الهجرة مأساة إنسانية تلهم الأدباء والفنانين

حالة التحدي التي يواجهها الشباب المهاجر للتأكيد على الهوية والانتماء قضية قاربتها الآداب والفنون بجرأة كبيرة وكشفت جل جوانبها وخفاياها.
الخميس 2020/12/03
أفلام صورت رحلة الموت والأحلام المتلاشية

باريس- نُصدم دائما بالكوارث الناجمة عن الهجرة غير الشرعية، وغرق القوارب وضياع أحلام الشباب وحياتهم، أثناء محاولاتهم الخروج من بلدانهم والبحث عن أحلامهم على ظهور قوارب الموت.

أما من يتمكن من النجاة ويصل منهم إلى أوروبا، فيبدأ رحلة أخرى من الهروب، وإذا ما سويت وضعيته القانونية يعيش مشكلة الهوية، في جانبها الثقافي والاجتماعي حيث يشعر الكثير منهم بضياع هويته الثقافية والاجتماعية بحكم تغير اللغة والعادات بالإضافة إلى مؤسسات الصهر الاجتماعي، وهو ما ينتج عنه حالة من التحدي للتأكيد على الهوية والانتماء ومحاولة للتوائم مع الثقافة الجديدة.

هذه القضية قاربتها الآداب والفنون بجرأة كبيرة، وكشفت جل جوانبها وخفاياها. فنذكر مثلا من الكتب التي تطرقت لثيمة الهجرة رواية “العار من الضفتين” لعزت القمحاوي، التي تتناول قضية الهجرة غير الشرعية من خلال قصة شاب يبحث عن ابن أخته الذي ركب واحدا من المراكب التي تحمل الشباب المصري إلى إيطاليا.

الأدباء والتشكيليون والسينمائيون يحاولون جعل أعمالهم وثائق تخلد الهجرة لكي لا ينسى من كانوا يطمحون لحياة أفضل

ونجد كذلك كتاب “عالم واحد.. قلب واحد” لأسماء عايد، وهو مجموعة من المقالات تكشف العديد من الحقائق عن الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا “بداية من عصابات التسفير وسماسرة الموت وانتهاء بواقع المعيشة داخل إيطاليا”.

لكن يبقى من أهم الآثار الأدبية ما يدونه المهاجرون السريون بأنفسهم، مثل كتاب “شمسُنا – بواسطة شواطئ المغرب العربي” للكاتب الغيني فران كوروما، والذي يصور فيه رحلة العذاب إلى الضفة الأخرى، ويتناول فيه الويلات التي عاشها وهو يحاول الهجرة بشكل غير قانوني إلى أوروبا. وكان الفتى لم يتجاوز سن العشرين بعد عندما قرر ترك كل شيء خلفه والسعي إلى “مستقبل أفضل” قد يكون على الأرض الأوروبية.

وبدأ كوروما يدون المعلومات بشكل يومي على شاشة هاتفه النقال عندما كان موجودا في مركز لطالبي اللجوء في العاصمة البلجيكية بروكسل. وقال المؤلف إنه وجد متعة في الكتابة عن واقعه المعيش منذ عبوره الشاقّ للبحر.

ومع أن كتابات كوروما كنت ترمي في البداية إلى التسلي والتعبير عن همومه ومعاناته، إلا أنها ما لبثت أن بلغت 800 صفحة، وعندما اطلع عليها أقرباؤه تأثروا بها وطلبوا منه نشرها. فقرر الشاب نشر قصته ليعلم الأوروبيون مدى قسوة الجحيم الذي يعيشه المهاجرون خلال رحلتهم إلى الضفة الأخرى.

وقال كوروما بهذا الخصوص “أرغب في سرد حكايتي ليعرف الجميع ما يحدث خلال عبور البحر. بالنسبة إلى غالبية الذين يصادفوننا نحن المهاجرين، فإننا عديمو القيمة والأهمية. لا نلج إلى أي شيء، وجميع الأبواب موصدة أمامنا”.

فران كوروما يأمل أن تكون قصة "شمسُنا – بواسطة شواطئ المغرب العربي" مفيدة للأفارقة الذين يحاولون عبور البحر إلى أوروبا
فران كوروما يأمل أن تكون قصة "شمسُنا – بواسطة شواطئ المغرب العربي" مفيدة للأفارقة الذين يحاولون عبور البحر إلى أوروبا

ويأمل الكاتب أن تكون قصته مفيدة للأفارقة الذين يحاولون عبور البحر إلى أوروبا، إذ يظن الكثيرون أن الأمر سهل وأنه يكفي للمرء أن يركب على متن زورق ليصل إلى “الفردوس الأوروبي”.

ويعج الكتاب بقصص العنف والتعذيب والتفتيش غير الإنساني والاغتصاب والاستعباد وخرق الحقوق البشرية، إذ يقول المؤلف إنه كان يعتقد أن البشر لم يعودوا قادرين على ممارسة مثل هذا النوع من العنف في ما بينهم في القرن الواحد والعشرين. وقد استغرق كوروما تسعة أشهر للوصول إلى إيطاليا انطلاقا من غينيا، ثم ستة أشهر أخرى لبلوغ بروكسل، مع ما بين المحطتين من جحيم.

ومع أن الكاتب يحكي قصته، إلا أنه يروي أيضا قصة المهاجرين السريين الذين صادفهم على طريقه ولم يتمكن الكثير منهم من الوصول إلى “الأرض الموعودة”. وهو يعدّ “شمسنا” وثيقة كي لا يُنسى أولئك الذين كانوا يطمحون لحياة أفضل وماتوا أثناء العبور.

وأخيرا أطلقت المخرجة والروائية وكاتبة السيناريو الفرنسية فيرجيني براك مسلسلا بعنوان “شاين ولولا”، يتناول مأساة المهاجرين من خلال حياة امرأتين قويتين وهشتين في الوقت نفسه.

وتقول براك إنها رغبت -في بداية الأمر- في الحديث عن النساء، لأنها كانت تعتقد أنهن قابعات في أسفل السلّم، لكنها اكتشفت أن هناك من هم تحته في الترتيب، ألا وهم المهاجرون.

وهكذا قررت المخرجة المضي قدما في مشروعها، فاختارت أن تكون إحدى بطلتيه ذات شعر قصير وجسم مضطرب، تعمل في تنظيف القطارات؛ أما الثانية فهي امرأة تقدم على قتل زوجة صديقها عن طريق الخطأ. ومع الفروقات بين المرأتين، إلا أنهما ربطتا صداقة قوية وعملتا معا في تهريب المهاجرين.

ويُبث المسلسل الذي يتضمن ثماني حلقات على المنصات الإلكترونية. وتحيل طريقة إخراجه إلى المسلسلات الأميركية، فهي تظهر جماليات الطبيعة في الشمال الفرنسي وتعج بالإيحاءات المضحكة أحيانا والمأساوية أحايين أخرى.

ولم تتأخر الأفلام التي تناولت العشرات منها قضايا الهجرة مثل الفيلم الوثائقي الدرامي Fire at sea  الذي يسرد قصة مركب يقل نساء وأطفالا في عرض البحر، وقد عصفت الأمواج به بينما يحاولون الاتصال بالسلطات ولا أحد يغيثهم.

كذلك نجد فيلم “la pirogue” وفيه يتحول صياد سمك إلى قائد لزورق، دون خبرة سابقة، يحمل 30 رجلا في طريقهم لإسبانيا، في رحلة مثيرة وخطيرة.

يبقى من أهم الآثار الأدبية ما يدونه المهاجرون السريون بأنفسهم، مثل كتاب “شمسُنا – بواسطة شواطئ المغرب العربي” للكاتب الغيني فران كوروما

أما فيلم “أوديسي العراقية” فيسرد اللاجئ قصته بنفسه، جمع المخرج العراقي السويسري سمير جمال الدين حكايات عائلته، ليضمها في فيلم وثائقي ذاتي، تحكي فيه عائلته ملحمة خروجها من بغداد، ملحمة تحاكي في صعوبتها رحلة أوديسيوس في سبيل العودة إلى بنلوب.

وللفنون التشكيلية كذلك نصيبها من تناول هذه القضية الراهنة، ففي الوقت الذي ارتفعت فيه حدة الهجرة غير الشرعية من الجنوب نحو الشمال إلى درجة باتت قضية عالمية، اقتنص الفنان التشكيلي الجزائري عامر هاشمي تلك الظاهرة العالمية ليترجم جوانبها المحزنة في لوحات تشكيلية، قدمها سابقا في معرض بعنوان “غرقى في البحر المتوسط”.

ولنفهم راهنية القضية فقد تأسس في فرنسا “متحف الهجرة” في فترة الرئيس فرنسوا هولاند وبات من أهم المعالم الفنية والثقافية، يقدم فيه المهاجرون واللاجئون أعمالهم التي تلقى إقبالا هاما.

15