الهدر المدرسي: أسبابه ونتائجه

الأحد 2017/11/19

المشكلات التي تعترض التلميذ في مسيرته الدراسية كثيرة، والأمر طبيعي وموضوعي إذا ما نظرنا إلى العملية التعليمية على أنها “المُشترك الاجتماعي” بين الجميع دون اعتبار الاختلافات والتباينات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى الحضارية بالمفهوم الأشمل للعيش المشترك.

ولعلّ من أبرز المشكلات التي تكون ارتداداتها وخيمة على التلميذ في شخصه وعلى عائلته وعلى المجتمع برمّته، مشكلة الهدر المدرسي والمصطلح يحيل على الدلالة المعجمية المتمثلة في التسرّب من مقاعد الدراسة بصفة متواترة تنتهي بالانقطاع تماما عن مزاولة الدراسة عند حدّ ما من مراحل التعليم الإعدادية أو الثانوية أو حتى الجامعية.

وقد تعددت الرؤى لتفسير الظاهرة وفق المهتمين بالموضوع من زاويا علم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع بالإضافة طبعا إلى أهل الاختصاص، ورغم هذا التنوع فإن كل الدراسات والقراءات ترجع الهدر المدرسي إلى عوامل ثلاثة؛ المحيط الأسري والوسط المدرسي والفضاء الاجتماعي.

تطورت طبيعة الحياة في الأسرة الحديثة وتغيرت بقدر ما تشعبت وتشابكت، وازدادت حركية وديناميكية وصعوبة أيضا. الكلّ يلهث وراء توفير المتطلبات التي أضحت جميعها من الضروريات ولا مكان لمصطلح الكماليات فيها.

في هذا الخضمّ تفقد الأسرة السيطرة على مسارات تربية أبنائها وتسمح -مكرهة وعن غير قناعة- بأن تشرّك الآخرين في التربية منذ نعومة أظافر فلذات أكبادها كدور الحضانة والروضات ثم المدرسة، ورغم الحرص على المرافقة الفعّالة للأطفال في جميع مراحلها إلا أن العِقْدَ يبقى قابلا للانفراط مع أيّ غفلة أو لامبالاة من الوالدين.

وبما أن التنشئة الأولى تشترك في ترسيخها لدى الطفل مجموعة من الأشخاص يختلفون في تعليمهم وثقافتهم ورؤيتهم للحياة، فإن هذا الطفل تختلط عليه الأمور فيصبح جميع من يتولون تربيته في نظره على نفس المقاس وبنفس المعايير، وهو الأمر الذي يساهم في اضمحلال السلطة المعنوية لأفراد الأسرة وخصوصا الوالدين. وما يزيد الطين بلة أن عملية التربية ثم التعليم أضحت مزادا تجاريا يتنافس فيه المتنافسون.

وأمام غفلة الأسرة يتغيب التلاميذ عن فصولهم في أوقات قد تقصر أو تطول حين يجدون أنهم غير قادرين على مواكبة دروسهم وامتحاناتهم في ظل انشغال أفراد الأسرة بتوفير المتطلبات المادية وهم يعتقدون أن المهمة موكولة للمدرسة وحدها، فيتغافلون عن غير قصد عن احتواء مشاكل منظوريهم واحتوائهم نفسانيا وماديا ومتابعتهم عن قرب في ما يتعلق بمشاكلهم التعليمية، وهو السبب الأهم للتسرب من مقاعد الدراسة.

أما السبب الثاني فتتحمل وزره المنظومة التربوية بتشريعاتها وبرامجها التي تثقل كاهل التلميذ عند انخراطه في العملية التعليمية على المستوى الكيفي والكمي معا. فيصاب بالإرهاق ثم يتطور الأمر ليصبح عجزا ثم نفورا ينتهي بالانقطاع.

في هذا السياق أيضا للمدرسة، فضاء وإدارة ومدرسين، دور سلبي في عدم الإحاطة اللازمة بالتلاميذ لتقيهم من الغيابات الطارئة أو المطولة ما يسبب لهم عجزا عن مواكبة الدروس ويدخلون الامتحانات دون استيعاب لما دُرّس عند غيابهم ودون تنظيم دروس لتداركهم ليكونوا على نفس المستوى مع أقرانهم، ومن ثمة يتحصّلون على أعداد جزائية كارثية فيسعون إلى تجاوز ذلك ويفشلون، ويكون الملجأ هو الغياب الذي يتطور تدريجيا لينتهي بانقطاع.

ليست هناك برامج مدروسة تربويا وعلميا، لا من طرف الأسرة ولا من طرف المدرسة بجميع مكوناتها، لتحصين التلاميذ عن طريق المراقبة المستمرة بالتوجيه والحوار ودون اعتماد أيّ شكل من أشكال العنف اللفظي أو المادي ودون هرسلة نفسية مع مراعاة الأوضاع النفسية للمتعلمين كالمراهقة مثلا، ثم عن طريق المرافقة وهي عملية تربوية يقوم بها أفراد الأسرة والمربّون لحماية التلميذ من الانخراط في ما من شأنه أن يبعده عن مساره التعليمي.

الأخطر في الأمر أن الهدر المدرسي والتسرّب من مقاعد الدراسة لا تقف نتائجهما عند حدّ عدم إكمال سنوات الدراسة وتحسين المستوى العلمي والثقافي بالحصول على شهادة علمية تساعد على الانخراط لاحقا في الدورة الإنتاجية والاقتصادية، بل يتعدّى الأمر ذلك إلى انخراط المنقطع عن الدراسة في السلوكيات الاجتماعية الشاذة كالإدمان على التدخين والكحول وحتى المخدرات وأيضا ممارسة العنف كالسطو والنهب والسلب والسرقة لتوفير المال لممارسة الإدمان.

وعليه لا بد من التفكير في معالجة مرحلة ما بعد الانقطاع -إن حصل- وذلك بإدماج المنقطعين في دورات تكوينية في مجالات المهن والحرف المختلفة ليضمنوا على الأقل التخصص في مسار مهني يضمن لهم الحدّ الأدنى من الاستقرار المادي والاجتماعي، وهذه الإحاطة تتطلب من القطاعين العام والخاص أن يتكاتفا لإنجاز هذا الأمر لإصلاح ما يمكن إصلاحه من حياة المنقطعين عن مقاعد الدراسة لحمايتهم من ويلات الشارع.

كاتب تونسي

21