الهجرة غير الشرعية.. إصرار مثير للشفقة

قسوة ظروف الحياة التي يعاني منها الشباب العربي في بلاده تدفع البعض منهم إلى الفرار من شاطئ الفقر الجنوبي بحثا عن الأحلام والحياة الكريمة المتوفرة على شاطئ الثراء في الجهة الأخرى من البحر المتوسط.
الجمعة 2016/08/05
يبقى الحلم حيا وإن ارتدى قناع الوهم

القاهرة - رغم الكوارث التي تحدث لضحايا الهجرة غير الشرعية التي يمكن أن تملأ صحفا بأكملها، بداية من تعرضهم للنصب، مرورا بالأهوال التي يواجهونها في رحلة البحث عن المجهول، تبقى فكرة الفرار ويبقى الحلم حيا ولو ارتدى قناع الوهم.

التقت “العرب” مع شاب مصري من الباحثين عن الوهم الموعود في أرض الأحلام الأوروبية، ليروي تفاصيل كاملة عن رحلته البحرية من مصر إلى إيطاليا، والتي كغيرها من الرحلات المشابهة لم تكتمل، ولم يجن منها الشاب سوى ضياع “تحويشة العمر” ومواجهة الأهوال مع زوجته وطفلهما.

في غرفة منخفضة عن سطح الأرض بنحو 4 أمتار داخل عقار بحي المقطم بالقاهرة، التقينا بسام الذي يعمل حارسا للعقار ويعيش مع زوجته وطفله، وهي غرفة لا تزيد مساحتها عن 12 مترا ويمكن الولوج إليها عبر منحدر ضيق في مدخل العقار.

بسام قال لـ”العرب” إنه عاد لتوه من رحلة هجرة غير شرعية فاشلة مثلت محاولته الثالثة للفرار والوصول إلى حياة آدمية يأمل في توفيرها لطفله بعيدا عن غرفته الرطبة المظلمة. ثمة سؤال وحيد يلمع في ظلام الغرفة الغارقة في الرطوبة والكآبة، عن سر إصراره على السفر غير الشرعي وتضييع مدخراته في مطاردة لأحلام مستحيلة، وهو ما أجاب عليه بسام بقوله “حاولت الهرب 3 مرات وفشلت، لكنني ذقت طعم الحياة الكريمة في أوروبا وطعم الموت، ووجدت أن مخاطر الرحلة تهون أمام الفوز بحياة جيدة”.

روى بسام بداية حلمه بالسفر كاشفا عن أن الهجرة كانت حلما لوالده وليس له شخصيا، حيث نشأ في قرية ريفية عرف شبابها سماسرة الهجرة غير الشرعية منذ زمن، فتفتح وعيه كشاب على 70 أسرة محظوظة نجح أبناؤها في الهرب إلى الكثير من دول الاتحاد الأوروبي.

وأضاف “هؤلاء المهاجرون نجحوا في الاستقرار بالخارج وباتوا يرسلون أموالا لعائلاتهم أدّت إلى تغيير أحوالها، فقامت ببناء بيوت خرسانية واشترت أراضي زراعية، وهكذا لم يعد أحد في القرية يلتفت إلى المئات ممن فشلوا في الهجرة وعادوا إلى القرية في توابيت خشبية”.

روما تؤكد أن أعداد المهاجرين غير الشرعيين القادمين من مصر زادت أخيرا بنسبة 104 بالمئة

أما بالنسبة إليه فقد توقف عن التعليم بعد نيله الشهادة الإعدادية، ما أضعف فرصته في الحصول على عمل مناسب، وهو ما شجع والده للاتفاق مع سمسار لتدبير عملية تهريبه إلى إيطاليا مقابل 50 ألف جنيه (حوالي 5650 دولارا) يحصل عليها بمجرد وصول بسام إلى إيطاليا.

بدأت الرحلة من ميناء الإسكندرية، لكن بمجرد أن تحرك المركب الشراعي الصغير نحو المياه حتى لمحتهم دورية لحرس الحدود المصري فأطلقت النار عليهم ليعود المركب إلى الميناء، وتم القبض على بعض ركابه فيما نجح هو في الفرار مع آخرين ليعود إلى قريته بخفي حنين.

فشل محاولته الأولى كافأه عليها والده بتزويجه وهو دون العشرين عاما، ودون أن يكون مستعدا ماديا ولا نفسيا للزواج ومن ثمّ تحمل أعبائه، بل حتى لم يكن يملك عملا مستقرا يستطيع منه تحمل نفقات الأسرة. وبعد عام من المحاولة الأولى كانت محاولته الثانية التي باءت بالفشل أيضا.

وبحسب تصريح لرئيس دائرة الاستخبارات والأمن الداخلي الإيطالي نشر قبل أيام فقد زادت أعداد المهاجرين غير الشرعيين الوافدين من مصر بنسبة 104 بالمئة خلال الأشهر الأخيرة.

وأضاف أمام اللجنة البرلمانية لأمن إيطاليا، أن الأمر يتعلق بمهاجرين لأسباب اقتصادية، أكثر من كونهم أشخاصا يحتاجون إلى طلب اللجوء السياسي بسبب الحرب.

وتعيد السلطات الإيطالية غالبية المصريين، في حين تمنح معظم السوريين والعراقيين حق اللجوء، نتيجة استقرار الأوضاع في مصر، واشتعال الحروب في البلدين الآخرين ما يبرر هروبهم من الموت.

السلطات الإيطالية تعيد غالبية المصريين، في حين تمنح معظم السوريين والعراقيين حق اللجوء، نتيجة استقرار الأوضاع في مصر

ورغم استقرار الأوضاع السياسية في مصر، إلا أن الآلاف من الشباب يحاولون الهرب إلى أوروبا سنويا عبر رحلات بحرية سريّة وغير آمنة، بحثا عن حياة أفضل وعدهم بها سماسرة التهريب.

اللافت أن بسام عقد العزم على محاولة الهجرة غير الشرعية مرة ثالثة غير مبال بما واجهه من أخطار وما جناه من فشل، وبعد أكثر من عامين نفذ محاولته الثالثة مصطحبا هذه المرة زوجته وطفله هيثم غير مبال بالأخطار التي قد يواجهونها.

هذا الإصرار المثير للشفقة برره بسام بقوله “عشت 10 أيام في إيطاليا في سكن نظيف وذقت طعم الحياة الكريمة والرعاية، لهذا قررت أن أحاول مرة ثالثة أملا في توفير تلك الحياة لطفلي”.

وخلال رحلاته الثلاث الفاشلة عرف بسام قصصا بالغة الغرابة عن زملاء في الحلم، منها قصة شاب من محافظة الغربية بشمال القاهرة، غامر بحياته للهرب إلى إيطاليا قصد العمل بها وتوفير ثمن العلاج وإرساله لأخيه الذي يعاني من ضمور في خلايا المخ، ويحتاج إلى علاج باهظ الثمن يتم استيراده من ألمانيا.

المفارقة التي لا نعلم إن كانت تبعث على الضحك أم البكاء هي أن زوجة بسام التي رأت الموت بعينيها وظلت تبكي طوال الرحلة تؤكد ببساطة لـ”العرب” أنها لن تتردد في تكرار المحاولة من جديد إذا قرر زوجها ذلك. وأكدت أن ذلك سيحدث قريبا، خاصة أن وظيفة بسام في حراسة العقار التي حصل عليها بمساعدة خاله لم توفر له الحد الأدنى من المعيشة. لهذا لم يتردد بسام في الاعتراف بأنه سيكرر محاولته مجددا. مضيفا “إذا جاءتني فرصة أخرى للهرب سأفعل، فالكثير من أبناء قريتي حاولوا 5 و10 مرات حتى نجحوا وانتهى بهم الحال إلى العيش في أوروبا”.

لكن هناك الكثيرين قد لقوا حتفهم غرقا وهو ما لا ينكره بسام قائلا “الكثير من أهل قريتي ماتوا، لكن مع ذلك سأحاول مجددا فإما أنجح وأعيش حياة كريمة تشعرني بآدميتي، وإما أموت وأستريح من الحياة التي تشبه الموت في كل تفاصيلها”.

21