الهبوط الناعم خيار مر تفرضه المتغيرات على المعارضة السودانية

تحالف نداء السودان يبدي مرونة حيال إنجاز تسوية سياسية مع الرئيس حسن عمر البشير.
السبت 2018/09/15
في موقف صعب

الخرطوم - تمر المعارضة السودانية، بشقيها السياسي والعسكري، بمرحلة دقيقة في ظل عجزها عن مجاراة النسق الذي فرضه نظام الرئيس عمر حسن البشير، وتسارع المتغيرات الإقليمية والدولية، ما يضطرها إلى بحث تكتيكات جديدة تتماشى واستحقاقات المرحلة، ومنها إمكانية الانخراط في حوار مع النظام ضمن ما يعرف اصطلاحا بـ”الهبوط الناعم” الذي يعني الوصول إلى تسوية عبر الحل السياسي.

ويرى مراقبون أن إعلان زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي ورئيس تحالف “نداء السودان” مؤخرا تشكيل لجنة مهمتها اقتراح هيكل تنظيمي جديد يفصل العمل السياسي عن العسكري، قد يكون تمهيدا لهذا الحوار، الذي لطالما تحفظت عليه قوى المعارضة في ظل غياب عامل الثقة.

وأكد نداء السودان، في بيان له، أنه “تحالف مدني يعتمد الوسائل السياسية السلمية للوصول إلى أهدافه”. وجاء البيان بعد ساعات من إعلان الرئيس عمر البشير حل حكومة الوفاق الوطني وتشكيل حكومة جديدة برئاسة معتز موسى، الإثنين الماضي.

ووفق مراقبين، تضمن البيان الصادر في ختام اجتماعات التحالف بالعاصمة الفرنسية باريس مفارقة في إقرار الحوار كوسيلة لمعالجة أزمات البلاد رغم وجود فصائل مسلحة داخل التحالف. كما اعتبروه إعلانا مبطنا لقبول دعوات الحوار التي ينادي بها المسؤولون في الحكومة السودانية، رغم عدم شكوكهم في جدواها لجهة أن هذه الدعوات لطالما كان الهدف منها إشغالها.

الإعلان عن تشكيلة الحكومة السودانية المصغرة

الخرطوم - أعلن حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، في وقت متأخر من الخميس، تشكيلة حكومة وحدة جديدة. وكان الرئيس عمر البشير قد كلف معتز موسى (وزير الموارد المائية والري بالحكومة السابقة) بتشكيل الحكومة الجديدة وقال إنه سيخفض عدد الوزراء بواقع الثلث لخفض الإنفاق الحكومي.

وتضم الحكومة الجديدة “المُصغرة” 21 وزيرا اتحاديا و27 وزير دولة، بينما كانت الحكومة السابقة تضم 31 وزيرا اتحاديا و47 وزير دولة. ‎

ووافق الحزب الحاكم خلال اجتماعه على أسماء الوزراء الذين اختارهم معتز موسى. ونال المؤتمر الوطني في التشكيل الحكومي الجديد 10 حقائب، بينما ذهبت 11 حقيبة أخرى للأحزاب الأخرى المشاركة في الحكومة. واحتفظ وزراء الخارجية والدفاع وشؤون رئاسة الجمهورية بمناصبهم في الحكومة الجديدة.

وسمى الحزب الحاكم 3 وزراء جدد لحصته من الحكومة وهم: عبدالله حمدوك لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، وحسب النبي موسى محمد لوزارة الزراعة والغابات، وخضر محمد قسم السيد لوزارة الري والموارد المائية والكهرباء. وشهدت الحكومة الجديدة دمج بعض الوزارات.

وتحاول الخرطوم خفض الإنفاق في الوقت الذي تصارع فيه التضخم الذي بلغ نحو 64 في المئة في يوليو على أساس سنوي ونقصا في العملة الصعبة.

ويضم تحالف نداء السودان قوى أبرزها حزب الأمة القومي، وحزب المؤتمر السوداني، والحركة الشعبية/شمال، وحركة تحرير السودان، بقيادة مناوي، وحركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، ومبادرة المجتمع المدني، إلى جانب قوى أخرى.

ودعا الصادق المهدي في 21 أغسطس الماضي، خلال اجتماعات نداء السودان، الحكومة إلى أن “تصدق في مواقفها لتصدق في نهج المصالحات”. المهدي لم يكتف بالدعوة فقط بل ذكر بقبوله عقد لقاءين مع قيادات من الحكومة السودانية أرسلت لإطلاق حوار يفضي إلى وفاق وطني.

ومنذ يونيو، أرسلت الحكومة وفدين إلى القاهرة لمقابلة وفد حزب الأم. ورغم أن المهدي لم يشر إلى بادرة حوار قريبة مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم، غير أنه قدم نماذج متعددة للحوار تساهم -وفق رؤيته- في تحقيق المصالحة السياسية.

ومرارا دعا الرئيس البشير الحركات المسلحة والممانعين من الأحزاب السياسية إلى اللحاق بالحوار. وآخر تلك الدعوات كانت في 21 أغسطس، حيث شدّد الرئيس السوداني، في خطاب متلفز بمناسبة عيد الأضحى، على “تمسك حكومته بالسلام وبالحوار منهجا لتجاوز كل العقبات والخلافات”.

وأضاف “نناشد الحركات التي حملت السلاح، ومن تبقى من القوى السياسية التي لا تزال على هامش الانتظار، اللحاق والانضمام إلى المسيرة”.

وكان البشير قد دعا عام 2014 إلى حوار وطني شاركت فيه إلى جانب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الراحل حسن الترابي أحزاب سياسية ليس لها ثقل فعلي على الساحة السودانية، في المقابل قاطعته قوى المعارضة الرئيسية المسلحة منها والسياسية.

وانتهت فعاليات الحوار في أكتوبر 2016، بتوقيع ماعُرِف بـ”الوثيقة الوطنية”، التي شملت توصيات بتعديلات دستورية وإصلاحات سياسية وصفها معارضون بـ”ذر رماد على العيون”. وقد أكد البشير أن بإمكان المقاطعين للحوار أن يلتحقوا ويشاركوا في تنفيذ مخرجاته، وهذا من الصعب أن تقبل به المعارضة التي بدا شق منها منفتحا على فتح حوار جديد.

وأبدى القيادي بحزب المؤتمر السوداني (عضو بتحالف نداء السودان)، نورالدين صلاح الدين، ترحيبه بالحوار السياسي، قائلا “نرحب بأي حوار يقود لحل أزمات البلاد، لكن وفق اشتراطات من ضمنها إتاحة ممارسة النشاط السياسي للجميع وإلغاء القوانين المقيدة للحريات”.

وأعرب صلاح الدين عن تحفظه على مصطلح “الهبوط الناعم” الذي تتداوله الأوساط السياسية حاليًا، لافتا إلى أن “المصطلح يوحي بالاستسلام أو التنازل”.

ويقف الشق الثاني من المعارضة رافضا للدخول في أي تفاهمات لاقتناعه بأن النظام غير جاد في إحداث إصلاح سياسي حقيقي، ويعبر عن ذلك الموقف بوضوح تحالف قوى الإجماع الوطني الذي يضم 11 حزبا.

ويقول القيادي في التحالف ساطع الحاج “لدينا في التحالف هدف واحد: تغيير نظام الحكم عبر ثورة شعبية أو انتفاضة”.

ويرى خالد سعد، مدير تحرير صحيفة “اليوم التالي” (خاصة)، وجود محددين لتحقيق التسوية؛ الأول يضعه المجتمع الدولي، فيما تفرض الأوضاع السياسية والاقتصادية المحدد الثاني على طرفي الحكم والمعارضة.

ويقول سعد “المجتمع الدولي له دور كبير في دعم الحل السياسي، وليس إسقاط النظام، فهو مهتم بدور الحكومة الحالية في دعم وتحقيق سلام جنوب السودان ومحاربة الاتجار بالبشر، وقاد معها تفاهمات لمواصلة تلك الأدوار المهمة التي تلعبها”.

ووفق حديثه “لا يمكن أن يدعم المجتمع الدولي أحزابا وفصائل عسكرية تسعى إلى إسقاط نظام حكم لديه تفاهمات مسبقة معه”.

ويتمثل المحدد الثاني الداعم لخيار التسوية السياسية، في الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد حاليا؛ إذ يراها “دافعا قويا للحكومة لقبول حوار سياسي لتلافي تفاقم الأوضاع وتحاشي خيارات وقوع أعمال العنف”.

2