الهبوط الحادّ لليرة التركية يثير فزعا تركيا وعالميا

أردوغان قد يحاول المناورة آملا في تحسن في العوامل الخارجية، لكن تراجع الليرة التركية ينطوي على مخاطر كبيرة على الاقتصاد وخصوصا القطاع المصرفي.
الأحد 2018/08/12
الأتراك يراقبون تدهور الليرة بمزيج من الحيرة والذعر والاستسلام

أنقرة - يراقب الأتراك بمزيج من الحيرة والذعر والاستسلام لقدرهم منذ عدة سنوات تراجع قيمة عملتهم إزاء الدولار الذي كان يعادل ثلاث ليرات ثم أربع ليرات ثم خمس إلى أن وصل إلى ست ليرات حاليا. وبقي سعر الدولار تحت عتبة الليرتين لفترة طويلة، لكن العملة التركية تجاوزت هذه العتبة في 2014 وأصبح سعر الدولار ثلاث ليرات في أوج المحاولة الانقلابية في 2016.

واستمر النزيف هذه السنة. فبعد أن أصبح الدولار يعادل أربع ليرات، هبط سعر الليرة بشكل سريع في الأيام العشرة الأخيرة. والجمعة، تجاوزت الليرة التركية عتبة ست ليرات للدولار الواحد. وبلغت الأزمة أوجها في الأسابيع الأخيرة بسبب خلاف دبلوماسي خطير مع الولايات المتحدة اندلع مطلع أغسطس والتزام الأسواق حذرا أكبر حيال إدارة أنقرة للشؤون الاقتصادية.

ويرى بعض الاقتصاديين أن الرئيس رجب طيب أردوغان قد يحاول المناورة آملا في تحسن في العوامل الخارجية. لكن تراجع الليرة التركية ينطوي على مخاطر كبيرة على الاقتصاد وخصوصا القطاع المصرفي.

ورأى المحلل لدى إكس.تي.بي ديفيد تشيثام في مذكرة أن تراجع الليرة التركية “يظهر أن المستثمرين متخوفون بشكل متزايد من أزمة نقدية شاملة وشيكة”. من جهته قال باتريك أوهار من مركز بريفينغ إن “قلق الأسواق حيال الليرة مرتبط بمخاوف من احتمال انتشار العدوى، أو بصيغة أخرى أزمة في عملات الدول الناشئة”.

ثقة مفقودة

يثير أردوغان قلق الأسواق بسعيه إلى مزيد من النمو دون قيود وبدعمه نظريات اقتصادية غير تقليدية، مثل خفض معدلات الفائدة من أجل خفض التضخم. ويمتنع المصرف المركزي الذي يفترض أنه مستقل لكنه يتعرض في الواقع لضغوط السلطة، عن رفع معدلات فائدته متخليا بذلك عن أداة تستخدم تقليديا في العالم لدعم العملة وضبط التضخم.

وأثار قراره عدم تغيير معدلات الفائدة في يوليو بينما بلغت نسبة التضخم حوالي 16 بالمئة على مدى عام، ذهول الأسواق. وقالت نورا نوتيبوم، من المصرف الهولندي آ.بي.أن أمرو، إن هذا القرار ناجم عن “هيمنة” أردوغان على البنك المركزي وعن كون “معدلات فائدة أعلى لا تتطابق مع استراتيجية النمو في تركيا”.

المصرف المركزي التركي الذي يفترض أنه مستقل لكنه يتعرض في الواقع لضغوط السلطة يعترض عن رفع معدلات فائدته متخليا بذلك عن أداة تستخدم تقليديا في العالم لدعم العملة وضبط التضخم
 

وبعد فوزه في الانتخابات التي جرت في 24 يونيو، عين أردوغان صهره براءة البيرق على رأس وزارة للمالية ويتمتع بصلاحيات واسعة، مستبعدا بعض المسؤولين الذين يلقون تقديرا من قبل الأسواق.

وقال المحلل في مجموعة رينيسانس كابيتالتشارلز روبرتسون إن “الأسواق فقدت ثقتها في قدرة الثلاثي الممثل بالرئيس أردوغان وصهره وزير المال والبنك المركزي على التحرك في حال الضرورة”.

وذكرت مجموعة كابيتال إيكونوميكس أن تراجع الليرة التركية يمكن أن يعزز الضغط على القطاع المصرفي في تركيا بسبب حجم الإقراض الكبير ولأن ثلث القروض المصرفية بعملات أجنبية.

مساعدة صندوق النقد الدولي

بينما كانت الليرة التركية تنهار، الجمعة، أبقت الحكومة على مواقفها مطلقة تصريحات تنم عن تحدّ ولم تطمئن الأسواق. وكان تراجع العملة الوطنية غائبا عن عناوين الصحف، ما اضطر خبراء الاقتصاد إلى اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعليق.

وقال مصطفى الذي كان أمام مكتب لصرف العملات في البازار الكبير في إسطنبول إن “وسائل الإعلام الحكومية تلهي الناس ببث الأفلام والمسلسلات”.

وسعر الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية ليس المسألة الرئيسية الوحيدة التي تثير قلق القاعدة الانتخابية لأردوغان، المعتادة على خطاب الحكومة التي تحمّل أطرافا معادية مسؤولية المشكلات الاقتصادية.

وإذا كان تراجع الليرة مستمرا ويهدد بأزمة اقتصادية، فإن الحكومة ما زالت تملك وسائل لمواجهة الوضع. فالحكومة يمكن أن تتخذ إجراءات لمراقبة رؤوس الأموال أو أن تلجأ إلى صندوق النقد الدولي وإن كان هذا الإجراء الأخير يصعب تقبله من جانب أردوغان الذي يفاخر باستمرار بأنه تمكن من تسديد ديون تركيا.

في المقابل، يمكن أن يغض أردوغان النظر عن زيادة طارئة في معدلات فائدة البنك المركزي، كما حدث في مايو. وقالت نويتيبوم “إذا استمر تدهور الوضع (…) فسيرضخ للواقع في نهاية الأمر".

6