الهجرة غير الشرعية.. التجارة بأوهام الضفة الأخرى

شاركت العديد من وكالات الأنباء الدولية من بينها وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) على مدار الأشهر الماضية في مشروع استقصائي حول جرائم تهريب البشر على مستوى العالم. ويحمل المشروع عنوان “تسليط الضوء العالمي”، ويهدف إلى توجيه الاهتمام إلى صناعة الهجرة غير الشرعية التي تقوم على المعاناة الإنسانية قبل أي شيء آخر.
الجمعة 2017/06/16
مقامرة على الحياة

برلين - ذات مساء أحد الأيام من عام 2014 غادر المواطن السوري علي منزله بمدينة حلب في شمال سوريا برفقه ثمانية من أفراد أسرته على أمل الهروب من الحرب الدائرة في البلاد.

بعد رحلة استغرقت 15 ساعة التقى بالقرب من الحدود مع تركيا بمجموعة من المهرّبين طلبوا من كل منهم دفع ألف ليرة سورية (4.2 يورو) لمساعدتهم على عبور الحدود.

دفع أفراد أسرة علي المال المطلوب وانضموا إلى مجموعة أخرى قوامها عشرة أفراد يقودها المهرّب، ضمن قصة تكررت وستبقى تتكرر، حيث تتدفق موجات من البشر المحبطين اليائسين عبر الحدود الدولية كل عام.

ووفقا لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة، فإن حصيلة عصابات تهريب البشر والهجرة غير الشرعية في العالم تصل إلى 10 مليارات دولار سنويا، فيما يقول فرانك لاكتسكو، مدير مركز تحليل بيانات الهجرة العالمية التابع للمنظمة الدولية للهجرة في برلين، إن الحصيلة “قد تكون أكثر من ذلك”.

وبحسب مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة، فإن حوالي ألفي شخص لقوا حتفهم أو اختفوا أثناء الهجرة منذ بداية العام الحالي. وشهد البحر المتوسط الذي يربط بين القارة الأفريقية وأوروبا سقوط أكثر 1300 من هؤلاء الضحايا، وهو الطريق الأخطر والأكثر دموية للمهاجرين في العالم.

اقتفاء أثر أموال التهريب يقود إلى الإرهابيين
ميكو جوستافسون

هلسنكي-يكشف اقتفاء أثر الأموال المرتبطة بتهريب الآلاف من الأشخاص خارج العراق ارتباطها على نحو متزايد بالجماعات الإرهابية.

ووفرت سنوات الحرب وعدم الاستقرار أرضا خصبة لمهربي البشر الذين يتوق زبائنهم إلى مغادرة بلادهم يأسا من بنيته التحتية المدمرة، علاوة على نقص فرص العمل وعمليات الابتزاز وضعف المؤسسات السياسية.

وعلى الرغم من تشديد الرقابة على الحدود بين العراق وأوروبا بمساعدة تركيا، وزيادة المقابل المادي الذي يتقاضاه المهربون، لا يزال حماس العديد من العراقيين متقدا للخروج من وطنهم الذي مزّقته الحرب.

وعلى مر الأعوام، أصبحت تجارة تهريب العراقيين أكثر احترافية، حيث ينتهي الحال بالمال الذي يتقاضونه من الناس المتلهفة للفرار من بلدانها إلى أيدي مجموعات الجريمة المنظمة والخطيرة.

ويقول حسين الطائي، متخصص عراقي في منظمة مبادرة إدارة الأزمات، إن “مجموعات الجريمة الكبيرة والمنظمات الإرهابية لديها بالفعل قدرات على التهريب، حيث يتم ضخ أموال التهريب إليها”.

ويرى جاري ليوكو، رئيس المركز الأوروبي لمكافحة الجريمة المنظمة، أن “المنظمات التي تتعامل في التهريب تتعامل أيضا في تهريب المخدرات وتزوير المنتجات والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة”.

ففي فنلندا العام الماضي، حكم على 11 شخصا على صلة بعصابة كبيرة لتهريب البشر نقلت سرّا أشخاصا من العراق إلى السويد. واكتُشفت العصابة بعد أن غادر قائدها أحمد الشماع السويد من أجل إعطاء تعليمات لشركائه في الجريمة في فنلندا.

ووفقا لمسؤولين، فإن الشماع كان يسيطر على كل شيء في منظمته التي تمتد لتصل إلى العراق، بدءا من شراء الوثائق في السويد وترتيبات السفر في النمسا وتجنيد المرشحين المناسبين في الموصل، فضلا عن المرافقين وأماكن الإقامة على طول الطريق من العراق إلى شمال أوروبا.

اليأس ينعش الهجرة غير الشرعية

غالبا ما يكون عملاء المهرّبين أشخاصا يهربون من شيء ما، مثل الحرب في سوريا أو القمع السياسي والاعتقال الجزافي في إيران أو الاضطهاد الديني في ميانمار وأفغانستان أو في أغلب الأحوال بسبب صعوبات الحياة في الدول الفقيرة.

وبمساعدة المهرّبين، يخوض المهاجرون رحلات بالغة الخطورة ومميتة تتراوح تكلفتها بين مئات وعدة آلاف من الدولارات. وتتوقف تكلفة الرحلة على المسافة والطريق والحاجة إلى وجود مهرب آخر لاستقبال المهاجرين في دول العبور والمقصد، كما يتم وضع مواصفات المهاجر في الاعتبار.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الأسعار وصلت إلى تسعة آلاف دولار (8000 يورو) بالنسبة إلى الأسرة المكونة من أربعة أفراد والمسافرة من العراق إلى اليونان.

وقبل عام 2014 كانت الرحلات من شمال أفريقيا إلى إيطاليا تشمل أسعارا نمطية تتغيّر وفقا لجنسية المهاجر والخدمة التي يستطيع دفع ثمنها. ومنذ تطور الصراع في سوريا، أصبح اللاجئون السوريون يدفعون أسعارا أعلى من الأفارقة القادمين من منطقة جنوب الصحراء الأفريقية، وبلغ متوسط السعر 20 ألف دولار (18 ألف يورو)، بدلا من السعر التقليدي الذي كان يبلغ ستة آلاف دولار (3500 يورو).

وبينما يساعد السعر المرتفع الذي يدفعه السوريون على ضمان أماكن لهم على سطح المركب وسترة نجاه، إلا أنهم لا يزالون يواجهون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر المتوسط.

المهربون.. كل حسب مهمته

يقول المحققون إن المهرّبين يمثلون عادة جزءا من شبكات دولية محدودة التنظيم تعمل على نطاق جغرافي بالغ الاتساع، مع وجود لاعبين مسؤولين عن كل جزء من عملية التهريب. وتضم شبكة التهريب كشّافين يتولون استقطاب العملاء ومزوّرين يتولون مسؤولية تزوير جوازات السفر وشهادات الميلاد. وهناك أيضا الحراس الذين يتولون حراسة وتأمين مجموعات المهاجرين أثناء مراحل الرحلة. وهناك السائقون والمرشدون الذين يقودون المهاجرين عبر الحدود. وهناك أيضا ضباط حرس الحدود الفاسدون الذين يحصلون على جزء من الأرباح مقابل السماح للمهاجرين بعبور الحدود.

ولكن مثل أي صناعة مزدهرة، فإن تجارة التهريب تنمو وتحقق أرباحا كبيرة، لكن هذه الأرباح تكون على حساب معاناة المهاجرين. ويشير مراقبون إلى تصاعد وتيرة العنف والقمع الذي يمارسه المهربون ضد المهاجرين غير الشرعيين.

ففي وقت سابق من العام الحالي ذكر برنامج الأمم المتحدة للطفولة “يونسيف” أن النساء والأطفال الذين يفرون من مناطق الصراع والفقر في أفريقيا يتعرضون للضرب والاغتصاب والتجويع في مراكز الاحتجاز غير الرسمية في ليبيا، والتي تديرها ميليشيات مسلحة تشارك في تجارة التهريب.

وفي طرق التهريب الرئيسية يتم سداد مقابل التهريب باستخدام النظام المعروف باسم “الحوالة”، وهي طريقة غير رسمية لتحويل الأموال تعتمد على الضمان الشفهي وتقوم بها شبكة كبيرة من الوسطاء المتواجدين بشكل أساسي في مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي.

والحقيقة أن هذه الطريقة تؤدي إلى تحويل الأموال دون نقلها فعليا من مكان إلى آخر، كما أنها لا تتضمن أي وثائق ولا أوراق يمكن لسلطات إنفاذ القانون تعقبها. وفي الوقت نفسه، فإنه يتم أيضا استخدام أساليب الدفع النقدي لسداد مستحقات المهرّبين، حيث تشير اليوروبول وغيرها من المؤسسات المعنية إلى الحجم الضخم للتعاملات النقدية العابرة للحدود. ويتم إعادة ضخ أموال المهربين إلى الاقتصاد الرسمي من خلال أنظمة تبييض الأموال مثل الاستثمار العقاري.

ويعاني المحققون في جرائم تهريب البشر من عدم تعاون المهاجرين معهم، حيث يرفضون تقديم أي معلومات عن الأشخاص الذين دفعوا لهم الأموال مقابل تهريبهم حتى عندما يتعرضون للاستغلال أثناء رحلاتهم، وذلك لأنهم قد يحتاجون إلى المهربين مرة أخرى، إذا ما أرادوا استقدام أقاربهم إلى دولة المهجر فيما بعد.

سياسة تدعم الهجرة

قامت الكثير من الدول التي تواجه تدفق المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين إليها والذين يصلون بمساعدة أو دون مساعدة من المهربين بإعادة هيكلة جهودها لتأمين حدودها. لكن الخبراء يحذرون صنّاع السياسة في الدول التي يتدفق عليها المهاجرون بأن هذا التعامل لا يؤدي في الواقع إلا إلى زيادة حركة التهريب، وليس كبحها. فكلما زادت صعوبة وصول الراغبين في الهجرة إلى البلاد التي يريدون السفر إليها زادت حاجتهم إلى الاستعانة بالمهرّبين للوصول إلى هدفهم.

المجتمع الدولي يدير بطريقة سيئة حالات الرحيل الجماعي للناس في ظل عالم يعاني من الصراعات والقمع

ويعدّ سليل شيتي، أمين عام منظمة العفو الدولية، من أشد المنتقدين للنهج المتشدد الذي اتخذته دول مثل أستراليا ضد المهاجرين، حيث استخدمت قواتها البحرية لإجبار قوارب التهريب على العودة إلى البحر وإرسال من يتم القبض عليهم إلى مراكز اعتقال في دول أخرى.

ويقول شيتي إن دولا عديدة تسعى إلى محاكاة الطريقة الأسترالية التي لا تنتهك فقط القوانين الدولية ومعاهدات حقوق الإنسان واللاجئين وإنما تغذي صناعة تهريب البشر التي تقول إنها تحاربها. وأضاف “بغض النظر عن ارتفاع الجدران الحدودية أو تسليح قوات حرس الحدود، فإن الناس الذين ليس لديهم ما يخسرونه سيجدون طريقا للهروب من واقعهم المزري حتى لو كان هذا يعني المغامرة بحياتهم في رحلات خطيرة”.

ما هو الحل

في مايو الماضي أصدر فيليبو جراندي، المفوض السامي للأمم المتحدة، بيانا صحافيا تضمن بعض الإحصائيات المثيرة. فخلال يومين فقط وهما 6 و7 مايو الماضي عبر المتوسط أكثر من 6 آلاف شخص للوصول إلى إيطاليا، مات منهم حوالي 70 شخصا.

كان جراندي قد انتقد في وقت سابق الجهود الحكومية لغلق الطرق أمام المهاجرين. وقال إن غلق الحدود ليس حلا لمشكلة إنسانية. ويقول بعض المراقبين الآن “إن ما حدث في المتوسط خلال هذين اليومين يؤكد وجهة نظر جراندي”.

خلال هذين اليومين عبر الآلاف من الأشخاص المتوسط من أفريقيا إلى أوروبا رغم العملية البحرية التي ينفذها الاتحاد الأوروبي لوقف تهريب البشر والمعروفة باسم صوفيا، والتي تم إطلاقها لمحاربة تهريب البشر في البحر المتوسط ووقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا.

وفي فبراير الماضي، قال قائد العملية مانليو سكوبيجنو، إن مهمة قواته هي تحديد وضبط السفن غير القانونية التي تحمل مهربين غير شرعيين “وليس إنقاذ الأرواح في البحر”. لكن الحقيقة هي أن عملية صوفيا حققت نجاحا في إنقاذ الأرواح أكثر مما حققته في وقف التهريب.

الحجم الحقيقي للخسائر البشرية لتجارة تهريب البشر أكبر بكثير من الأرقام المعلن عنها، وتشديد الرقابة على الحدود يعني المزيد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى من يسهل لهم طريق التسلل، حيث يؤكد ديميتريوس باباديميتريو من معهد سياسات الهجرة في واشنطن إن صناعة التهريب تزدهر نتيجة زيادة الطلب عليها نتيجة تشديد سياسات تأمين الحدود

ومنذ إطلاق العملية قبل أكثر من عام ونصف العام، تم ضبط 101 مهرب والسيطرة على 387 قارب تهريب وإنقاذ أكثر من 33 ألف مهاجر من الغرق في البحر. لكن سكوبيجنو لديه رقم أكثر إثارة وهو أن التقديرات تشير إلى أن الـ33 ألف مهاجر الذين تم إنقاذهم ليسوا إلا 13 بالمئة تقريبا من إجمالي عدد الأشخاص الذين حاولوا الهجرة عبر المتوسط خلال الفترة نفسها.

الخطوة التالية إلى أين

هناك اتفاق عام بين خبراء الهجرة على أن المجتمع الدولي يخطط ويدير بطريقة سيئة حالات الرحيل الجماعي للناس في ظل عالم يعاني من الصراعات الطويلة والمتكررة والقمع بكل أشكاله والتفاوت الاقتصادي الكبير.

ويبدو أن الزعماء الوطنيين في العالم يتفقون مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على تبني اتفاق عالمي جديد لحماية حقوق اللاجئين والمهاجرين وإنقاذ أرواحهم وتقاسم المسؤولية عن التحركات الكبيرة للبشر ومحاولة إنهاء هذا الانتظار الطويل للكثيرين من المهاجرين لإعادة التوطين.

ومن المقرر أن تبدأ المفاوضات من أجل التوصل إلى هذا الاتفاق في أوائل 2018، حيث يقول لاكتسكو المسؤول في المنظمة الدولية للهجرة، إن المفاوضات ستكون “مناقشة شاقة. لكن على الأقل المهم أن تبدأ مثل هذه المناقشة”.

وشدد جراندي، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على ضرورة اتفاق العالم على حل مشترك للمشكلة المشتركة.

وقال جراندي إنه “لا يمكن لحكومة واحدة التعامل لوحدها مع الموجات واسعة النطاق للاجئين. التعاون الدولي هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى حل”.

6