الهاتف المحمول كوسيلة إعلامية

الخميس 2015/02/19

لعب الهاتف المحمول في السنوات الأخيرة دورا إعلاميا واضحا، حيث كان شاهد عيان على أحداث سياسية واجتماعية مهمة ومؤثرة، فاستطاع أن يكون المصدر الأساسي للتغطية الإخبارية حيث استعانت به الكثير من وسائل الإعلام كمصدر مرئي وتوثيقي مباشر وفوري تواجد أصحابه في مواقع الأحداث قبل أن تصل إليها كاميرات المحترفين، بل إن الهاتف المحمول كان متواجدا منذ اللحظات الأولى في مناطق حساسة ومؤثرة، قبل وقوع الأحداث، لم تستطع أن تصل إليها كاميرات المحترفين مطلقا، بل لم تجرأ على الحضور حتى فيما بعد. فما بالك بمناطق نائية ساخنة يصعب الوصول إليها.

لقد تابع ملايين البشر على شاشات التلفزيون في السنوات الخمس الأخيرة أحداثا جساما -وخاصة في منطقتنا العربية- بصورة مباشرة ومؤثرة وتفصيلية ليس فقط عبر كاميرات المحترفين وتقارير المراسلين، وإنما أهمها كان عبر ما صوره الناس بواسطة هواتفهم المحمولة وبصورة عفوية بالصدفة أو بالقصد، فكانت أكثر مصداقية من كاميرات المحترفين الانتقائية.

وقد اعتمدت الكثير من الفضائيات العربية وغير العربية على ما كان يردها من صور التقطها الناس العاديون في مواقع الأحداث، وإن كان العديد منها لا يخلو من الانحياز والانتقائية، التي تبدأ من صاحب الهاتف المحمول الذي قد لا يكون محايدا تجاه ما يجري أمامه من أحداث فينتقي الصور والزاوية التي تخدم غرضه وانتماءاته السياسية وموقفه من الحدث الجاري، فيحاول أن يصور ما يدين الخصم أو ما يجسد صمود أو شجاعة الجماعة التي يتحزب لها.

إن كاميرات الهاتف المحمول لها أيضا خاصية الكاميرا العادية، وهي أنها لا تصور ما لا يريده حاملها، أي إنها لا ترى ولا توثق إلا ما يريده مشغلها، الذي ينتقي، أحيانا بوعي وأحيانا عشوائيا، وحتى عند انتقاء الصوت لتجسيد “الواقعة” وزيادة تأثيرها على المتلقي، وقد نسمع صوت صاحب الهاتف المحمول وهو يهتف أو يشتم أو يشجب.

وتأتي بعد ذلك الفضائية التي تستفيد من صور الهاتف المحمول الواردة إليها، إما عن قصد وبناء على طلب مسبق، أو صدفة وتبرعا، فترتبها ضمن سياقاتها الإعلامية–السياسية، فتنتقي من الوارد إليها، وقد تدمجه مع غيره ليحقق الرسالة المطلوبة، ولا نتجني على أحد لو قلنا، وقد تزور وتبالغ وتهيّج وتثير وتدين.. وتخلط الصور.

لقد تابعنا سنوات الربيع العربي “العاصفة” على شاشات الفضائيات –المع والضد– بتفاصيلها المثيرة والمنهكة “المبكية – المضحكة بالرغم من المرارة” بشكل يومي، وكانت أغلب الصور والوثائق المرئية هي من نتاج الهواتف المحمولة وحماس الناس لتدوينها على هواتفهم وإرسالها إما إلى الفضائيات أو إلى اليوتيوب أو تنزيلها على مواقعهم الخاصة في الفيسبووك.

وتقدر إحدى الدراسات الإحصائية أن أكثر من نصف الصور والفيديوهات التي شاهدناها على شاشات التلفزيون وفي وسائل الإعلام المتنوعة خاصة عن أحداث سوريا ومصر بالذات كانت من إنتاج الهواتف المحمولة بيد المواطنين الذين شاركوا فى الأحداث أو تواجدوا في ميادينها أو قريبا منها.

وهكذا أصبح الهاتف المحمول بيد الناس العاديين أحد وسائل الإعلام الفعالة والمؤثرة والمهمة وربما الأكثر مصداقية وقربا من الأحداث.. والتي ترحب بها حتى الفضائيات الجادة والرصينة وتعتمد عليها كمصدر مباشر من شاهد عيان لا استغناء عنه لتأكيد مصداقية الأحداث.

18