الهجرة غير الشرعية نشاط "محرم" يقوم على المعاناة الإنسانية

الخميس 2017/06/15
رحلات مميتة للوصول إلى برّ الأمان

برلين ـ موجات من البشر المحبطين اليائسين تتدفق عبر الحدود الدولية كل عام، ليجني من ورائهم المهربون مليارات الدولارات من صناعة الهجرة غير الشرعية التي تقوم على المعاناة الإنسانية قبل أي شيء آخر.

والطبيعة السرية لهذه التجارة المظلمة والمميتة تعني أن الخبراء لا يستطيعون سوى تقديم تقديرات متحفظة للأرباح التي توفرها هذه التجارة للمجرمين المتورطين فيها.

ووفقا لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة فإن حصيلة عصابات تهريب البشر والهجرة غير الشرعية في العالم تصل إلى 10 مليارات دولار سنويا.

ويقول "فرانك لاكتسكو" مدير مركز تحليل بيانات الهجرة العالمية التابع للمنظمة الدولية للهجرة في برلين إن الحصيلة "قد تكون أكثر من ذلك".

ويعد لاكتسكو رائدا عالميا في مجال البحث عما لا يعرفه العالم حتى الان، مثل: ما هو عدد المتورطين في عمليات تهريب البشر؟ وما هو عدد الذين يتم تهريبهم سنويا؟ وكم عدد المهاجرين الذين يلقون حتفهم خلال رحلة الهجرة غير الشرعية؟

ورغم أن المنظمة الدولية للهجرة توثق وفاة عدة آلاف من المهاجرين غير الشرعيين أثناء الهجرة سنويا، فإن الاعتقاد الشائع هو أن هذا الرقم مجرد جزء صغير من الحجم الحقيقي للضحايا.

عملاء المهربين، غالبا ما يكونوا أشخاصا يهربون من شيء ما، مثل الحرب في سوريا، أو القمع السياسي والاعتقال الجزافي في إيران، أوالاضطهاد الديني في ميانمار وأفغانستان، أو في أغلب الأحوال بسبب صعوبات الحياة في الدول الفقيرة.

وبمساعدة المهربين، يخوض المهاجرون رحلات بالغة الخطورة ومميتة في أغلب الأحوال و تتراوح تكلفتها بين مئات وعدة آلاف من الدولارات.

يفر المهاجرون الأفارقة من العنف والجوع، حيث يعبرون الصحراء الكبرى سيرا على الأقدام وصولا إلى دولة ليبيا التى تعانى من غياب القانون، وهناك ينتظرون عبور البحر المتوسط بقوارب متهالكة تحمل الآلاف منهم، بعدما كانت قد حملت آلاف آخرين ليلقوا حتفهم.

أما طالبي اللجوء القادمين من سوريا التي تعاني حربا أهلية ضارية، فيقدمون أموالهم إلى المهربين الذين ينقلونهم إلى الحدود التركية، رغم وجود احتمالات قوية لوقوعهم في قبضة الشرطة، وربما يتعرضون للقتل بنيران حرس الحدود التركي الذي أصبح أكثر عنفا مع المهاجرين غير الشرعيين.

وهناك مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا الذين فروا بالفعل من العنف والاضطهاد الديني في ميانمار، ينتظرون في معسكرات إيواء بائسة في بنجلاديش، الفرصة التالية لكي يدفعوا المال للمهربين لنقلهم إلى الهند أو نيبال أو باكستان.

اما مواطنو أميركا الوسطى المصرون على الفرار من العنف والفقر في بلادهم، فمازالوا يدفعون المال للمهربين من أجل نقلهم من المكسيك إلى الولايات المتحدة، وإن كانت وتيرة التهريب تراجعت بعد الحملة القوية التي نفذتها قوات حرس الحدود الأمريكية ضد عصابات التهريب.

شبكات دولية للتهريب

يقول المحققون إن المهربين يمثلون عادة جزءا من شبكات دولية محدودة التنظيم، والتي تعمل على نطاق جغرافي بالغ الاتساع، مع وجود لاعبين مسؤولين عن كل جزء من عملية التهريب.

وتضم شبكة التهريب كشافين يتولون استقطاب العملاء ومزورين يتولون مسؤولية تزوير جوازات السفر وشهادات الميلاد. وهناك أيضا الحراس الذين يتولون حراسة وتأمين مجموعات المهاجرين أثناء مراحل الرحلة، وهناك السائقون والمرشدون الذين يقودون المهاجرين عبر الحدود. وهناك أيضا ضباط حرس الحدود الفاسدون الذين يحصلون على جزء من الأرباح مقابل السماح للمهاجرين بعبور الحدود.

ولكن مثل أي صناعة مزدهرة، فإن تجارة التهريب، تنمو وتحقق أرباحا كبيرة، وهناك أدلة تشير إلى تنامي دور عصابات الجريمة الدولية المنظمة في بعض المناطق بما في ذلك المكسيك والولايات المتحدة.

ويقول مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة إن هذه العصابات التي كانت تعمل في وقت من الأوقات على طرق محددة أو في مناطق محددة فقط، تتوسع حاليا في أسواق جديدة.

ويقول المكتب في تقرير إن بعض العصابات "اندمجت أو أقامت علاقات تعاون فيما بينها ووسعت نطاق عملها الجغرافي، وكذلك مجال عملها الإجرامي. وبالنسبة لبعض المجموعات الإجرامية، فإن المهاجرين يعتبرون ببساطة واحدة من عدة سلع يتم تهريبها إلى جانب المخدرات والأسلحة النارية على سبيل المثال".

رحلات بالغة الخطورة

ويشير المراقبون أيضا إلى تصاعد وتيرة العنف والقمع الذي يمارسه المهربون ضد المهاجرين غير الشرعيين.

ففي وقت سابق من العام الحالي ذكر برنامج الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) أن النساء والأطفال الذين يفرون من مناطق الصراع والفقر في إفريقيا، يتعرضون للضرب والاغتصاب والتجويع في مراكز الاحتجاز غير الرسمية في ليبيا، والتي تديرها مليشيات مسلحة تشارك في تجارة التهريب.

وذكر "يونسيف" أن هذه المراكز كانت في الأصل سجون، حيث يتم فيها احتجاز الضحايا لطلب الحصول على فدية مقابل الإفراج عنهم، أو إجبارهم على العمل في الدعارة وغيرها من الأعمال غير القانونية، كما يتم حقن الفتيات الصغيرات بجرعات منع الحمل قسرا حتى لا يحملن نتيجة الاغتصاب أو العمل في الدعارة.

الهجرة الجماعية

تقول مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، إن الحروب والاضطهاد تدفع المزيد من البشر إلى الهجرة من بلادهم في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى منذ بدء تسجيل بيانات الهجرة واللجوء. وفي أحدث تقاريرها، والذي صدر العام الماضي، قالت المفوضية إن هناك 65.3 مليون إنسان اضطروا إلى ترك منازلهم في العالم بنهاية 2015 مقابل 59.5

مليون مهجر في العام السابق.

وتوجد النسبة الأكبر من هؤلاء المهجرين أي حوالي 41 مليون شخص داخل بلادهم، لكن العدد الباقي غادر البلاد. في الوقت نفسه فإن البيانات منقوصة ومبعثرة للغاية، بحيث لا تكفي لتقديم صورة دقيقة لعدد البشر الذين يتم تهريبهم عبر الحدود الدولية كل عام.

لكن المنظمة الدولية للهجرة، تقول إن هناك دليلا على أن المهربين يسهلون حركة "أعداد ضخمة" من البشر. على سبيل المثال تقدر منظمة الشرطة الأوروبية (يوروبول) إن حوالي 90% من المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا بطريقة غير شرعية يعتمدون على مساعدة من المهربين.

وتقول الأرقام الخاصة بالمهاجرين الصينيين إلى كندا نفس النتيجة تقريبا. كما أن حوالي 80% من حوالي 3 ملايين شخص يعيشون بطريقة غير قانونية في كل من ماليزيا وتايلاند دفعوا أموالا لمهربين أو مجرمين آخرين من أجل تهريبهم إلى هناك.

1