الهادي التركي فنان الحداثة الأول في تونس

الأحد 2016/01/03
صوفي أساليبه الفنية كانت تتبعه

ستوكهولم - لطالما توهمت أن الهادي التركي لا ينتمي إلى عصرنا الراهن، لذلك كنت أفاجأ كلما ورد اسمه في خبر عن معرض استعادي يُقام تكريما له أو استحضارا لتجربته التي هي واحدة من أجمل مغامرات الفن الحديث في تونس. فالرجل هو ابن عصر مختلف، كان فيه الفنان سيّد فنّه، يصنع تحولاته الأسلوبية وفق ما يشاء ويلتقط موضوعاته من الهامش.

موهبة التركي تتجلى في كثرة الأساليب الفنية التي أنجز من خلالها رسومه وتنوّعها، فلم يكن يهمه أن تكون بصمته واضحة من خلال أسلوب فني بعينه، بقدر ما كان يُخضع الأساليب لبصمته المميزة.

سطوح وموسيقى

كان انتقاله من أسلوب إلى آخر يتم بسلاسة وخفة، فكان كل ما فعله يشير إليه، رساما لا يكترث إلا بطريقته الشخصية في النظر إلى الحياة ومن بعدها إلى الرسم. وهي طريقة اتسمت بسلامها الداخلي.

تركت أسفاره أثرا قويا على مساره الفني. عن طريقها تعرف التركي على فناني الحداثة الفنية في أوروبا وأميركا ولم يكتف برؤية أعمالهم في المتاحف وصالات العروض الفنية. حشد من الأصدقاء كان قد زوده بذكريات لا يمكنه نسيانها لأنها امتزجت بعالمه الفني.

لم يخف تأثره بالآخرين لأن ذلك التأثير لم يخفه حين وجد فيه ينبوعا لا ينضب للإلهام والابتكار. الهادي التركي هو عميد الرسامين في تونس، بل وفي العالم العربي أيضا.

بدأ الهادي التركي حياته العملية رساما وعاملا في معصرة زيتون في سن مبكرة من حياته. كان على الرسام المولود عام 1922 أن يعيل عائلة كبيرة بعد وفاة والده، وفي الوقت نفسه كان عليه أن يحضر لإقامة معرضه الشخصي الأول عام 1942. عام 1951 بدأ دراسة الرسم في أكاديمية لاغراند شوميير بباريس. وفي سنة 1956 حصل على منحة دراسية من قبل أكاديمية الفنون الجميلة في روما، غير أن سفره إلى الولايات المتحدة (ولاية كولومبيا) عام 1959 قد نقله إلى عالم جديد، بسبب ما أحدثه تعرّفه على الأساليب الأميركية الجديدة في الفن من صدمة عميقة، جعلته يعيد النظر في الكثير من المفاهيم الفنية التي كان يؤمن بها أو التي كانت متاحة بالنسبة إليه.

محاكمة تجربة التركي بأدوات معاصرة تفسد القياس. فهو لم يكن مجرد جسر عبر عليه مفهوم آخر للحداثة الفنية إلى تونس، هو المفهوم الأميركي، وهو مفهوم كان صادما بالنسبة إلى فنانين كانوا قد توقفوا عند حدود ما كان شائعا في باريس من معان للحداثة الفنية

التجريدي في حياته اليومية

تعرف التركي على رسوم جاكسون بولوك ووليام دي كوننغ ومارك روثكو. بولوك بتجربة الرسم الحركي كان الأكثر تأثيرا عليه. امتد ذلك التأثير حتى سنة 1963، حينها اكتشف التركي أن مزاجه المتوسطي لم يكن لينسجم مع حركية بولوك القلقة التي أربكته، وهو ما شجعه على الانتقال إلى روثكو، الرسام من أصل ليتواني والذي كانت تجريديته مطلقة ومضللة في هدوئها. كان الرسام التونسي رقيقا مثل روثكو، غير أنه تأثر أيضا يومها بمارك توبي.

حين عاد التركي إلى تونس كان نجيب بلخوجة قد سبقه إلى التجريد. ومع ذلك فإن تجربته في التجريد والتي استمرت عشرين سنة كانت مميزة من خلال تأثيرها على أجيال من الرسامين. محاكاة روثكو قد أدت خدمة كبيرة للفن الحديث في تونس. شيء من الهندسية الشعرية استطاع أن يخلخل القواعد الفنية التي كانت مكرّسة يومها في تونس. لم تصل تجريديته الغنائية إلى المنطقة التي تسمح بالزخرفة وهو ما حفظها بعيدا عن تأثيرات الدعاية المحلية.

كانت الموسيقى التي تنبعث من تحت طبقات من الأصباغ في لوحاته هي أشبه بالذكر الصوفي الذي يتكرر من غير أن يكرر إيقاعه. لم يكن الهادي التركي مجرد جسر عبر عليه مفهوم آخر للحداثة الفنية إلى تونس، هو المفهوم الأميركي، وهو مفهوم كان صادما بالنسبة إلى فنانين كانوا قد توقفوا عند حدود ما كان شائعا في باريس من معان للحداثة الفنية.

عالمه التجريبي كان يتسع في استمرار لينفتح على تجارب فنية

ما فعله الهادي التركي لم يفعله فنان عربي قبله. لقد كرّس حياته من أجل الانفتاح بالفن التونسي على ذلك الغرب الذي يقع وراء الأطلسي. لذلك فإن محاكمة تجربة التركي بأدوات معاصرة قد تفسد القياس، فالرجل كان رائدا في كل المقاييس النقدية. سبقه العراقي أكرم شكري في التعرف على تجربة جاكسون بولوك غير أن شكري لم ينتج إلا نسخا شبحية من أعمال بولوك. تفاعل التركي مع تجربة بولوك بما جعله قادرا على الخروج بنتائج فنية هي ثمرة المفهوم الحركي وليست استنساخا لرسوم بولوك. ومع ذلك فقد كان التركي حريصا على أن يرعى موهبته بطريقة تقليدية.

لم يكفّ الهادي التركي يوما عن الرسم التقليدي، كما لو أنه يستعيد درسه الأول فيه. كان يخطط كل ما يراه من مشاهد يومية، بطريقة طلاب المدارس الفنية. كانت تلك المشاهد المستعارة من الحياة المباشرة تغني خيال رسومه، إذ تزوّدها بمشاعر طازجة وقوية في تعبيرها. لذلك لم يكن تجريد التركي حياديا. كانت لوحاته تفيض بعاطفة، هي في حقيقتها خلاصة جولاته بين الأزقة التونسية وبين الوجوه والمشاهد. معلّم الرسم في أقصى تجلياته التجريدية كان يتعلم من الواقع الطريقة التي يربي من خلالها خياله.

استعادة الحياة باعتبارها نوعا من الفن

“الحياة أعمق وأبعد من الصورة، أرسم، وأواصل الرسم، لكن بلغة جديدة. سأرجع بلوحة ليست كالأخريات، مائية، رائعة، غريبة، جميلة كحب جديد، ولادة أول لوحة تجريدية لي”. هذا ما كتبه الفنان بعد أن أنجز أول لوحة تجريدية وهو يقف بالقرب من شلالات نياغارا.

وإذا ما كان التركي قد رسم أكثر من ألف لوحة فإن تلك اللوحة كانت أشبه بالحدث الذي علّمه أن يكون سعيدا بكل لوحة جديدة يرسمها، سعادته بالحياة التي وهبته حب الناس الذين عاد إليهم بعد رحلة تجريدية غمرته بصفاء كائناتها.

المدهش في هذا الرسام أن عالمه التجريبي كان يتسع في استمرار لينفتح على تجارب فنية، تبدو من الخارج وكأن بعضها يناقض البعض الآخر.

الهادي التركي يبدو رائدا في كل المقاييس النقدية

لم يكن أحد يتوقع أن يطوي الهادي التركي صفحته التجريدية ليكمل مسيرته الفنية تشخيصيا. غير أن الفنان الذي عُرف بقدرته الفائقة على صنع المفاجآت فعلها كما لو كان ينتقل بخفة من غرفة إلى أخرى في المنزل نفسه. وقد يكون ذلك المجاز شديد الدقة في وصف الحالة التي عاشها التركي.

لقد عمل الرجل على أن يهب تجريديته طابعا تأمليا وهو ما استمده من علاقته العميقة بالتصوف الإسلامي. أما حين انتقل إلى الأسلوب التشخيصي فقد كان كما لو أنه يستخرج المشاهد الواقعية التي صار يرسمها من عالمه التجريدي.

الحياة كما ألفها، هي الصيغة التي استعادها الهادي التركي وهو يرسم واقع الناس وبيئتهم الشعبية وملامح وجوههم وحركاتهم وتفاصيل حياتهم. لم يكن في حاجة إلى أن يقول “كانوا هناك دائما” وهو يشير إلى سطوح لوحاته التجريدية. فمَن يتأمل تلك اللوحات بعمق لا بد أن يعثر على شيء من الحياة اليومية للناس العاديين الذين عرفهم الفنان في بلاده.

بالنسبة إلى الهادي التركي فإن الفن يسبق الحياة. معادلة حرص الفنان على أن يغنيها بكشوفاته البصرية التي شكلت حلقات في سلسلة طويلة، بدأت بوعي شقي مبكر لتنتهي إلى أن يستعيد المرء مكانه الأصلي، كائنا يستند إلى تراث عريق في خصوصيته.

لم يفارق الهادي التركي في كل ما فعله تونسيته. شغفه التجريبي الذي دفعه إلى أن يلتقط كل ما يراه بعين المحب العاشق كان يقوده في الوقت نفسه إلى مصادر إلهامه الجمالي الأصلية.

10