الهاتف الذكي خطر يهدد تماسك الأسرة

كان لظهور التكنولوجيا الحديثة تأثير واضح على أسلوب ونمط الحياة، وكان للأسرة والحياة الزوجية نصيب من هذا التأثير الذي لعب دورا في فتور العلاقة الزوجية وتباعد أفراد الأسرة، وصل في بعض الأحيان إلى انهيار تلك النواة الاجتماعية وتفككها بفعل الهاتف الذكي.
الثلاثاء 2016/02/09
التفتيش عن الاهتمام

تركت التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات في الهاتف الذكي بصمة واضحة في حياة الأشخاص، وخاصة العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، حيث سيطر الهاتف الذكي على الوقت والعقول إلى درجة أصابت الأزواج والزوجات والأبناء بحالة من الخرس والتشتت الأسري، كما أثار غيرة الأزواج عند ملاحظة أحدهم للآخر وهو يتواصل مع أشخاص غرباء، وجعل الأبناء يعيشون حالة من الانزواء وهم منكبّون على كتابة الرسائل أو تلقّيها.

وأكد باحثون في جامعة إسيكس البريطانية في دراسة حديثة، أن الأشخاص الذين ينخرطون في نقاشات شخصية عندما يكون الهاتف الذكي قريبا منهم، حتى وإن لم يتم استخدامه، يكونون أقل ثقة في شركائهم، كما أوضحت الدراسة أن الهواتف الذكية يمكن أن تصرف انتباههم وتركيزهم.

ويقول البروفيسور جان ديشيليه، أحد المشاركين في الدراسة: إن الهواتف الذكية أصبحت ذات تأثير سلبي على العلاقات الاجتماعية، بل إنها قادرة على تمزيق الروابط الزوجية، فالشبكات الاجتماعية يمكنها أن تهدد العلاقات، حيث تحقق الإشباع الفوري، وتمكن من تحقيق نجاح سريع في الولوج إلى المستجدات، وهي عوامل قد تقود إلى الإدمان.

وتشير الإحصائيات إلى أن المرأة أكثر إدمانا على الهواتف الذكية من الرجل، حيث تبلغ نسبة الإناث المدمنات على الهاتف الذكي واللاتي يخشين فقدان الهاتف أو نسيانه حوالي 70 بالمئة، و36 بالمئة منهن يملن إلى امتلاك أكثر من هاتف، وتزداد نسبة الإصابة بهذا الإدمان بين صفوف الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و25 عاما، وقد أكدت دراسة بريطانية أن 70 بالمئة من النساء يجدن الهواتف الذكية أهم من أزواجهن.

(قلق اللا هاتف) ظاهرة انتشرت بين مستخدمي الهواتف الذكية وخاصة فئة الشباب

وهنا توضح الدكتورة حنان زين، من مركز السعادة للاستشارات الأسرية، أن خير مثال على تعلق المرأة بالهواتف الذكية، أنها وصلت إلى درجة جعلتها تنشغل عن الاهتمام بشؤون المنزل وأطفالها وزوجها، فأصبح الهاتف الذكي يلازمها في كل مكان، حتى أثناء إعداد الطعام لأسرتها وعند الجلوس مع الزوج، ما يؤدي إلى تقصيرها في دورها، إضافة إلى ذلك فالشبكات الاجتماعية تمكن من التواصل مع الأصدقاء وتعزز الشعور الفوري والمكثف بالحميمية، ويمكن أن تجعلنا نقتنع بمثالية العلاقات الافتراضية، وبالتالي بذل طاقة خاصة في انحرافات رقمية بدلا عن الاهتمام بشريك الحياة، بل الأسوأ من ذلك فالشبكات الاجتماعية قد تمهد الطريق للخيانة العاطفية وتكون بداية الانهيار للأسرة.

وبدوره، يؤكد الدكتور سعد عبدالرحمن، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس، أن الهواتف الذكية تركت آثارا كبيرة على حياة الأشخاص، حيث أصبح الكثيرون سجناء لتلك الهواتف، يتحدثون ويفرحون ويحزنون على شاشاتها، بعيدا عن أصدقائهم والمقربين إليهم وحتى أسرهم، فالتكنولوجيا على الرغم من أنها تتيح التواصل بشكل دائم بالعالم، إلا أنها قد تتسبب في انقطاع التواصل بين الأفراد، مشيرا إلى أن الهاتف الذكي أصاب مستخدميه بالغباء الاجتماعي، ومن أبسط أشكاله هو فقدان التواصل الحي بين الأصدقاء والمقربين في المحيط الاجتماعي.

ومن جانبه، أشار الدكتور وائل أبوهندي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق، إلى أن “قلق اللا هاتف” ظاهرة انتشرت بين مستخدمي الهواتف الذكية وخاصة فئة الشباب، حيث لا يستطيع هؤلاء تخيل حياتهم دون هاتف، ويصابون بالقلق حال انقطاع الشبكة، وهذا أمر منذر بالإدمان، لافتا إلى أن الهواتف الذكية تجمع بين أخطار إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية، وبلغت أخطارها أن البعض من النساء يرينها أهم من الأزواج، وهذا ما سبب انشغال بعضهن عن أزواجهن، كونها تحقق لهن تواصلا يفتقدنه في العلاقة الزوجية، فيزداد الصمت الأسري وقد يصل إلى حد الخرس.

وأضاف أبوهندي: أن الهواتف الذكية، غيّرت قيم المجتمع الذي أصبح يكتفي برسالة تهنئة وربما فيديو على الهاتف، بدلا من الزيارات الحميمية بين أفراد الأسرة الواحدة أو العائلة، وكذلك الأصدقاء والمقربين، محذرا من زيادة إدمان الهواتف الذكية، ومؤكدا أنها تقطع العلاقات الحقيقية على أرض الواقع، إذ ينغلق كل فرد على نفسه في عالمه الإلكتروني الخاص.

الهواتف الذكية، غيّرت قيم المجتمع الذي أصبح يكتفي برسالة تهنئة وربما فيديو على الهاتف، بدلا من الزيارات الحميمية بين أفراد الأسرة الواحدة أو العائلة

وفي نفس السياق، ترى الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الهواتف الذكية سلاح ذو حدين، فمن الممكن استثمارها في مواكبة الثورة التكنولوجية والتعلم عن بعد باستخدام برامج مفيدة، كتحميل الكتب الإلكترونية على الهاتف، مؤكدة أن ذلك لا يسبب الإدمان، وإنما يساعد على التنمية الذاتية للإنسان، محذرة أنه إذا أُخطِئ استخدام تلك الهواتف فإنها تفتح الباب على مصراعيه لأخطار الإنترنت، وهنا تكون الخيانة الإلكترونية أسهل، خاصة أن الهاتف لا يفارق يد الزوج، كما أنها تزيد من تفكك الأسرة المعرّضة للصمت أو الخرس الزوجي.

ومع صعوبة الاستغناء عن الهاتف الذكي، تقول خضر: إنه يمكن استخدامه في تطوير العلاقة بين الشريكين، وذلك من خلال الحرص على ألا يحتل الهاتف الذكي مساحة كبيرة من الوقت المخصص للزوج والأسرة، ووضعه جانبا في حال مجالسة الزوج، والابتعاد عن روتينية الحياة الزوجية، كذلك إيقاف الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية في الليل، فوجود الهاتف الذكي إلى جانب الزوجين لا يؤثر فقط على قدرتهما على الاسترخاء، بل أيضا على العلاقة الحميمية.

21