الهجرة السرية معضلة أوروبا حلها منوط بمساعدة بلدان المصدر والعبور

ما فتئت معضلة الهجرة غير الشرعية تؤرق بلدان العبور في شمال أفريقيا وبلدان المَقصَد والاستقبال الأوروبية على حدّ سواء، بسبب تواصلها وراهنيتها الدائمة. مشكلة أضحت تداعياتها تتفاقم يوما بعد يوم رغم كثرة التدابير الغربية التي لم تثبت نجاعتها إلى حدّ الآن رغم ارتفاع تكاليفها، لأنّها لم تتطرّق إلى معالجة المسبّبات الرئيسية المتعلّقة بالمشاكل الاقتصادية والتنموية التي تعيشها بلدان المَصدَر، والّتي تعدّ العامل الرئيسي المحفز لانتعاش تجارة قوارب الموت التي يزداد عدد ضحاياها باطّراد مفزع.
الخميس 2015/06/18
الحلول الأمنية قاصرة عن التصدي لطوفان المهاجرين الذين ضاقت بهم السبل

فرض بناء الاتحاد الأوروبي إعادة هيكلة حدود فضاء “شينغن” ومراقبة صارمة على حدود القارة الخارجية في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة، تزايد على إثرها سنّ قوانين صارمة تحدّ من الهجرة، وتصاعد على إثرها الخطاب العنصري تجاه المهاجرين، بينما لا يزال الاندماج في الضفة الجنوبية معطّلا بسبب الانقسامات السياسية الكبيرة التي تحول دون الاندماج الإقليمي والتكتل الاقتصادي لبلدان المغرب العربي، ممّا يجعل الهجرة المعاصرة في المتوسط ترزح بين زجر مطرقة الشمال وسندان مشاكل الجنوب. وفي حين تتزايد حركية ورغبة الأفراد في التنقل في عصر العولمة، تنكفئ المجتمعات الأوروبية على حدودها وقومياتها وهوياتها في ظل صعود التيارات الشعبوية.

وقد صعدت المقاربة الأمنية إلى الواجهة من جديد بعد رفض كلّ من ألمانيا وفرنسا مقترح المفوضية الأوروبية باستقبال 40 ألفا من طالبي اللجوء السياسي في الاتحاد الأوروبي، وتوزيعهم على قاعدة حجم السكان وإجمالي الدخل الوطني الخام ونسبة البطالة، حيث تكشف المفارقة أنّ 5 بلدان أوروبية تتوزع نسبة 75 بالمئة من طلبات اللاجئين في كلّ من فرنسا وألمانيا والسويد وإيطاليا وهنغاريا، بينما البلدان الأوروبية الأخرى ترفض فتح أبوابها وتمارس حمائية قانونية كبيرة تعترض استقبالهم. مما يجعل من سياسات الهجرة رهانا سياسيا تعبث به الاحترازات و الاعتراضات.

سياسة أوروبية متخبطة

على الرغم من الاختلافات القائمة التي تعرقل تنفيذ القوانين الدولية وحماية حقوق الإنسان وحقّه في التنقل والبحث عن العيش الكريم، فإنّ عموم البلدان الأوروبية تسعى إلى تفعيل المزيد من ترسانات القوانين التي تحصر حرية التنقل بين أعضاء الاتحاد، حيث لا يخفى أنّ ميزانية “فرونتكس”، الوكالة الأوروبية المكلفة بحماية الحدود الخارجية لفضاء شينغن، تم رفعها من 19 مليون يورو إلى 120 مليون يورو في عام 2011.

والواقع أنّ التدبير الأمني للهجرة السائد حاليا، أثبت فشله كليا منذ إنشاء “فرق التدخل السريع على الحدود” في عام 2007، فضلا عن عمليات “هيرمس” المشتركة في وسط المتوسط، وعملية هيرا في جزر الكناري وأفريقيا الغربية، وعملية “بوسيدون” في شرق المتوسط، ثم عملية “بحرنا” الإيطالية في عام 2012، والتي كلفت البحرية الإيطالية حوالي 9 مليون يورو شهريا (انتهت مع نهاية أكتوبر 2014 وأنقذت حوالي 100 ألف مهاجر من موت محقّق)، فضلا عن عملية “تريتون” الأوروبية التي تلتها، وكانت تكلفتها 9.1 مليون يورو شهريا، فضلا عن مشاركة الولايات المتحدة الأميركية في العام 2013 لمدّة أكثر من خمسة أشهر في عملية “إندالو” في غرب المتوسط، بالإضافة إلى عملية “نظام المراقبة المتكامل” بين عامي 2002 و2009، التي حاولت أسبانيا من خلالها الحدّ من استقبال المهاجرين غير النظاميين (أنقذت حوالي 90 ألف مهاجر من قوارب الموت)، بالإضافة إلى سعي الاتحاد الأوروبي نحو استخدام وسائل تقنية متطورة للمراقبة واعتراض وطرد المهاجرين غير الشرعيين، سواء عبر نظام “مراقبة الحدود البحرية” ونظام “الدورية المستقلة القابلة للنقل لنظام مراقبة الحدود البرية”، أو “الرصد البحري الجوي للمساحات الواسعة”، ولكنها لم تحقق الأهداف التي كانت مرجوّة منها وظلت حبيسة الدفاع عن المصالح الخاصة لكل بلد.

وقد أثبتت الأزمات التي عرفها المتوسط، إجمالا، سواء في تلك التي أعقبت الهجوم الإسرائيلي على غزة أو تلك التي انجرّت عن أحداث ما سمي بـ”الربيع العربي” خاصة في سوريا، اليمن وليبيا، بالإضافة إلى عدم الاستقرار في بلدان ساحل الصحراء، فشل كل التدابير الأمنية للحدّ من الهجرة غير الشرعية في البحر الأبيض المتوسط في ظل ارتفاع وتيرة نشاط تهريب البشر، ونسبة الهجرة السرية بشكل ملحوظ لدى الشبكات الإجرامية القادمة من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تقدر المنظمة الدولية للهجرة عدد المهاجرين الذين عبروا إلى إيطاليا عبر البحر بحوالي 12.460 مهاجر في شهر ماي 2015، فيما يقدر العدد الإجمالي للذين وصلوا إلى الأراضي الإيطالية من مداخل متفرّقة بنحو 40 ألف مهاجر، حيث تم مؤخرا، إنقاذ 5000 مهاجر في نهاية شهر ماي 2015، فيما بلغ عدد المهاجرين في إيطاليا حوالي 54.000 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي ووصلت عمليات الإنقاذ البحرية إلى 15 ألف عملية بحرية في عام 2014.

الحل يكمن في صياغة بدائل تنموية بين أوروبا وبلدان الجنوب تساعد على امتصاص آثار التحول الديموغرافي

غير أن توقعات المنظمة الدولية للهجرة تبين أنّ عدد النازحين في تزايد مطّرد، على إثر العنف في سوريا والعراق، فضلا عن إرتيريا وأفغانستان وليبيا والصومال ودول ساحل الصحراء.

وتَستقبلُ أوروبا سنويّا أكثر من مليون ونصف المليون مهاجر شرعي، بينما تُقدر الإحصاءات في الفصل الثالث من عام 2014، وُصول حوالي 128.725 مهاجر غير نظامي إلى أراضيها، فيما قد يصل عدد طالبي اللجوء السياسي إلى 700 ألف ( بزيادة 28 بالمئة)، حسب الإدارة العامّة للمفوضية الأوروبية المكلفة بالمعلومات الإحصائية.

وتقدّر أعداد المهاجرين غير النظاميين في عام 2014 لوحده بحوالي 276.113 في الأراضي الأوروبية (60 ألفا منهم وصلوا عن طريق البحر)، حيث حطم هذا العدد جميع الأرقام القياسية بزيادة تقدر 170 بالمئة بالقياس مع عام 2013، كما تشير أغلب التوقّعات بأنّ الرقم مرشح للارتفاع في عام 2015 بحوالي 200 بالمئة مقارنة بالعام 2014. لكن المأزق الحقيقي الّذي يؤرّق الرأي العام الأوروبي، هو الارتفاع الصّاروخي في عدد ضحايا قوارب الموت، حيث يُقدر عدد الغارقين بحوالي 21.439 مهاجر (1988- 2014)، حسب إحصائيات الصحفي الإيطالي غابرييل ديل غراند، فيما تذهب إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة إلى تقدير عدد الضحايا بين 2000 – 2014 بنحو 22 ألف مهاجر. كما أنّ إحصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تتحدث عن 3500 غريق. لكن الرقم الأكبر سُجّل في شهر أبريل من عام 2015، حيث بلغ عدد الضحايا 1700 ضحية، فضلا عن كون أنّ البحر الأبيض المتوسط عرف، مؤخرا، أكبر كارثة في السنوات الأخيرة، تمثّلت في غرق أكثر من 800 مهاجر في نهاية شهر أبريل الماضي.

وهو الأمر الّذي كشف عن مدى التخبط الكامن في سياسة الهجرة لدى الاتحاد الأوروبي، الذي يجابه معضلة استخدام الهجرة كشماعة للأزمة الاقتصادية، بينما أطلقت البحرية التجارية الدولية في عرض المتوسط نداء استغاثة لقادة الدول والحكومات أمام الصعود الصاروخي لأعداد ضحايا القوارب السرية، حيث ساهمت لوحدها في إنقاذ أكثر من 40 ألف شخص في عام 2014 من الغرق.

تجارة قوارب الموت

تشكل الأرقام المسجلة المتعلقة بالهجرة غير النظامية، حقيقة مرعبة تطرح معها تحديد المسؤوليات وكشف العلاقة الغامضة والملتبسة بصناعة تهريب البشر على مقصلة الرأسمالية الطفيلية من طرف شبكات الجريمة المنظمة، ممّا يطرح معه تساؤلات مفادها؛ كيف يتمّ تهريب البشر من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، ومن هي تلك الجماعات المافيوزية التي تتحكم في هذه التجارة المربحة؟ وكيف يتم تنظيمها؟ وما هي طبيعة الشبكات والطرق المختارة التي يتم استخدامها إضافة إلى حجم العائدات المالية من ذلك؟

بعض البلدان الأوروبية ترفض فتح أبوابها أمام اللاجئين وتمارس حمائية قانونية كبيرة تعترض استقبالهم مما يجعل من سياسات الهجرة رهانا سياسيا تعبث به الاحترازات و الاعتراضات

وتزداد هذه الحقيقة وضوحا، في الوقت الذي يريد فيه الاتحاد الأوروبي مهاجمة قوارب الموت والتصدي لها، بينما تفرض القوانين الدولية، وخاصة اتفاقية حفظ “سلامة الأرواح في البحار ، واتفاقية “البحث والإنقاذ”، إجراءات قانونية صارمة للنجدة لإنقاذ البشر وحرية الملاحة، وكما يقتضيه قانون البحار واتفاقية التنسيق بين الدول من خلال “مركز تنسيق عمليات الإنقاذ البحري”.

ويمنع قانون البحار الدولي إطلاق صفة “مهاجر السري” على هؤلاء الذين لم تطأ أقدامهم اليابسة، ففي البحر لا يمكن اعتبار أي إنسان في وضعية غير قانونية، لأنّ مفهوم الحدود البحرية غير موجود في القانون الدولي. كما أنّ البحر يعتبر فضاء مفتوحا، والعبور غير العدائي مسموح به، ويجب احترامه حتى في المياه الإقليمية، حيث لا يمكن مكافحة التهريب في المياه الإقليمية إلا بموجب أدلة دامغة ووقائع لا تقبل الردّ، ومن ثمة، استحالة تطبيق مقتضيات التدخل العسكري في البحر الأبيض المتوسط دون خرق للقانون الدولي.

ويقدر تقرير المنظمة الدولية للهجرة في عام 2011، عائدات تهريب البشر ما بين 3 و10 مليارات دولار سنويا، بينما تشير بعض المصادر الأخرى إلى أنّ عائداته الإجمالية تصل إلى 20 مليار دولار، مما يجعل من هذا التهريب ثاني عائد مالي بعد المخدرات في العالم، غير أنّ الأمور تزداد غموضا إذا اعتبرنا أنّ الجريمة المنظمة والتهريب في البشر يستخدمان نفس الطرقات والمسالك. لكن مع فارق وحيد، هو أنّ هؤلاء الذين يغرقون في عرض البحر، لا يبالي بهم أحد، لكن فقدان أو ضياع شحنة مخدرات تظل مشكلة كبرى للمهربين وأجهزة الدول، حيث أنه من سخرية الأقدار عدم وضع المهاجرين و المخدرات في ميزان واحد.

خلاصة القول، يبدو أنّ مشكلة الهجرة سوف تزداد أهميتها سياسيا في المستقبل القريب، لأنّ أوروبا لم تخض إلى حدّ الآن في المشاكل الحقيقية التي تحول دون استقرار بلدان الشرق الأوسط وجنوب المتوسط، كما أنّ الحل يكمن في صياغة بدائل تنموية مع بلدان الجنوب تساعد على امتصاص آثار التحول الديموغرافي الذي تعرفه المنطقة، ممّا يفرض هيكلة سياسية جديدة للهجرة تخلّصها من براثن الهجرة السريّة وتهريب البشر. إذ أنّ أي مقاربة أمنية في وجه الهجرة غير الشرعية، لن تنجح إذا لم تتبعها سياسة توسع من آفاق الهجرة الشرعية، لاسيما أنه من المرجح أن تفقد القارة العجوز 50 مليونا من سكانها بحسب التوقعات الديموغرافية، ونظرا لنسبة شيخوخة سكانها المتزايدة في مقتبل عام 2050.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6