الهدم وإعادة التأسيس

الخميس 2014/10/09

تبخرت في الفضاء تلك اليوفوريا، أو الفرحة الغامرة التي رافقت ثورات الربيع العربي، وما حصل من إطاحة بأصنام الحكم التي جعلت من نفسها آلهة تطلب من الشعوب الركوع والسجود لها، وتأبدت في الحكم حد التكلس والجمود، وشكلت هذه الثورات موجة كادت أن تتوازى في قوة اجتياحها وعصفها بأنظمة الحكم الفاسدة، مع الموجات الثورية الديمقراطية التي حققت النقلة التاريخية لأقطار شرق أوروبا من عبودية الحزب الواحد الأحد الذي لا شريك له في احتكار السلطة والثروة، إلى آفاق العمل السياسي الحر. كما حققت نقلة أخرى ربما أكثر خطورة وأهمية قبل ذلك لأقطار أميركا اللاتينية، وأنقذتها من سيطرة الطغمة العسكرية الفاسدة وتسلطها على مقدرات الشعوب لعقود طويلة استغرقت جزءا كبيرا من القرن العشرين.

إلا أن ثورات الربيع العربي اختلفت في نتائجها عن تلك الموجات الثورية في شرق أوروبا وجنوب أميركا، لأنها لم تفض، فعلا، إلى تلك الصيرورة الديمقراطية المأمولة، وأدخلت بعض أقطار الوطن العربي في حالة من الفوضى والارتباك والاحتراب الداخلي، وأيقظت وحشا كان نائما في كهوف التاريخ، لم يظهر على السطح في بعض هذه الأقطار وإحداها ليبيا، إلا في أعقاب هذه الثورات. ومع ذلك هناك أمل يراود أغلب شعوب المنطقة، بأن هذه الفوضى وهذا الغثاء الذي خرج إلى السطح، ليس إلا مرحلة انتقالية مؤقتة، سوف تتراجع لتسفر عن وجه أكثر إشراقا وبهاء، غير هذه الحالة الفوضوية المصبوغة بلون التطرف الديني، وهو أمل لم يولد من فراغ، وإنما من واقع ما تملكه هذه البلدان من رصيد حضاري، وما يتوفر لها من موارد بشرية ومادية، وما تجلى أثناء الثورات من روح الفداء والتضحية والاستبسال، إلا أن ما يمكن التحفظ عليه، هو أن هذه النتائج المأمولة لن تأتي كصيرورة طبيعية تنتهي إليها الأحداث عبر حركتها الذاتية، وإنما تحتاج إلى جهد وعناء، وبشر قادرين على دفع الأحداث وإرغامها على السير بهذا الاتجاه.

قبل الخروج من المأزق الراهن، هناك حالة من الإحباط، في قلوب الشباب الذين شاركوا في الفعل الثوري، ولدى كثير من صانعي هذا التحول أنفسهم، وغيرهم من قوى ثورية تصدت للطغاة وأنزلت بهم هذه الهزيمة الساحقة، وأغلبهم يعض الآن أصابع الندم، لأنهم انخرطوا في الحراك الثوري، ويقولون بلسان الحسرة والألم، أنهم لو عرفوا الغيب لاختاروا الواقع، ويرون أن التضحيات الكثيرة التي شهدتها هذه الثورات، ودماء الشهداء التي سكبت على مذبح الانعتاق من سيطرة الطغاة، ذهبت هباء، لأن الثورة أفرزت استبدادا وطغيانا، أكثر شراسة من طغاة الأمس.

وهو راهن يدعو إلى الحزن والأسى، ولكنه لا يدعو إلى القنوط واليأس، لأن ثورات الربيع العربي كانت تدميرا لأنظمة بائسة، وأدوات حكم مهترئة تجاوزها الزمن، وعاجزة عن تحقيق النهضة والنماء، ومعنى هذا التدمير والهدم لهياكل الأمس العتيقة، وتحطيم قوالبها الجامدة، يستحق فعلا أن تعقبه مرحلة بناء وتشييد لواقع جديد، وأدوات حكم عصرية، ونظام عربي يأخذ بمعاني الحداثة، ومستوى التقدم الحضاري الذي وصلته أقطار العالم المتقدمة.

ومهما كان حجم “الدواعش” الذين ظهروا على سطح الأحداث، فإنهم لا يشكلون إلا أقلية ضئيلة مريضة، منبوذة من الجنس البشري بأجمعه، واستقوت هذه الأقلية المجرمة بالسلاح والإرهاب، والعقيدة الانتحارية لصبية مغرر بهم، لم يتعلموا من الإسلام إلا لغة الموت، بينما هو دين الحياة بجدارة وامتياز. وأهلا بأي اشتباك مسلح معهم، يضمن هزيمتهم واستئصالهم من المشهد السياسي العربي، إلا أن الأمر يحتاج، إلى إعلان حالة استنفار للعقل الجمعي للشعب، بدلا من استدعاء تراث الدروشة والخرافة، كما كان سائدا في الماضي، والاستعانة بالطلائع المستنيرة في كل هذه الأقطار وقوى التنوير والعقلانية، للبدء في تأسيس واقع جديد، يستنهض الهمم ويستفز العزائم ويدخل بها ومعها معركة البناء والتأسيس لهذا الواقع الجديد، الذي يقضي على الثقوب السوداء وجيوب التخلف التي انتجت هذه الكائنات الظلامية التكفيرية، وما يتبعها من زواحف تنتمي إلى عوالم الجهل والظلام، ويحقق أهداف الشعوب في الحرية والديمقراطية والتنمية والسعادة، واللحاق بركب الحضارة الحديثة، والانتفاع بالفتوحات العلمية والفكرية التي عرفتها البشرية، وحرمنا أنفسنا من ثمارها، وأغلقنا أبواب التواصل معها، ومع ثقافة العالم المفتوحة على آفاق المعرفة والعلم وإنتاج العقل البشري في تألقه وإبداعه وابتكاره.

لقد أغلقنا، لأحقاب طويلة، النوافذ التي يأتي منها النور، وحان الآن العمل على فتحها للشمس والهواء، والتواصل مع حضارة العصر، والتعامل بمفرداته، بعيدا عن الجمود الفكري الذي حبسنا أنفسنا في أقفاصه، نسينا خلالها أننا جزء من عالم يجدد أنظمته، ويعيد ابتكار سياساته، ويمضى في رحلة الصعود، بطموحات وأمال لا سقف لها إلا السماء.


كاتب ليبي

8