الهجرة أصبحت ثقافة مجتمع في تونس

بلد الرهان على التعليم يفشل في إدارة موارده البشرية: الكفاءات التونسية تقف في صفوف البطالة بلا أمل.
السبت 2018/11/10
دخان اليأس

الشاب التونسي وإن كان صاحب شهادة جامعية عالية وكفاءة كبيرة، لا يعدو إلّا أن يكون مجرد رقم في سجلات الدولة، ما جعل كل خريج جامعة يستعد للهجرة في أقرب فرصة.

تونس - “لم أسمع تونسيا في السنوات الأخيرة يود البقاء بالبلد” هكذا يقول محمد، مهندس عمره 28 عاما، والذي يستعد للسفر إلى فرنسا بعد نجاحه في اجتياز امتحان خوّل له الالتحاق بشركة فرنسية.

عانى محمد، الذي ينحدر من عائلة بسيطة، من البطالة لمدة عامين بعد تخرجه حتى أنه عمل نادلا في مطعم كما عمل العام الماضي في جني الزيتون ليكسب مصروفه.

ويتابع ساخرا “العام الماضي في هذا التوقيت بالضبط كنت أجني الزيتون، هذا العام سأكون في فرنسا أعمل في اختصاصي”.

تجد كفاءات كبيرة في تونس نفسها عوض أن تستثمر تعلمها وتكوينها وحتى تميزها في اختصاصها تقف في صفوف العاطلين بلا أمل ما يخلق فيها حالة من الإحباط واليأس.

هذا الوضع تتحمل المسؤولية فيه الحكومات المتعاقبة التي تتعامل مع كفاءاتها التي أنفقت عليها الدولة الكثير من موارد المجموعة الوطنية على أنها مجرد أرقام في إحصائيات حول نسبة العاطلين عن العمل وعددهم والمتخرجين من الجامعات.

طارق أيضا شاب يبلغ من العمر 27 عاما أستاذ رياضيات، يؤكد أن الفرص في دول الخليج متوفرة لمن يحملون شهادته فلا يكاد يفتح موقع تشغيل حتى يجد عشرات الفرص التي تناسبه لكنه يخير البقاء في تونس حتى انتدابه ثم الهجرة. ويؤكد “حين أعود لا أريد أن أكون بلا عمل الانتداب الحكومي يمكنني من العودة إلى عملي متى أردت”.

وترى مريم التي هاجرت إلى بلد خليجي منذ 4 أعوام مباشرة بعد إتمام دراستها الجامعية أن قرار الهجرة بعيد كل البعد عن الدوافع المادية، فحسب رأيها ليس هناك أية مؤشرات تشجع على التضحية من أجل الوطن في غياب أية إرادة سياسية للإصلاح، وتقول “تونس بلد جميل لكن تسيير أي بلد جميل بطريقة سيئة يجعله سيئا”.

هجرة الكفاءات التونسية، تحولت من ظاهرة إلى نزيف قد يشل قطاعات حيوية

وكما الأزمة السياسية، فإن تونس تعاني من هذه الظاهرة المجتمعية التي تجسّدت في الهجرة تستنزف كفاءاتها وأدمغتها وتحولها إلى بلدان أخرى.

في السنوات الأخيرة احتلت تونس، وفقا لتقرير أنجزه المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (حقوقي مستقل)، المرتبة الثانية عربيا خلف سوريا في هجرة الكفاءات العلمية، حيث سجلت وزارة التعليم العالي خلال الـ6 سنوات الماضية مغادرة قرابة 94 ألف كفاءة تونسية، 84 بالمئة منها غادرت باتجاه دول أوروبية.

و”هجرة الأدمغة” هي تلك الحركة البشرية العابرة للحدود بالنسبة إلى العاملين من ذوي الكفاءات العالية، من بلد إلى آخر خاصة من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة، وهؤلاء هم من درسوا للحصول على درجة علمية عالية أو يملكون خبرة واسعة في مجال أكاديمي معين.

ويتصدر الأساتذة الجامعيون والباحثون المرتبة الأولى في صفوف عدد المهاجرين بنسبة 24 بالمئة، وقال اتحاد الأساتذة الجامعيين والباحثين التونسيين إنه خلال سنوات ما بعد الثورة سُجلت هجرة ثلث الجامعيين.

لم تقتصر “هجرة الأدمغة” على الأساتذة الجامعيين والباحثين فقط، وإنما شملت أيضا الأطباء والمهندسين، فقد عرفت أعداد المهاجرين منهم في السنوات الأخيرة ارتفاعا كبيرا.

وأفاد الأستاذ الجامعي والخبير بـالمعهد العربي لرؤساء المؤسسات، مختار الكوكي، الخميس 8 نوفمبر 2018، بأن 81 في المئة من الأطباء التونسيين في الخارج، قد هاجروا بعد الثورة مشيرا إلى أنّ فرنسا استأثرت بنصيب الأسد منهم.

ثقافة الهجرة ترسخت في أذهان الشباب، فغدوا يعيشون على وقع رحيل مبرمج، بعد أن فقدوا الأمل في قدرة السياسيين على إخراج تونس من أزمتها المستحكمة
ثقافة الهجرة ترسخت في أذهان الشباب، فغدوا يعيشون على وقع رحيل مبرمج، بعد أن فقدوا الأمل في قدرة السياسيين على إخراج تونس من أزمتها المستحكمة

وتقدرعمادة الأطباء، بناء على الأرقام المسجّلة بين سنتي 2013 و2017، معدل عدد الأطباء الذين هاجروا العام الماضي بين 50 و60 طبيبا شهريّا وتتوقّع أن يكون عددهم 900 في سنة 2019 ليصل إلى 2700 في سنة 2022، إذا ما أخذت الظاهرة منحى تصاعديا وتأخّرت الدولة عن اتّخاذ إجراءات عاجلة للحدّ منها.

ومن القطاعات الحسّاسة الأكثر تضرّرا من هذه الظاهرة قطاع تكنولوجيات الاتصال والمعلومات حيث اختار 90 بالمئة من المتخرّجين من المدارس العليا للاتصالات ممّن زاولوا تعلّمهم بتونس أو بالخارج طريق الهجرة.

وتحدث المدير بشركة  أكسيانس ”AXIANS” حلمي الرايس عن مشكل قلة الكفاءات في مجال الدفاع السيبرني نظرا لهجرة المختصين إلى الخارج بسبب الوضع الاقتصادي الراهن.

تعقيدات اجتماعية

تعاني تونس من نسب عالية من البطالة المتخصصة في أوساط الشباب، تصل إلى 24 بالمئة، يزيد في قتامتها وتعقيداتها النفسية والاجتماعية تصاعد موجات اليأس من تبدل الأحوال وتغير الأوضاع نحو الأفضل والأحسن.

يقول رئيس تحرير مجلة “ليدرز”  التونسية، عبدالحفيظ الهرقام، إن “هجرة الكفاءات، والهجرة عموما، أصبحت في الراهن التونسي ثقافة مجتمعٍ ترسّخت في أذهان الشباب، وحتى الكهول، فالطلبة والأطباء والمهندسون وأساتذة التعليم العالي غدوا يعيشون على وقع رحيل مبرمج، بعد أن فقدوا الأمل في قدرة السياسيين والطبقة الحاكمة على إخراج تونس من نفق أزمتها المستحكمة”.

وتحوّلت هجرة الكفاءات التونسية، تبعا لكل المؤشرات، من ظاهرة قد تكون عادية إلى نزيف قد يشلّ قريبا قطاعات حيوية في منظومة التنمية الشاملة.

وكانت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قد كشفت في دراسة لها أن التركيبة السكانية للتونسيين المقيمين بالخارج يغلب عليها الشبان المتعلمون والحاصلون على شهادات جامعية شاملة لعدة اختصاصات.

وأضافت المنظمة أنه سُجلت تحولات نوعية وكمية لتوجه المهاجرين التونسيين في السنوات الأخيرة، وذلك من دول أوروبا التقليدية إلى دول الخليج العربي وكندا والولايات المتحدة الأميركية.

وفي شهر يونيو 2017 أظهرت دراسة أعدها مركز تونس للبحوث الاستراتيجية أن 78 بالمئة من الكفاءات ترغب في الهجرة بحثا عن أوضاع مهنية أفضل.

ولعلّ من أهمّ المؤشّرات لهذه الظّاهرة المتفاقمة مشاركة العديد من الأطبّاء التونسيين من مختلف الاختصاصات كلّ سنة في مناظرة معادلة الشّهادات ومراقبة المعارف بفرنسا، والتي يستأثر فيها التونسيون بأوفر نسب النّجاح.

ففي مناظرة سنة 2017 نجح أكثر من 240 طبيبا تونسيّا من بين مجموع الفائزين وعددهم 494 طبيبا في كلّ الاختصاصات. وقد أدرك نجاح التونسيين نسبا عالية في عدد من الاختصاصات: 88 بالمئة في طبّ القلب والشرايين و86 بالمئة في التّصوير الطبّي و80 بالمئة في الإنعاش الطبي.

استمرار نزيف هجرة الكفاءات من تونس يمثل وفقا للعديد من الخبراء، ضياعا حتميا للكفاءات القادرة على الإبداع وخلق بنى اقتصادية جديدة 

هاشم محجوب، مختص في جراحة العظام والمفاصل (36 عاما) نجح في مناظرة معادلة الشهادات ومراقبة المعارف بفرنسا لسنة 2017، ممّا يتيح له العمل في بلد الهجرة. يقول عن ظروف هجرته “لم يكن يخطر ببالي بتاتا أن أهاجر أو أن أقيم في أيّ بلد أجنبي. فأنا طبيب جرّاح شابّ زاولت تعليمي في المدرسة العمومية التونسية، وفي كلية الطبّ بتونس، كما تلقّيت تكويني في المستشفيات العمومية التونسية وعلى أيدي كفاءات طبيّة تونسية”.

ويتابع “إثر إنهاء تخصّصي ارتأيت أن أقوم بتربّص لفترة في مستشفى فرنسي لتحسين مؤهّلاتي وتجويد تكويني في انتظار حصولي على وظيفة بمستشفى في بلادي. وأثناء تربّصي اكتشفت أن ظروف العمل هناك لا تتمثّل فقط في التّجهيزات والبنية التحتيّة المتقدمة، إنما هي منظومة متكاملة لكلّ فرد فيها دور وواجب يؤدّيهما بكلّ تفان وإتقان… والإنسان هناك مهما كان فهو محلّ اهتمام وتبجيل.. ومناخ العمل يسوده الاحترام والمرونة.. وهذا ما جعلني أقارن هذه التّجربة الجديدة بما عايشته في بلادي، ممّا جعلني أفكّر جدّيا في الهجرة”.

لامبالاة من الدولة

لا تهتم الدولة التونسية بظاهرة هجرة الكفاءات بالشكل المطلوب، رغم أن المشكلة أصبحت تمثل خطرا كبيرا، وتعود بداية هذه الظاهرة إلى سنوات السبعينات، فقبلها كانت الهجرة تقتصر على اليد العاملة غير المختصة.

ويرى الخبير والدبلوماسي، أحمد بن مصطفى، أن هجرة الكفاءات التونسية تمثل الوجه الخفي لسياسة تهجير الكفاءات التونسية إلى أوروبا، والتي قننتها اتفاقيات مبرمة مع أطراف أجنبية، منها اتفاق “الشراكة من أجل الحركية” الموقع مع الاتحاد الأوروبي في مارس 2014، تزامنا مع اعتماد برنامج العمل التونسي الأوروبي الذي فتح المجال للمفاوضات بشأن اتفاق التبادل الحر الشامل..

وكذلك اتفاق “الشراكة من أجل الشباب” الموقع في بروكسل سنة 2016، ولم يكشف عن مضامينه، كما الشأن بالنسبة لـمشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق، واتفاق “الشراكة من أجل الحركية” الذي أرسى مبدأ “الهجرة الانتقائية”، بحيث يقع تيسير منح تأشيرة الإقامة طويلة الأمد والعمل لفائدة الطلبة أو الكفاءات العلمية والطبية التي تحتاج إليها أوروبا مقابل تضييق الخناق على الهجرة غير النظامية، وإلزامها بالعودة إلى تونس.

وتعتبر تونس أن تعويض خسارتها البشرية، وإن كانت جزئيا، قد يكون من التحويلات النقدية للمهاجرين ونقل التكنولوجيا العائدة من خلالهم، إلا أنها لا تعي أن هذه الهجرة ستضطرها إلى استيراد الخبراء الأجانب بعقود باهظة بدلا من أبنائها المؤهلين الذين لم يجدوا لهم مستقرا فيها، حتى إن بعض المسؤولين ما فتئوا يشجعون الشباب الحامل للشهادات العليا على الهجرة والبحث عن عمل في الخارج، كي لا تتعبهم مطالبه.

واستمرار نزيف هجرة الكفاءات من تونس يمثل وفقا للعديد من الخبراء، ضياعا حتميا للكفاءات القادرة على الإبداع وخلق بنى اقتصادية جديدة وفتح آفاق علمية وتكنولوجية جديدة في البلاد، تنقذها من الوضع الذي تعيش على وقعه.

التونسي تحول إلى كائن متشنج يبحث عن الهرب
التونسي تحول إلى كائن متشنج يبحث عن الهرب

وقد احتلت تونس المرتبة 83 ضمن الترتيب العام لمؤشر القدرات التنافسية الشاملة الذي يصنف البلدان حسب قدراتها على تطوير الكفاءات والاحتفاظ بها وجذبها، وذلك من بين 119 دولة شملها الترتيب، لتسجل بذلك تراجعا بـ6 مراتب مقارنة بسنة 2017 حيث كانت تحتل المرتبة 77.

كما حلت، ضمن هذا المؤشر الصادر في 22 يناير 2018، في المرتبة 96 على مستوى جذب الكفاءات وفي المرتبة 103 و94 على التوالي على مستوى تنمية الكفاءات والقدرات وتطور المهارات، في حين احتلت المرتبة 66 على مستوى تعزيز الانتماء لدى الكفاءات.

ودعت رئيسة جمعية المحترفين في الموارد البشرية،، نجلاء شريف حمدي، إلى مراجعة سياسة الموارد البشرية في تونس التي بدت أنها من بين المحفزات على الهجرة سواء الداخلية من القطاع العام إلى الخاص أو الخارجية في اتجاه الدول المستقطبة للكفاءات التونسية.

من جانبه، دعا مدير عام المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، ناجي جلول، السياسيين وصناع القرار في تونس إلى وضع رؤية مستقبلية تلائم بين منظومات التربية والتكوين والتعليم العالي، من جهة، ومتطلبات سوق الشغل وحاجيات الاقتصاد، من جهة أخرى، للحد من البطالة وخاصة في صفوف حاملي الشهادات.

وشدد على أهمية إيجاد الظروف الملائمة للعمل، وتوفير المناخ السليم لذلك، حتى تتمكن تونس من الخروج من الأزمة والحد من التفكير في الهجرة، مؤكدا ضرورة تسخير موارد البلاد من أجل خلق الثروات، ومبرزا أن الخطاب السوداوي الفاقد للأمل يؤثر سلبا على إدراك الشباب التونسي لواقعه وتمثلاته مما يحمله على التفكير في مغادرة البلاد.

وقد تغيرت نفسية وسلوك المواطن التونسي في السنوات الماضية خاصة بعد تتالي الأحداث التي شهدتها الساحة السياسية، فالتونسي الذي عرف بحبه للحياة وعشقه للفن وللنكتة تحول إلى كائن متشنج يبحث عن الهرب.

وكانت تقارير الجامعة العربية واليونسكو قد لخّصت الأسباب والدوافع الأساسية لهجرة العقول العربية، في عجز الدول العربية والنامية، عن استيعاب أصحاب الكفاءات، الذين يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل، إضافة إلى ضعف الدخل المادي المخصص لهم، وفقدان الارتباط بين أنظمة التعليم ومشاريع التنمية والتطوير.

كما تقدم الدول المتقدمة تسهيلات للكفاءات المهاجرة من الشباب العربي، ما يحفزها على الاستقرار بالدول المستضيفة، فضلا عن الاندماج بالمجتمعات الغربية في الوقت الذي تعاني فيه مجتمعاتهم الأصلية من سوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وتبرز خطورة هجرة الكفاءات حسب مراقبين في جانبين، أولهما التكلفة التي يتكبدها المجتمع في تكوين وتعليم المهاجر إلى حدود موعد هجرته، وبينما تتمتع الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا، بالملايين من الدولارات نتيجة لهجرة العقول والمهارات إليها، فإن هذه العقول لم تكلف الدولة المضيفة شيئا في تنشئتها وتدريبها.

وأصدرت الجامعة العربية عشرات التقارير التي حذرت فيها من أن العالم العربي يعاني من فقر علمي وخسارة 200 مليار دولار بسبب هجرة الكفاءات العلمية والعقول العربية إلى الدول الأجنبية، ودعت إلى السعي لاستعادة هذه العقول.

20