الهادي عجب الدور: العروبة مصطلح مطاط لا واقع له

الوطن ربما يكون ذكريات متلاحقة في محطات حياة البشر، فلم يعد هو الأرض المبرقعة بالرصاص والأناشيد الحماسية والهتافات وتضاريس الجغرافيا وقصص الأجداد والأوائل، لكنه مازال إلى اليوم يسكن قصائد الشعراء بتفاصيله التي تتجدد وتتبلور في كل مرة ومع كل تغير. لا يختلف اثنان حول تأثير البيئة والوطن في الشاعر وشعره، ولتبيّن مواطن هذا التأثير التقت "العرب" الشاعر والكاتب السوداني المقيم ببلجيكا الهادي عجب الدور فكان لنا معه هذا الحوار.
الخميس 2016/01/14
البيئة السودانية حاضنة ممتازة

يمثل الشاعر والكاتب السوداني الهادي عجب الدور جزءا من مشروع نادي القلم، ويعتبر الدور مشروع نادي القلم الدولي بفرعه الفلامندى البلجيكي امتدادا مرحليا لمشروع التعبير عن الذات بحرية كاملة، وتجليات الإثراء والإبداع الإنساني، والاندياح الثقافي الكوني، وتلاقح الهويات والقيم الإنسانية المشتركة. فهذا المشروع هو بمثابة بؤرة أمل حقيقية، كما يقول، لترميم الذات بالمهجر ونقلة نوعية مهمة للخروج من الحيز الثقافي اللولبي ذي اللغة الأحادية والجمهور الانطباعي، إلى أفق أوسع وأكثر رحابة دون شروط مسبقة، فهو في رأيه منبر حر بحرية المكان والزمان، برؤى متنوعة ومختلفة المسارات لكتابات مهاجرة عانت كثيرا، وعاشت تجربة المنافي الباردة، واستشعرت ذبذبات الواقع بذكريات الماضي الأليمة، والكبت والتكميم والأبوية الازدرائية، والرقابة الذاتية ومقصات الرقيب.

المثقفون العربوفون

الحديث يقودنا هنا إلى صورة المثقف العربي ودوره في الغرب، يقول ضيفنا: يبدو لي أن إطلاق المفردة المعومة الشائعة لمصطلح المثقف العربي بشكله التقليدي المشبع بتضخم الذات وثقافة احتواء الآخر هو مصطلح مفخخ، يقبل كل الاحتمالات، وذو دلالات مختلفة التفاسير حول الاستيعاب الكلي والخطاب الموجه، هنا قد نخوض في جدلية لتفكيك المصطلحات قد تؤدّي بنا إلى حوار دائري غير منته: فهل العروبة إثنية شرق أوسطية وشمال أفريقية؟ أم يا ترى ثقافة إنسانية منفتحة على الآخر؟ أم وجدان جماعي؟ أم انتماء ديني وجغرافي وسياسي مبرمج؟ أم كل هذه العناصر هي القاعدة الأساسية والحاضنة المكونة لمكنون المفردة محل السؤال، أم ماهيتها تحديدا؟

يضيف: على سبيل الحصر نجد الشر يخصّ والخير يعمّ في العقل الأخلاقي العربي عندما تكون هنالك حالة مأساوية، فمثلا عند حدوث أزمة إنسانية في سوريا وفلسطين والسودان والصومال يقولون: اللاجئون السوريون والسودانيون والصوماليون، ولا يقولون: اللاجئون العرب. لكن عندما يفوز فريق لكرة القدم في مباراة دولية يقولون الفريق العربي نجح وربح، وعندما يكون هنالك عالم أو مبدع يفوز بجائزة نوبل أو أي وسام شرف عالمي يقولون العربي فلان وفلان ونحن ونحن، إلخ. أما المأساة فتظل خاصّة بمن يحسها ويكتوي بها.

يتابع الشاعر الهادي عجب الدور قائلا: إن مصطلح العروبة مفردة مطاطة حسب تقديري تستعمل عند الضرورة للتعاطي مع احتياجات مرحلية أو سياسية للتنميط القومي لا أكثر، لذا أعتقد أن المركب الأقرب إلى الصواب هو “المثقف العربفوني” بدلا من المفردة التقليدية لمخاطبة للعقل الجمعي المعني بالأمر مثلها مثل المثقف الفرانكفوني والإنكلوفوني. دون أن تكون الجغرافيا أو النمط السياسي أو العرق واللون معايير ومحددات نهائية، بل الثقافة هي القاسم المشترك. وأيضا هنالك جانب آخر وهم أبناء أجيال العربفون الذين لا يعرفون اللغة العربية بل يتحدثون لغات أخرى مثل الفرنسية والإنكليزية والهولندية والألمانية والأسبانية، إلخ. بحكم مولدهم في الغرب واندماجهم في الحياة الغربية، ورغم هذا لم تنقطع صلتهم بالجذور.

التحدي الكبير في المجتمعات الغربية للمهاجرين العربفونيين ومثقفيهم هو تحمل المسؤولية والاندماج بالمجتمعات الجديدة

يقول: التحدي الكبير في المجتمعات الغربية للمهاجرين العربفونيين ومثقفيهم هو تحمل المسؤولية بجدارة والاندماج في المجتمعات الجديدة والمساهمة بإبراز الإبداع الأدبي والفني والمعرفي والأكاديمي، والإنتاج والتحصيل في شتى العلوم الإنسانية والريادة وإدارة التنوع والتأسيس لحوار متحضر وفكر يقوم على مبدأ الاحترام المتبادل والتحلي بثقافة الاعتراف بالآخر والخصوصية الثقافية دون تبني الأفكار المسبقة والتواصل مع الجذور بشكل إيجابي والانتقال من مرحلة دور الضحية المفترضة أو المحتملة وإعطاء صور إيجابية تكفي لمحو الأكسنوفوبيا والإسلاموفوبيا وغير ذلك من التداعيات التي شكلت صورة نمطية سلبية لم تنته أشباحها بعد. إن الانفكاك من الحيز الضيق لمفهومات العروبة العشائرية هو أمر ملح، فمثلا يوجد المركز الثقافي المغربي أو الجزائري أو المصري أو السوداني أو السعودي والقائمة طويلة، وبنفس النمط تأثيرها سلبي نحو التطرف أو إيجابي لتشكيل صورة العربفون ونفوذهم، لذا إن دور المثقف هنا غائب تماما، وترك الحبل على الغارب لتنظيمات هي سياسية لها أيديولوجيات معينة أو مذهبية توجه الفكرة العامة والخاصة وتعطي انطباعا وترجمات خاطئة للمواطن الغربي أو الإعلام والغياب شبه التام من الساحة، سوى بعض المحاولات الخجولة والجزر الثقافية العربفونية المعزولة هنا وهناك.

الانتماء إلى الإنسانية

يعيش الهادي عجب الدور في بلجيكا منذ سنوات طويلة، وحول سؤالنا له عن الحداثة التي تميز القصيدة العربية التي تكتب في الغرب، يجيب ضيفنا: في العهد الجاهلي أو الذي تلاه، كانت هنالك قصيدة عربية موحدة، أما الآن في عالمنا المعاصر أنا لا أتفق معك أن هنالك قصيدة عربية موحدة تحمل هذا الاسم أو المصطلح، وإنما هنالك قصائد ونصوص سردية ونثر مكتوب باللغة العربية قد يكتبها سعودي أو كردي أو سوداني أو أمازيغي أو مصري أو فلسطيني.

يتابع: لقد أصبحت قصائدنا أقرب إلى عهد الزجليات، وهنالك ملاحظة مضحكة مبكية إذ أن بعض المشرقيين يكتبون ويظهرون في التلفزة، وتمر كتاباتهم وخطابهم الأدبي دون ترجمة أو عناء، وكأنهم يملكون المعرفة ويحتكرون البلاغة بينما نجد المغربي أو الجزائري أو السوداني أو الصومالي في أحيان كثيرة تكتب له ترجمة على الشاشة توضيحا للمتلقي، ماذا يقول هذا أو ماذا يقصد الكاتب بقصيدته أو نصه أو حديثه. حتى لو كان نصه متميزا وواضحا. وبما أن الغرب مهتم بالقراءة والأدب فهو شغوف ومتلهف للتعرف على القصيدة المكتوبة باللغة العربية وسماعها والاستمتاع بسجعها وموسيقاها إلا أن هنالك إحجاما وانغلاقا نحو الذات غير مبرر من قبل الكتاب والشعراء نحو الثقافات الأخرى والتمازج والتواصل وإقامة جسور، وهناك أيضا شحّ في الترجمات من العربية إلى لغات أخرى.

يعتبر الهادي عجب الدور القصيدة حالة تجل روحي لبناء السلام الخارجي والداخلي قد يكون حبا أو إحساسا بألم الآخر ومشاركة القيم الكونية ومكونات فكرة الإبداع للبشرية جمعاء بأخلاقياتها وصدق التعابير وحتمية الإحساس بقيمة الأشياء والجمال والوجود وتحرير الخيال من النمذجة السمجة حتى لا تكون الكتابة هي مجرد استنساخ ونقل من آخر إلى آخر، فالكتابة في رأيه هي حالة مخاض قد تفرز قصيدة وقد تفرز نثرا أو نصا سرديا، ومهما يكن فهنالك ولاءات في محتوى المتون لا بد أن تكون ذات نفس ملهم وخيال أو موهبة أو قريحة محمودة تظل محركا للنزف الشعري والتدفق العاطفي أو الإحساس بالآخر وكينونته.

جمهوريات الفكر المفلس لا تبني وطنا

السودان والشعر

ويرى ضيفنا أن نسيج الفانتازيا محفز للخيال والإثراء، مؤكدا أن كل الكتابات الراقية تحمل في عمقها مشهدا إبستمولوجيا لنقد العقل الأخلاقي، لذلك لا يتصور أن الكتابات التي تنظر وتؤسس للعنصرية أو الكراهية لها مستقبل في عالم اليوم الذي تحرر بشكل كبير من نتوءات الماضي، فأعمدة القصيدة عند عجب الدور هي ليست نمط القصيدة أو المدرسة الأدبية؛ رومانسية أو سوريالية أو وجودية أو واقعية أو غيرها، وإنما الأعمدة الأساسية عنده هي الانتماء إلى الإنسانية روحا وقيما وإحساسا.

عن تأثير البيئة السودانية في قصيدته، يقول الشاعر: البيئة السودانية هي حالة قارية بامتياز من حيث التراث الإنساني والموروث الثقافي والتنوع الإيكولوجي، حيث رضعت منها قصائدي دفء السافانا وعبق الغابة الاستوائية ونبض النيل وغمام الجبال الزرقاء، فكانت مزيجا من صلابة الأبنوس وكرم النخيل ووحل المستنقعات وتنسمت رائحة المطر المشهور برائحة بالدعاش في بلادي وغصت عميقا ما بين حبات رمال الصحراء المتحركة وريش الأرض السمراء تلك تحفة شكلت وهج كتاباتي بلا انقطاع.

يتابع قوله: نشأت في أجواء التعدد والتنوع الإثني والفلكلوري وعاصرت أحداثا شتى فكتبت عن الحرب ومأساة الصراع ودموع اللاجئين والأيتام الحيارى ونحيب الثكالى والأرامل بروح الثورة والتحرر متقفيا آثار شاعر أفريقيا محمد الفيتوري، وكتبت عن الحب اللامحدود وشجو المساء وشبق الشوق تلك هي مسارات أهدتني إليها البيئة السودانية بطابعها الديني الصوفي وفنها الجميل وآثارها الضاربة في حضارات بلاد النيل، وبما أن السودان ليست بعيدة عن دائرة التأثير والتأثر بالثقافة المصرية كان لنا منها نصيب، فأصبحنا ما بين جسر التراث الأفريقي المحض والثقافة الشرق أوسطية، تلك هي محطات لم يقف قطارها بل مرّ إلى شمال أفريقيا، ونهلت من نفس المنبع فأصبحت متخطيا لتضاريس الجغرافيا وحدود البيئـة بألوانهـا المختلفـة والمتعددة.

يرى الهادي عجب الدور أن الوطن هو البقعة التي توفر السلام والأمن والحب والحرية ونبذ العنصرية والكراهية وقبول الآخر والأمل والوجدان الإنساني، يتطور عبره الإنسان ويحس فيه بقيمة ومعنى الحياة، فالبلاد التي يتنفس فيها المرء القيم الجميلة والحرية بآدميته وكرامته وحقوقه الإنسانية وينعم بالعدالة والمساواة والعيش الكريم في إطار دولة القانون والدستور، ذاك هو الوطن الحقيقي في رأي ضيفنا.

أما الكنتونات السياسية أو الحظائر العشائرية والجمهوريات العسكرية وجهويات الفكر المفلس والمنابر التزمتية والأصوليات المشبعة بالعنصرية وثقافة الكراهية والشحن الطائفي والاستقطاب العرقي والتهميج الجماعي، فهذه في رأيه لا تبني وطنا ولا معنى لنعتها بالوطن.

يقول الشاعر: في السودان لا توجد مفردات وطنية وفنية سودانية شاملة ومتفق عليها، وإنما هنالك مناطق جهوية وقبائل محددة سيطرت على الثروة والسلطة والإعلام وتعاونت مع الاستعمار واحتكرت الفن والحقيقة والمعرفة وسوقت لنفسها بجرأة منفرة، وهي تتحدث باسم المجموع السوداني، والخديعة مستمرة، تنافق المجتمعات الناطقة بالعربية وتضللهم، وتهمش بقية فسيفساء السودان الأخرى رغم أن البيئة السودانية هي حاضنة ممتازة للتراث وغنية جدا بالتنوع ومفردات الأداء الإبداعي، لكن لم يتح لها الجو الصحي كي تعيش وتتطور وتساهم في إثراء الحياة الأدبية والفنية.

العروبة مفردة مطاطة تستعمل عند الضرورة للتعاطي مع احتياجات مرحلية أو سياسية للتنميط القومي لا أكثر

شعراء من العالم

عن النقد ودوره في تحقيق عالمية الشعر، يقول الشاعر: أنا لم أقفل نفسي بين برزخ الشعر والأدب الأوروبي، وإنما تحركت شرقا حتى الهند وروسيا وغربا حتى نيويورك، هذا التواصل أعطاني ميزة من خلال “الهرمونيوطيقا” المتوفرة أن أتعرف على بعض أنماط الكتابات والمدارس الأدبية والفلسفات وتقنيات الكتابة ومناهج التحليل وتفكيك النصوص واستنطاق التعابير النائمة وأستشف منها لغة الإبداع الحية والنضج ومساراته الفنية.

ويضيف: نجد هنالك على سبيل الحصر صورا إبداعية بشكل تقني متفرد للشاعرة والكاتبة إيزابيل بيليكي مختلفة عن صور وبنائيات الشاعر البلجيكي المرهف جان كلود المشهور بسيي جاي بينما نجد الكاتبة الأميركية الروسية الشاعرة ريفيكا ليفتانت منهمكة في لون أدبي متفرد وشفاف بلونية إنسانية وخلفية ثقافية متنوعة مرتبطة بالجذور والوطن الأم ومتفاعلة مـع مـن حولها.

ويتابع: أغوص متنقلا في رحلة شيقة إلى أفريقيا بألوان وتقنيات أدبية راقية لأطل على كتاب مهم بعنوان “سهارا تيستموني” أي وصية الصحراء، الذي فاز بأفضل وأكبر جائزة في الأدب الأفريقي لمؤلفه الشاعر الأنكلوفوني النيجيري المحامي تاد أباديولا رئيس نادي القلم النيجيري ومتونه البنائية وتقنيات الكتابة الرصينة المتمكن من المفردات الحية وبريقها وحبك المشاهد بصورة بارعة وتصوير متقدم بمحورية هي غاية في الربط والتطور والجذب مع براعة التحليل وتفكيك المفردات لتصير هي عالم متجانس تدور حول فلك ملهم هذا هو الشاعر العالمي بآفاقه الكونية، وبهذا الإدهاش سار الكاتب الفرانكفوني الشاعر والمسرحي الكاميروني بليز كابتو فاتو دون أن تقيده حدود الوطن الأم أو سحنات الملامح بل انطلق إلى حيز إنساني عميق وحساس وبشفافية.

15