الهاتف الذكي يعيد كاميرا التصوير إلى الحقيبة

تواجه شركات صناعة كاميرات التصوير التقليدية معضلة كبيرة تمثلت في تراجع حاد في مبيعاتها في مواجهة كاميرات أخرى تنافس جودة الصور والشرائط المصورة التي تلتقطها جودة نفس الصور والشرائط المصورة التي اعتادت كاميرا كوداك أو نيكون التقاطها.
الثلاثاء 2016/01/05
عدسة الهاتف الذكي تنظر إلى الكاميرا ولا تراها

لندن- تراجعت بشكل غير مسبوق مبيعات الكاميرات منذ ظهور كاميرات ملصقة خلف الهواتف الذكية تستطيع التقاط صور وشرائط مصورة عالية الجودة شكلت منافسة واقعية لعمالقة صناعة الكاميرات مثل كوداك ونيكون.

ويقول محللون وصحفيون متخصصون في مجال التكنولوجيا إنه بسبب الإقبال المستمر على الهواتف الذكية واستخدام كاميرات الهواتف تراجع الإقبال على اقتناء أجهزة الكاميرا.

وتحول هذا التراجع إلى واقع مأساوي بالنسبة إلى صناع الكاميرات الصغار لأن استخدام كاميرات الهواتف الذكية ازداد انتشارا مقارنة بأجهزة الكاميرا التي صنعت لهذا الغرض. ولكن هذه الحجة هي في الواقع أكثر انطباقا على مبيعات الكاميرات المدمجة، لأن الأسواق انتقلت بشكل كبير نحو تسويق الهواتف الذكية بدلا من الكاميرا.

تسجل مبيعات آلات التصوير في العالم تراجعا ملحوظا إذ تدنى العدد من 130 مليون جهاز سنة 2011 إلى 47 مليونا خلال العام الحالي، في وضع يقلق الشركات اليابانية المهيمنة على هذه السوق ويرغمها على تعديل استراتيجيتها عبر تحسين نوعية معروضاتها أو تغيير اختصاصها.

وتعيش الشركات اليابانية العاملة في هذا القطاع من دون استثناء بينها “سوني” و”نيكون” اهتزازا كبيرا بفعل هذا الوضع ما يحتم عليها التفكير في خطط لمواجهة المنافسة المتزايدة من الهواتف الذكية التي تشهد تطويرا متواصلا لمواصفاتها التقنية خصوصا على صعيد التصوير.

الأسواق انتقلت بشكل كبير نحو تسويق الهواتف الذكية التي تحقق أرباحا سريعة وهائلة بدلا من الكاميرا

ويوضح المتحدث باسم “كانون” ريشار بيرجيه أن الخطة الأولى تلحظ “طرح أجهزة لا يمكن للهواتف منافستها”. وهنا يدور مجال التنافس التكنولوجي خصوصا على تصنيع آلات بعدسات قابلة للتبديل أكثر منه على تصغير حجم النماذج.

ويظهر الأشخاص من الجيل الجديد تعلقا متزايدا بهواية التصوير خصوصا بفضل انتشار الهواتف الذكية التي توفر سهولة في التقاط الصور وتشاركها عبر خدمات التواصل الاجتماعي لا سيما منها “فيسبوك” و”انستغرام”.

ويقول بيرجيه “هم يريدون التقاط صور بجودة أعلى وإظهار إبداع أكبر” ولهذه الغاية يحتاجون إلى تجهيزات أفضل. وهنا تستند مجموعتا “نيكون” و”كانون” العريقتان على خبرتهما الطويلة في هذا المجال.

ويؤكد هيريبيرت تيبينهاور المحلل في معهد “جي أف كاي” أن “الحفاظ الدائم على هذا التفوق في مجال جودة الصورة” يمثل “خشبة الخلاص لقطاع صناعة التصوير”. كذلك يدعو إلى “مقاربة أكثر عصرية على الصعيد الوظيفي” لتزويد الأجهزة بخصائص شبيهة بتلك الموجودة في الهواتف الذكية (كإمكان الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي وتعديل الصور).

أنشطة رديفة

وفي مواجهة الشركات العاملة في مجال التصوير التقليدي، أظهرت مجموعتا “سوني” و”باناسونيك” العملاقتان اللتان انخرطتا في هذه السوق قبل التحول إلى المجال الرقمي، براعة في تسليط الضوء على مقدراتهما وسد الثغرات التي اعترت عملهما.

عمالقة صناعة الكاميرات يعصرون أذهانهم للخروج من مأزق وجودي

ويمكن في هذا الإطار لـ”سوني” التباهي بكونها المصنع رقم واحد في العالم لحساسات التصوير من نوع “كموس” كما أنها بنت مصداقية كبرى بفضل شراكتها مع شركة “كارل زايس” الألمانية المتخصصة في مجال الصناعات البصرية وشراء شركة “مينولتا” للتكنولوجيا. من ناحيتها عقدت “باناسونيك” شراكة مع شركة “لايكا” الألمانية المعروفة في مجال التصوير.

أما الخيار الثاني فيتعلق بالأنشطة الرديفة كتركيز شركة “فوجي فيلم” على طباعة الصور وعرضها كتبا وهدايا وأنواعا أخرى من الإكسسوارات، أو تركيز الشركات على أجزاء معينة من الأسواق.

ومن بين الأمثلة على هذا التوجه تصنيع آلات للتصوير الفوري تذكر بتلك المصنعة من شركة “بولارويد”. كما أن “فوجي فيلم” تحقق نجاحا كبيرا بفضل مجموعة أجهزتها الملونة والمتميزة بأشكالها “انستاكس″.

وقد أعطى مسلسل تلفزيوني كوري جنوبي زخما متجددا لمبيعات مجموعة “انستاكس″ بعد فترة من الركود. وكانت النتيجة ازدياد المبيعات من 490 ألف وحدة في 2010/2009 ألى 3.87 ملايين في 2015/2014 وخمسة ملايين في 2016/2015.

ومع ذلك، تعتبر الكاميرات الرقمية ذات العدسة الأحادية العاكسة والكاميرات من دون مرايا، في الواقع، أكثر من مجرد سوق متخصصة حيث لا تشكل الهواتف الذكية منافسا مباشرا لها، إذ تتميز هذه الكاميرات بجودة الصورة ولها ميزة كونها قادرة على التقريب (زووم) بشكل كبير.

وهناك أيضا السوق المهنية الكبيرة التي تحتاج هذه الكاميرات للعمل، وهو أمر لن يكون الهاتف الذكي قادرا على الإيفاء به. لماذا إذن استمرت مبيعات الكاميرات في التراجع؟

في السابق كان الناس يشترون الكاميرات المدمجة لتسجيل الأحداث اليومية التي يمرون بها وفي الزمن الرقمي، تم استبدال أجهزة الكاميرا بالهواتف الذكية.

الآن اعتاد الناس على الاستثمار في الكاميرات العاكسة مفردة العدسة أو بعض الكاميرات بعدسة قابلة للتبديل لأنهم أرادوا الانخراط في التصوير كهواية أو إنهم احتاجوا إليه كعمل مهني.

قبل ذلك كانت الكاميرات باهظة الثمن نسبيا. ويقول تان كيت هونغ، الباحث في شؤون التكنولوجيا “أتذكر أن أول كاميرا عاكسة مفردة العدسة ظهرت عندما كنت في المدرسة الثانوية، كانون إيوس 630 يبلغ ثمنها 350 دولارا مع عدسة يصل مداها بين 35 و70 مليمترا”.

تان كيت هونغ: لقد استخدم والدي أف801- واستخدم صديقه أف4- حتى قدوم العصر الرقمي

وأضاف “كان والدي يمتلك نيكون أف-801 تبلغ تكلفتها 420 دولارا مع عدسة يصل مداها بين 35 و70 مليمترا. قبل أن تقول إنها رخيصة، تذكر أن ذلك يعود إلى زمن كان فيه أجر الفرد أقل مما عليه اليوم، وأن سعر الكاميرات المهنية مثل نيكون أف-4 يصل إلى حوالي 930 دولارا.”

ويميل هواة التصوير إلى الاحتفاظ بهذه الكاميرات واستخدام الكاميرات العاكسة مفردة العدسة لسنوات.

ويقول تان كيت هونغ “لقد استخدم والدي أف-801 واستخدم صديقه أف-4 حتى قدوم العصر الرقمي واستبدلاها بالكاميرا الرقمية ذات العدسة الأحادية العاكسة قبل بضع سنوات فقط”.

وكانت هذه الكاميرات وقتها من بين الأجهزة الأعلى تقنية، لذلك فضل والد تان وصديقه الإبقاء عليها لسنوات. وتم استخدام هذا النوع من الكاميرات في السينما، نظرا لجودة الصورة النهائية على العدسة التي تستخدمها وعلى الفيلم.

الآن، وعلى عكس الأجهزة الرقمية حيث يتم تثبيت مجسات الصورة داخل الكاميرا، يمكن لفيلم الكاميرا الحصول على تحديث لنوعية الصورة بالاستناد إلى تقنية عالية الدقة أو تحسين اللون أو تخفيض الإضاءة مع الحفاظ على نقاء الصورة وهي التقنيات التي تعتمدها شركات مثل فوجي أو كوداك.

ومع ظهور الكاميرات الرقمية بدأ المستخدمون في تحديث كاميراتهم، عادة على أساس مدة تمتد لعامين، كلما ظهرت كاميرا رقمية ذات عدسة أحادية عاكسة تتميز بأداء أفضل في مكان يتميز بإضاءة منخفضة أو بميغابيكسل عالية.

سوف تجعل القفزة الكبيرة المقبلة في جودة الصورة الناس يميلون إلى الإبقاء على الكاميرات الرقمية ذات العدسة الأحادية العاكسة والكاميرات من دون مرايا.

ويقول محللون ومراقبون في اقتراحات يغلب عليها التفاؤل إن صناع الكاميرات يحتاجون إلى رفع معنوياتهم رغم أن العديد من الهواتف الذكية الحديثة قادرة بالفعل على التقاط صورة وفيديو مصور بدقة عالية.

ومع ذلك، فعلى غرار التقاط الصور الثابتة، إذا كانت الكاميرات الرقمية ذات العدسة الأحادية العاكسة توفر جودة فيديو أفضل بكثير من تلك التي توفرها الهواتف الذكية، فإن المستخدمين سيستمرون في شرائها خاصة في الأعمال “الجدية”، خاصة وأن العدسات القابلة للتبديل يمكن أن تؤثر بشكل كبير على أشرطة الفيديو بقدر ما تؤثر في اللقطات. ولا يفكر الكثيرون داخل شركات صناعة الكاميرات العملاقة في هذا الاتجاه. ووصل ببعضهم التشاؤم إلى التفكير في تغيير النشاط كليا.

شركات صغيرة تفكر جديا في تغيير النشاط نهائيا

تركيز على قطاع الصحة

ويتمثل الطريق الثالث الأكثر جرأة بالنسبة إلى صناع الكاميرات في التخلي كليا أو جزئيا عن التصوير وتحويل وجهة المهارات المكتسبة لاستخدامها في مجالات أخرى. وقد غيرت “مينولتا” و”كونيكا” مجال تخصصهما ووحدتا قواهما في قطاع البصريات والتجهيزات المكتبية. أما آخرون فقد اختاروا التركيز على القطاع الطبي “وهو مجال عمل طبيعي بالنسبة إلى هذه الشركات” وفق الخبير في مؤسسة “جي أف كاي”.

كذلك تنشط “أولمبوس″ في قطاع الصحة منذ خمسينات القرن الماضي، وهو نشاط يتركز خصوصا على صناعة المناظير التي طغت مبيعاتها بدرجة كبيرة على تلك الخاصة بآلات التصوير.

كما أن القطاع الصحي بات من ركائز النمو بالنسبة إلى مجموعة “فوجي فيلم” التي أنجزت تحولا لافتا بعد تراجع الطلب على أفلام التصوير الملونة في العقد الأول من القرن الحالي.

وقد استندت المجموعة إلى معارفها في مجالي الكيمياء الضوئية والتصوير لتطور طموحاتها على أصعدة عدة بينها الوقاية (المكملات الغذائية ومستحضرات التجميل) والتشخيص (كالتصوير الشعاعي وتصوير الثدي الشعاعي) خصوصا بفضل تركيزها على البحوث والتطوير.

كذلك تسعى “كانون” و”نيكون” إلى تسريع خطواتهما في مجال الأنشطة الطبية مع أنهما لا تزالان قادرتين على الاعتماد على زبائن متخصصين في مجال التصوير لمقاومة الركود.

13