الهجرات الجماعية تهدد التمازج الثقافي في الدول الغنية

أحيانا يجد الإنسان نفسه مجبرا على ترك بلاده هربا من معيشة قاسية وظروف صعبة، فيختار التوجه إلى أوطان أخرى عن طواعية لتحسين أوضاعه المادية. وعرف العالم الهجرة منذ القديم، حيث شهدت العديد من البلدان وخصوصا الغنية منها، قدوم جنسيات كثيرة أسهمت في تشكيل نسيج جديد بالنظر إلى ما كانت تحمله من ثقافات وعادات وتقاليد تبشّر بتحوّل جذري داخل المجتمع الأصل، وهؤلاء المهاجرون يسعون إلى التشبّث بتراثهم بل ويعملون على نشره على أوسع نطاق، وهو ما قد يهدّد هوية البلدان الغنية أمام هجمة استعمارية جديدة مضادّة ولكن بثوب آخر.
الخميس 2016/10/20
استعداد الرحيل إلى بلاد الأغنياء (لوحة للفنان الكيني جون ندامبو)

يسعى بروفيسور الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة أوكسفورد سر بول كوليير في كتابه “الهجرة.. كيف تؤثر في عالمنا؟” للحصول على إجابات لثلاثة أصناف من الأسئلة: ما الذي يؤثر في القرارات؟ كيف تؤثر الهجرة في أولئك الذين يبقون في أوطانهم؟ كيف يؤثر ذلك في السكان الأصليين للبلدان المضيفة؟

ويؤكد كوليير على أنه مهما اختلفت الاتجاهات في دراسة الهجرة، فلا بد من التعامل معها كمسألة أخلاقية ويتساءل، من أي منظور أخلاقي ينبغي الحكم على التأثيرات المتنوعة للهجرة؟ ويقول “الاقتصاديون لديهم وسيلة جاهزة في الحكم من وجهة نظر أخلاقية تسمى مذهب المنفعة، وهي وسيلة تصلح نظريا لهذا الغرض، لذا فقد أصبحت معيارا أساسيا، غير أن هذا المعيار ضمن إطار أخلاقيات التعامل مع الهجرة عاجز عن أداء الدور المطلوب”.

هجرة الفقراء

يرى كوليير في كتابه الصادر عن سلسلة عالم المعرفة، وتولى ترجمته مصطفى ناصر، أن هجرة الفقراء إلى بلدان غنية من الظواهر المثقلة بإيحاءات مريرة، حيث يشكل استمرار ظاهرة الفقر التي تنتشر على نطاق واسع في مجتمعات وتقع ضمن المليار الأفقر، تحديا خطيرا للقرن الحادي والعشرين.

ويضيف “حين يرى الكثير من الشباب في هذه المجتمعات وجود فرص للحياة المرفهة في مكان آخر من العالم، فإنهم يتلهّفون للرحيل عن أوطانهم، وسواء كان ذلك بوسائل شرعية أو غير شرعية. فقد ينجح بعضهم في مساعيه، وكل عملية نزوح فردية تعد نصرا لروح التحدي البشري والإصرار على البقاء وتجسيدا للشجاعة والابتكار في التغلب على قيود البيروقراطية التي يفرضها الأغنياء المتوجّسون. ومن هذا المنظور الوجداني تبدو أي سياسة للتعامل مع الهجرة غير سياسة الباب المفتوح خسيئة ودنيئة”.

يستدرك كوليير مؤكدا أن الهجرة لا تخلو من نزعة أنانية، لأن المسؤوليات والأعباء التي يتحملها آخرون في ظروف تدعو لليأس يجري تجاهلها، فيما يترك العمال مواقع عملهم ويهجر الأشخاص الأكثر قوة وجرأة أوطانهم تاركين الضعفاء وحدهم لمصيرهم.

ومن هذا المنظور نقول إن سياسة التعامل مع الهجرة ينبغي أن تأخذ في الاعتبار تأثيراتها على أولئك الذين يبقون في بلدانهم، والتي كثيرا ما يتجاهلها المعنيون فلا يكاد يهتم بها أحد. أليس بالإمكان اعتبار الهجرة نفسها “هجمة استعمارية مضادة؟”، إنها قد تتخذ صيغة الثأر من الجهة التي استعمرت بلادك في يوم من الأيام.

الحكومات كثيرا ما تنظر إلى أفراد الشتات باعتبارهم بؤرة للتطرف والمعارضة السياسية التي تغذي الصراعات

المهاجرون يشيّدون مستوطنات في البلدان المضيفة تؤدي إلى انحراف الموارد عن وجهاتها الصحيحة، أو إلى صراع مع القيم الأصلية. ومن هذا المنظور أيضا ينبغي لسياسة التعامل مع الهجرة أن تحمي أولئك الذين لا يتمكنون من الهجرة. فقضية الهجرة لها علاقة وطيدة بالمشاعر والقيم الإنسانية، ولكن مع ذلك فإن ردود الأفعال إزاء التأثيرات الافتراضية للهجرة يمكن أن تحرّف سياسة التعامل مع هذه القضية إلى أي اتجاه”.

ويحدد كوليير ثلاثة مستويات مهمّة تدفع لحصول الهجرة على مستوى دولي، أولا الهجرة باعتبارها رد فعل اقتصادي بطبيعته على الفجوة في مستويات الدخل، فإذا تساوت بقية الأشياء، فإن الضغط نحو الهجرة يصبح أقوى كلما كانت فجوة الدخل أوسع.

ثانيا هناك أنواع لا تحصى من العوائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية أمام الهجرة ولها أهمية كبيرة في تحويل الهجرة إلى مسألة استثمار، وهنا لا بد من أن يتحمل المرء التكاليف قبل أن يتوقع جني الثمار.

وما دام الفقراء هم الأقل قدرة على تحمل المرء لتكاليف الاستثمار، فإن ذلك يولد توازنا للضغط الذي تسببه فجوة كبيرة في مستويات الدخل، أما إذا كانت الفجوة واسعة لأن الناس في البلاد التي ينطلق منها المهاجرون يعانون فقرا مدقعا، فمن المحتمل أن تحبط رغبتهم في الهجرة.

الهجرة من وجهة نظر اقتصادية

أما المستوى الثالث والذي نعرفه جيدا، فهو أن تكاليف الهجرة تصبح ميسّرة إلى حد ما خصوصا في ظل وجود شتات من البلد الأصلي إلى البلد المضيف، وبالتالي فإن تكاليف الهجرة سوف تقل مع ازدياد حجم المهاجرين الذين سبق لهم أن استقروا هناك.

فمعدل الهجرة إذن يتحدد وفقا لمدى اتساع الفجوة ومستوى الدخل في البلدان التي يأتي منها المهاجرون، وكذلك حجم الشتات.

وهذه العلاقة ليست تراكمية بل هي في تضاعف، ففجوة واسعة مع شتات قليل، أو فجوة ضئيلة مع شتات كبير، كلاهما لن يولد سوى تدفق ضئيل في الهجرة، حيث يعتمد السيل المتدفق للهجرة على وجود فجوة واسعة تتفاعل مع شتات كبير ومستوى كاف من الدخل في بلدان المصدر.

تهديد التمازج الثقافي

ويرى كوليير أن استمرار الهجرات الجماعية يهدد التمازج الثقافي في الدول الغنية، فالبعض من التعدد يضيف نكهة خاصة، إذا دخلت على سبيل المثال إلى هذه الدول المطاعم التايلاندية أو الموسيقى الكونغولية، بيد أن وجود نسبة كبيرة من المهاجرين غير المستوعبين قد يجعلهم يتشبثون بالأعراف الثقافية التي جعلت وطنهم الأم غير قادر على أداء وظائفه وطردهم من البلد المضيف، وإضافة إلى ذلك، فإن المجتمع عندما يسوده عدم الانسجام فإن سكانه قد لا يكونون مستعدين لدفع فاتورة دولة الرفاه السخية، ويقل بذلك دعم التوجه نحو إعادة التوزيع، خاصة إذا ما اعتقد دافعو الضرائب أن المستفيدين من ذلك أناس ليسوا مثلهم.

ويخلص كوليير إلى أن الهجرة على نطاق عالمي تأتي ردا على التفاوت المنتشر في العالم، وأن الشباب من البلدان الأكثر فقرا يدرك، كما لم يحصل سابقا، وجود فرص في أماكن أخرى، فقد اتسع هذا التفاوت خلال القرنين الماضيين وسوف يغلق بحلول القرن القادم، حيث ينتظر أن تتحول أغلب البلدان إلى نامية.

ويضيف “تتعلم المنظمات كيف تجعل العمال منتجين أكثر من خلال الربط بين المقاييس وبين المحفزات. هذه التغيرات الجذرية تتحقق من خلال تعديل الأفكار العالمية لكي تتلاءم مع سياقات محلية، ومع زيادة قوة وتأثير النماذج الاجتماعية ونمو الاقتصاد، لتصبح الهجرة من الأرياف الفقيرة مهمّة في الواقع، لكن الرحلة بين لاغوس ومومبي وليست إلى لندن أو مدريد”.

14