الهجرة تداوي داء الشيخوخة في الدول المتقدمة

تتزايد التقارير الدولية التي تحذر من خطورة تنامي المشاعر المعادية للمهاجرين وارتفاع الجدران أمامهم في البلدان المتقدمة، التي تبدو بأمس الحاجة إليهم على المدى البعيد، وتحذر أيضا من تبعات ذلك على آفاق نمو الاقتصاد العالمي.
الأربعاء 2016/11/16
مهارات تحتاج إلى الاستغلال

لندن - أكد تقرير دولي أن تدفق المهاجرين من الدول الفقيرة والمضطربة يمثل أفضل علاج لأزمة الشيخوخة التي تعاني منها الدول المتقدمة، رغم التحديات الكثيرة المترتبة عن الهجرة غير المنظمة.

ودافع صندوق النقد الدولي عن الفوائد الاقتصادية للهجرة رغم أن الدول المستضيفة تبدي انزعاجها وقلقها من تدفق المهاجرين، وقال في تقرير له إن “الهجرة يمكن أن تؤدي إلى توتر اجتماعي وردود فعل معادية للمهاجرين، لكن التجارب تؤكد أنها تعزز النمو وتعالج أزمة الشيخوخة”.

وأضاف التقرير أن “زيادة المهاجرين بنسبة 1 بالمئة بين السكان البالغين في البلد المضيف تعزز الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2 بالمئة على المدى الطويل”.

ويؤكد الخبراء ضرورة تشجيع الاندماج السريع للمهاجرين الجدد من خلال تدابير قد تكون “مكلفة على المدى القصير” بالنسبة إلى البلد المضيف مثل مساعدات تعلم اللغة والتدريب المهني. ومع ذلك، يقرون بأن تدفق المهاجرين إلى أوروبا بمستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، يشكل تحديا بسبب التباين الثقافي ومخاطر الاستغلال السياسي.

إيريكا شولز:

من دون الهجرة سينخفض تعداد الجيل المقبل بنحو الثلث عن الجيل الحالي

ويشير تقرير الأمم المتحدة عن مؤشرات النمو السكاني لعام 2015 إلى أن معدلات الهجرة الداخلية والخارجية ارتفعت بشكل كبير في مناطق كثيرة لتصل معدلاتها إلى 2.8 مليون شخص سنويا بين عامي 2000 و2015.

ويقول كريم صالح، الباحث في المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، إن الدول المتقدمة استقبلت أعدادا كبيرة من المهاجرين، معظمهم من بلدان ذات دخل منخفض أو متوسط.

ورجح الصندوق أن تكون الهجرة عاملا رئيسيا في زيادة سكان الدول المتقدمة، وأن يفوق عدد المواليد عدد الوفيات فيها بنحو 20 مليونا بين عامي 2015 و2050 وأن يصل عدد المهاجرين فيها إلى 91 مليونا.

وأشار صالح إلى تزايد ظاهرة الشيخوخة السكانية، حيث يقدر عدد من تزيد أعمارهم على 60 عاما بنحو 901 مليون نسمة في عام 2015، يمثلون أكثر من 12 بالمئة من سكان العالم، وسوف يرتفع عددهم إلى 1.4 مليار نسمة بحلول 2030.

وأضاف أن أكبر نسبة من تلك الفئة العمرية تتركز حاليا في أوروبا وتبلغ 24 بالمئة من السكان. وسوف تصل إلى ربع السكان في جميع أنحاء العالم عدا أفريقيا بحلول عام 2050، حين يصل عددهم إلى 2.1 مليار نسمة.

ويحدد التقرير الدول التي سوف تستقبل المهاجرين بكثافة في تلك الفترة ويؤدي إلى زيادة سكانها وهي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وأستراليا وألمانيا وروسيا وإيطاليا. بينما ستكون الهند وبنغلاديش والصين وباكستان والمكسيك، أكثر الدول تصديرا للمهاجرين.

ويقول خبراء الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن “القارة المسنة” قد تتمكن من تفادي تفشي الشيخوخة في قطاع الأعمال بحلول 2020 بالاستفادة من المهاجرين الموجودين بالفعل.

لكن على المدى المتوسط والطويل سيحتاج الاتحاد الأوروبي إلى جذب عدد كبير من العمال المهرة من الخارج والتغلب على معارضة الرأي العام، التي تظهر في الصعود الواضح لأحزاب سياسية شعبوية مناهضة للمهاجرين.

جان كريستوف دومون:

إغلاق الأبواب في وجه المهاجرين سوف يكون له ثمن اقتصادي باهظ

وقال جان كريستوف دومون الخبير في شؤون المهاجرين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن “إغلاق الأبواب في وجه المهاجرين سيكون له ثمن اقتصادي باهظ”. وأضاف “تمكننا الاستفادة أكثر من المهاجرين الموجودين بالفعل وخلق توازن أفضل بين مهاراتهم واحتياجات السوق، لكن على المدى الطويل لن يقتصر الأمر على التوفيق بين المهارات بل سيتعلق بالأعداد”.

وتعتبر الديموغرافيا قنبلة موقوتة في ألمانيا، حيث تشيخ اليد العاملة فيها وتتراجع بسرعة، لأن معدل الخصوبة بها هو الأكثر انخفاضا في العالم ومتوسط العمر بين الأعلى عالميا.

ويعيش في ألمانيا اليوم نحو 50 مليون شخص في سن العمل أي بين 20 إلى 65 عاما، لكن النسبة ستنخفض إلى 36 مليون شخص بحلول عام 2060 بحسب توقعات المكتب الاتحادي للإحصاءات.

وحذر أرنو لوشوفالييه وهو أحد الباحثين في مركز “مارك بلوتش” في برلين من أن “انخفاض عدد اليد العاملة سيؤدي إلى تراجع نمو الاقتصاد الألماني على المدى الطويل”.

وأشارت إيريكا شولز الباحثة في معهد الأبحاث الاقتصادية الألماني (دي. آي. دبليو) إلى أن “نسبة الولادات في ألمانيا لا تتجاوز نسبة 1.4 طفل لكل امرأة منذ 40 عاما… ومن دون الهجرة لن يشكل الجيل المقبل سوى ثلثي الجيل الحالي”.

ورغم الفوائد الاقتصادية للهجرة على المدى البعيد، إلا أن المهاجرين غير مرحب بهم في الدول المتقدمة لاعتبارات سياسية، ففي الولايات المتحدة يريد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بناء جدار على الحدود مع المكسيك لوقف تدفق المهاجرين.

وكان لقضية الهجرة دور في ترجيح تصويت أغلب البريطانيين من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ويحاول زعماء اليمين المتطرف مثل مارين لوبن في فرنسا وخيرت فيلدرز في هولندا استقطاب أصوات الطبقة العاملة بمعارضتهم الشديدة لحرية تنقل العمال داخل الاتحاد الأوروبي.

10