما يجمع الأطباء على ذلك في شتى أرجاء العالم قائلين بأنه عندما تخلى عن السجائر فإنه أزاح جانب 90 بالمئة على الأقل من المخاطر الصحية لهذه العادة.

ومع ذلك فإن احتمال إدمان الناس للنيكوتين -لكن ألا يتوفوا بسببه- لا يزال في صميم جدل صاخب داخل الأوساط العلمية. ولا يشك العلماء في احتمال إدمان النيكوتين، لكن البعض يتساءل عما إذا كانت جرعة يومية منه غير ضارة مثلها مثل الكافيين الذي يتناوله الكثيرون منا في قهوة الصباح.

واحتدمت حدة هذا الجدل مع ازدياد شعبية السجائر الإلكترونية -التي تعمل ببطارية لإنتاج كميات مقننة من بخار النيكوتين بطريقة آمنة من خلال تسخين سائل مشبع بالنيكوتين لإنتاج بخار يستنشقه المدخن بدلا من حرق التبغ- وهي السجائر التي ساعدت البعض على الإقلاع عن التدخين.

شركات صناعة السجائر تستخدم مختلف المواد الكيماوية لجعل نيكونين السجائر أكثر فاعلية وقوة

وتتعارض فكرة أن النيكوتين ينطوي على ضرر قليل نسبيا مع الصورة السلبية عن هذه المادة التي تراكمت على مدار عشرات السنين حتى صار التدخين خطرا صحيا محققا.

ويرى علماء النفس ومتخصصون في إدمان التبغ -منهم البعض في مختبرات عالمية كبيرة ببريطانيا- أن الوقت قد حان للتمييز بشكل جلي بين النيكوتين والتدخين. ويقولون إن الأدلة تشير إلى أن التدخين هو الجاني وليس النيكوتين.

وقالت آن مكنيل، أستاذة إدمان التبغ بمعهد الصحة النفسية والطب النفسي وعلوم الأعصاب بكلية كينجز بلندن التي أمضت حياتها العملية في إجراء أبحاث عن سبل إقناع الناس بالإقلاع عن التدخين، “علينا أن نمحو الصورة السلبية السيئة عن النيكوتين”.

وأظهرت نتائج بعض الدراسات أن النيكوتين مثله مثل الكافيين يمكن أن تكون له آثار إيجابية فهو منشط يسهم في زيادة ضربات القلب ويرفع من سرعة استجابة الجسم للإشارات الخاصة بالحواس، كما أنه يقلل من التوتر ويشحذ القدرات الذهنية للمخ.

كل ذلك يثير بضع أسئلة: هل بوسع النيكوتين أن يقوي القدرات الذهنية للشبان كي يستوعبوا مواد دراسية أصعب؟ أو بالنسبة إلى المجتمع الذي يكثر به كبار السن فهل تفيد مميزاته المنشطة من يعانون من بطء التفكير كي يتجنبوا تدهور الإمكانات الإدراكية المرتبطة بمرض خرف الشيخوخة؟ وهل يبطئ من تقدم أعراض مرض الشلل الرعاش؟

حتى الآن لا تزال الإجابات غير شافية كما أن تفاوت الآراء يرجع إلى أسباب سياسية ووجدانية وأيضا علمية.

التدخين المخفف يعادل مفعول فنجان من القهوة

وقالت مكنيل إن أبحاثها تجئ في جزء منها تكريما لأستاذها ومعلمها السابق بكلية كينجز عالم الطب النفسي البريطاني مايك راسل الذي كان منذ نحو 40 عاما واحدا من أوائل العلماء الذين يشيرون إلى أن الناس “يدخنون للاستمتاع بالنيكوتين لكنهم يموتون بسبب القار”، وهي فكرة ساعدت في إرساء أسس ودعائم تقنيات وسوق العلاج باستبدال النيكوتين ومنها علكة النيكوتين والرقع التي توضع تحت الجلد للمساعدة على الإقلاع عن التدخين والبخاخات وحديثا السجائر الإلكترونية.

ويقول مايك دوب أستاذ السياسات الصحية بجامعة كيرتن في أستراليا إن بعض العلماء يشيرون إلى أن صناعة التبغ استغلت رؤية راسل وظلت تطلق لعدة عقود وعودا وهمية خادعة بإنتاج سجائر (لايت) ذات محتوى أقل من المواد الضارة الأمر الذي اجتذب المزيد من المدخنين.

وقالت مكنيل إن أحد أسباب إدمان التدخين هو الكفاءة العالية التي ينتشر بها النيكوتين في الجسم “فتدخين سيجارة تبغ واحد هي من أفضل الطرق لتوصيل النيكوتين للمخ وأثره أسرع حتى من الحقن في الوريد”. كما أن شركات صناعة السجائر تستخدم مختلف المواد الكيماوية لجعل نيكونين السجائر أكثر فاعلية وقوة. والنيكوتين النقي يمكن أن يسبب الوفاة لو تم تعاطيه بكميات كبيرة وثمة شواهد على أنه قد يسبب تشوهات في نمو المخ لدى البالغين، لا سيما في مناطق المخ الخاصة بالذكاء واللغة والذاكرة.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن التدخين يقتل نصف عدد مدمنيه علاوة على 600 ألف شخص سنويا ممن لا يدخنون لكنهم يتعرضون لمخاطر التدخين السلبي ما يجعل التدخين أكبر مسبب للوفيات في العالم، فيما تشير التوقعات إلى أن إجمالي المتوفين بسبب التدخين سيصل إلى مليار شخص في نهاية القرن الحالي.

واكتشفت دراسة حديثة قام بها فريق من الباحثين من جامعة (ناغويا) اليابانية أن التدخين يدمر مقدرة الجلد على تجديد نفسه بفاعلية وبالتالي يسرع ظهور علامات الهرم عليه. وهذا يؤيد ما كان يعتقده العلماء من كون التدخين يجعل الإنسان يهرم قبل بلوغه سن الهرم بالنظر لظهور مزيد من التجاعيد على الجلد وخاصة المرأة.

النيكوتين يرفع من سرعة استجابة الجسم للإشارات الخاصة بالحواس، ويقلل من التوتر

ويشرح فريق البحث كيفية تأثر الجلد بالتدخين بقولهم: إن الخلية التي تتعرض للدخان تفرز أكثر من غيرها بكثير أنزيما مسؤولا عن إتلاف الجلد، وذلك أن الجلد يبقى صحيحا نضرا لما جعل الله فيه من الآلية الحيوية التي تمكنه من تجديد نفسه باستمرار. وهذه العملية تعتمد على توازن دقيق بين سرعة التلف وسرعة التجديد بالأنسجة البديلة، فيقوم الجلد بالتخلص من الجلد القديم التالف عبر إفرازه لأنزيمات تدعى (آم أم بي).

ووجد الباحثون اليابانيون أن خلايا الجلد التي تتعرض لدخان السجائر تفرز هذه الأنزيمات بسرعة أكبر من السرعة الطبيعية. فيتسبب ذلك في إرهاق تلك الخلايا واستنزاف ما تفرزه من تلك الأنزيمات.

ووجد من خلال تلك الدراسة أيضا أن التدخين يقلل مقدرة الخلايا على إفراز ألياف (الكولاجين) الذي يعتبر المادة الأساسية في الجلد بنسبة 40 بالمئة عن الطبيعي.

17