الهجوم على البنك المركزي يؤكد إفلاس أردوغان

أردوغان يعتقد أنه كلما ارتفعت أسعار الفائدة ارتفع التضخم وهو منطق يتعارض مع القواعد الاقتصادية.
السبت 2019/07/13
الوحش قد يفترسه

يبدو أن الدرس الوحيد الذي تعلمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من هزيمة حزبه في انتخابات إسطنبول البلدية الشهر الماضي، هو تشديد قبضته على الاقتصاد، وهذا يعني أنه لم يفهم الدرس.

وتظهر استطلاعات الرأي التي أجراها حزب العدالة والتنمية الحاكم، أن بعض مؤيدي الحزب أداروا ظهورهم له بسبب المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها تركيا.

ولذا اعتقد أردوغان أن الإجراءات التي تم اتخاذها منذ انهيار الليرة في أغسطس الماضي، وخاصة رفع أسعار الفائدة إلى 24 بالمئة، هي التي تسببت في خسارة فادحة في حجم التأييد الشعبي.

وفي عالمه المخالف للمنطق، يعتقد أردوغان أنه كلّما ارتفعت أسعار الفائدة، ارتفع التضخم، رغم أن قرار البنك المركزي، هو الوسيلة الوحيدة لوقف نزيف الهبوط وكبح التضخم، الذي بلغ مستويات مرتفعة للغاية.

وبعد خسارة انتخابات إسطنبول المُعادة، قال الرئيس التركي إنه سيظل يركز على الاقتصاد حتى الانتخابات القادمة في عام 2023. وكان حزبه قد خسر أيضا العاصمة أنقرة في انتخابات 31 مارس الماضي، التي جرى التصويت خلالها في أنحاء البلاد.

اعتقد الكثير من المراقبين أن تلك التعهدات سيكون معناها العودة إلى الالتزام بالسياسات الاقتصادية المحافظة، لكن يبدو أن أردوغان اختار مواصلة السياسات التي تخالف القواعد الاقتصادية السليمة.

محور نوايا الرئيس التركي تجسدت الأسبوع الماضي بإقالته لمحافظ البنك المركزي مراد جتين كايا، ويبدو أن السبب هو رفض محافظ البنك المركزي خفض أسعار الفائدة.

وكان النهج ذاته واضحًا الأسبوع الماضي خلال ظهور علني لصهره وزير الخزانة والمالية راءت البيرق، بعد غياب عن المشهد لأشهر، جدد فيه الحديث عن متانة الاقتصاد التركي، وكيف أن المُضاربين فشلوا في هجومهم على الليرة.

إذن، يبدو الآن أن الرئيس التركي غير راغب في تقاسم السلطة مع أي شخص، وأنه مستعد للمغامرة بكل شيء يتعلق بالاقتصاد في سبيل الحفاظ على موقفه في أعين جمهور الناخبين.

ويبدو أنه يتجه لتحقيق النمو الاقتصادي بأي ثمن. حتى الآن، لا يبدو أنه استوعب حقيقة أن فترة النمو المرتفع في البلاد كانت ممولة بالمال الرخيص القادم من الخارج في أعقاب الأزمة المالية العالمية قبل 10 سنوات، وأن تلك الأموال قد نضبت الآن.

ومن ثم فإن أردوغان سيمضي قدمًا في سياساته الاقتصادية، حتى إذا كانت النتيجة الحتمية لتلك السياسات في نهاية المطاف خنق الاقتصاد.

ونقلت صحيفة حرييت يوم الأحد عن أردوغان قوله للمسؤولين في حزبه إن جتين كايا أُقيل من منصبه لأنه “أُبلغ عدة مرات بأن يخفض أسعار الفائدة لكنه رفض”.

في الوقت ذاته، يواصل أردوغان والبيرق تحميل “هجمات خارجية” مسؤولية النتائج الكارثية للسياسات المتعلقة بالاقتصاد الكلي، والهبوط السريع في قيمة الليرة. ويقول الاثنان إن تلك الهجمات المزعومة تهدف إلى الحيلولة دون صعود تركيا على الساحة الدولية.

وتبدو تلك المزاعم غريبة، خاصة بالنظر إلى أن المستثمرين الأجانب هم من موّلوا النمو الاقتصادي القوي الذي حققته تركيا خلال العقد الأخير. ويتبنى المستشارون المقربون من أردوغان مثل تلك النظريات أيضا.

وبافتراض أن أردوغان سيواصل نهجه الاقتصادي، يمكن الاستنتاج أنه لن يستجيب لدعوات المستثمرين للإطاحة بالبيرق من منصبه.

وسيكون من شأن الإبقاء على البيرق أن يسمح لأردوغان وحزبه بالاستمرار في استغلال موارد الخزانة دون رادع، رغم العجز المُفزع في الموازنة، والذي سيتضاعف بحلول نهاية العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى أربعة بالمئة.

كما أن الإطاحة بمحافظ البنك المركزي ستجعل البنك خاضعا لأوامر الرئيس بإجراء دورة سريعة من خفض أسعار الفائدة. وسيقضي ذلك على استقلال البنك المركزي، الذي حصل عليه في أعقاب انهيار الاقتصاد التركي عام 2001.

انتهت دراما الانتخابات، في وقت يبدو فيه وضع الليرة جيدا، بفضل موسم السياحة القوي وانكماش العجز في ميزان المعاملات الجارية، مع ترجيح بقاء مؤشرات المعنويات مستقرة خلال فصل الصيف.

وبالتالي يمكن توقع عودة إقبال الأتراك على الليرة من خلال بيع بعض الودائع الضخمة التي بحوزتهم الآن بالعملات الأجنبية، والتي يصل حجمها إلى 176.4 مليار دولار.

وبعيدًا عن التوترات السياسية مع واشنطن بشأن خطط شراء صواريخ أس 400 الروسية، فإن اقتصاد تركيا وأسواقها باتا الآن في وضع أفضل.

لكن إقالة محافظ البنك المركزي ذكّرت الجميع بصعوبة التكهن باتجاهات إدارة الاقتصاد التركي، ومدى عدم خضوع هذه الإدارة للقواعد الاقتصادية الراسخة.

في هذه الأثناء يواصل أردوغان تقويض المؤسسات الاقتصادية والسيطرة بشكل كامل تقريبا على الاقتصاد، في ظل يأس حزب العدالة والتنمية الحاكم من إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

وبلغ حجم القروض المتعثرة في القطاع المصرفي حاليا نحو 11 بالمئة من إجمالي حجم القروض، بينما ميزان المدفوعات الجارية في وضع شبه مستقر بسبب ترجيح انكماش اقتصادي بنسبة 3 بالمئة هذا العام. ويبلغ معدل التضخم نحو 16 بالمئة، بينما اتسع العجز في الموازنة بشكل كبير.

ويدرك أردوغان وحزب العدالة والتنمية كما هو واضح أن الاقتصاد سيظل عالقا في نطاق نمو يتراوح بين اثنين وثلاثة بالمئة خلال السنوات القادمة.

ولا حاجة للتذكير بأن المشاكل الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها تركيا ستصبح أكثر حدة قريبا، وليس بعيدا، في ظل سوء إدارة أردوغان وتصلبه في الرأي لدرجة تجعله يُقصي الجميع. قد يحاول ترويض الوحش، لكن ذلك الوحش قد يفترسه.

10