الهامش الذي طالما ترصّد المركز

ليست الهوامش شبابية أو حداثية أو تنويرية بالضرورة
الأحد 2019/07/07
الشبكات الاجتماعية غيّرت كل شيء

لو كنت مكان أي سياسي أو مسؤول لكنت سأخشى الشبكات الاجتماعية. الشبكات الاجتماعية كما هو معلوم غيّرت كل شيء، ليس لأنها أصبحت البديل الإعلامي والتواصلي وتجاوزت التقليدي، بل أيضا لأنها للمرة الأولى في التاريخ وضعت وجوها لما اعتدنا أن يكونوا بلا وجوه: هؤلاء الناس الذين يتحركون على أطراف الهوامش ونعرف بوجودهم ولكننا لا نعرف من هم. الشبكات الاجتماعية حوّلت هذه الحشود وقضاياهم إلى شيء معلوم، بوجه وصور.

أناس الهوامش، إن جاز التعبير، كانوا معنا دائما. محتجون في المدن أو ثوار في خارجها أو قطّاع طرق أو صعاليك. التاريخ حافل بهم. ولكنهم في العموم بلا أسماء أو وجوه. مجرد حشود بقضية.

بعضهم كان محظوظا لكي يسجل التاريخ أفعاله، وأن يتمكن من الوصول شخصيا إلى الشهرة أو السلطة أو النفوذ. المؤرخ البريطاني الأشهر أريك هوبسباوم لم يتوقف عن الكتابة عنهم باعتبارهم محركا تاريخيا مهملا لم يأخذ حقه لا في القيمة ولا في الاعتبار. الكثير من هذه الهوامش تحركت لتصبح هي المحور بطريقة لم يكن معاصروها يتخيّلونها.

بعض قطّاع الطرق والمتمردين انتهوا يحكمون بلدانهم. لعل هذا صار مثالا كلاسيكيا لصيغة الثورات، ونتيجة توفر التنظيم لديهم وتراجع قدرات الدول في مواجهتهم لأسباب مختلفة. لكن ما غير الكلاسيكي هو أن نشهد أنماطا هامشية استطاعت أن تحفر وجودها في عالم اليوم بطريقة يصعب تفسيرها طالما استمر اعتبارها كهوامش.

خذ مثلا المافيا. تعامل العالم مع المافيات على أنها وجه من أوجه الجريمة. تقصّد إهمالها باعتبارها هامشا دون أن يلاحظ أنها من بشر بوجوه غير معروفة للآخرين، لكنهم يعرفون بعضهم البعض جيدا. الموضوع أكبر من تجارة الممنوعات أو الجريمة المنظمة أو دفع الإتاوات. هناك شبكة اجتماعية إنسانية تحكم ذلك العالم، تشبه ربما مجموعة من تلك التي نكونها اليوم على فيسبوك أو تويتر. الدول تنهار هنا وهناك، لكن المافيات حية ترزق وتزداد قوة باستخدام الأدوات المالية والتقنية الحديثة. لهذا العالم قيمه الخاصة وثقافته وتراتبياته واقتصاده. هذا الهامش اليوم لا يقل قوة في بعض الأوجه عن المركز.

هوامش الموسيقى لا يقلون خطرا. ذهب الكثير من الأفارقة مرغمين إلى العالم الجديد. ذهبوا كعبيد مغلولين. أخذوا معهم بعض أغانيهم. كانوا يرددونها في حقول التبغ والقطن الأميركية. ثم اقتادهم أسيادهم البيض إلى الكنائس ليهديهم الرب. صارت الدندنات غناء كنسيا مختلفا عن النمط الأوروبي، ثم خرج هذا الغناء من الكنيسة ليتحرر من البعد الديني وليروي قصص الحب والعنصرية والمعاناة. ولد الجاز في عمق الجنوب الأميركي، أرض العبودية والعنصرية، ليعبّر عن أهله. ثم تطورت أوجه هذا الغناء الهامشي المتمرد إلى البلوز والريغي لنجد موسيقى الروك والبوب الغربية الحديثة أقرب إلى الإيقاع الأفريقي والأنين الأسود من مقطوعات عصر الباروك الأوروبي والسمفونيات. الهامش الأسود الغنائي في قلب الفنون الأدائية الآن.

تمرّد الهوامش مستمر وسيبقى. المنصات التي تعبّر عن هذه الهوامش تتغير لكن الروح باقية. لا يقل الحائط الذي يستقطب رسامي الغرافيتي أهمية عن قدرة فنان أو ناشط على تحميل فيديو على موقع يوتيوب. الفرق ربما في قدرة الوصول وطبيعتها. أنت تمر بجانب الغرافيتي وتشاهده أو يرسل أحدهم صورته لك. أما الفيلم أو الأغنية المحملة على يوتيوب، فتشق طريقها بالمشاركة أو الاستطلاع، أو حين يقرر الذكاء الاصطناعي الذي يراقب ماذا تشاهد أو إلى ماذا تستمع، أن يقترحها عليك. في القلب من كل هذا هو كسر الاحتكار الذي يمارسه المركز، سواء أكان سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا، لصالح الهامش. هو كسر للاحتكار بأبعاد اجتماعية ومفهومية كبيرة نتلمّس تداعياتها السياسية ونستغل وقعها الاقتصادي.

الهوامش أيضا ليست بالضرورة شبابية أو حداثية أو تنويرية. الشاهد نعيشه يوميا في تقدم قوى الظلام من الهامش إلى احتلال المركز في حيوات المجتمعات، تحت مسميات الأيديولوجيا والدين والعرف. الغرافيتي في شوارع مدن عربية كثيرة الآن ليس لوحة تمرد شبابية دائما، بل صورة لخرافات أو رسائل سياسية أو دينية صارمة. هذا النوع من صعود الهوامش خطر يهدّد المركز والأطراف على حد سواء.

الغضب هو محرك للهامش لكي يستعيد حقوقه أو ما يتصور أنها حقوقه. واليوم، مثل الأمس، هو يمتلك أدوات كثيرة. قد تكون هذه الأدوات أكثر سلمية، لكنها قادرة على إحداث التغيرات العميقة التي من الصعب أن نتصور أن بالإمكان تجاوزها.

10