الهدم والبناء في سوريا من وجهتي نظر الثورة والنظام

السبت 2017/08/05

منطوق المثل المصري “خسارة قريبة ولا مكسب بعيد” فعل فعله في ثورة 25 يناير 2011 المصرية، فعاد النظام بنسخة أسوأ من عهد حسني مبارك المديد.

أما اليسار التونسي، “الاتحاد العام التونسي للشغل”، فأعادا حكم نظام زين العابدين بن علي كما كان، بلا زيادة أو نقصان. وليس أدل على ذلك من زيارة وفد من “الاتحاد”، قبل أيام، للنظام الأسدي تعبيرا عن دعمه له في حربه ضد “الإرهاب”.

في كلا المثالين، كان “البعبع” الإسلاموي الدافع إلى ذلك، متمثلا في فكر الإخوان المسلمين الذي يتم تصويره في السنوات الأخيرة على أنه تنظيم عابر للقارات والأمم واللغات.

وقبل المقارنة، كانت كلفة الدم والمال، في تونس ومصر محمولة للغاية بالمقارنة مع الأمثلة السورية والليبية واليمنية، في دول الربيع العربي، إلا أن نتائج الثورات هناك أضحت كأنها لم تكن، واقتصر التحوّل على ما يشبه انقلابا عسكريا لا يرقى إلى مفعول الثورات التي تؤسس لقطيعة تامة أو شاملة، مع الفكر والممارسات التي مثلها النظام السياسي السابق.

لا ينفي صحة هذه النظرة أن الآلام في سوريا وليبيا وتونس أكبر من الاحتمال الإنساني، وأن إعادة الحياة إلى طبيعتها في هذه البلدان أصبحت مستحيلة حتى في المدى البعيد، وخاصة في سوريا، وأن سوريا التي كنّا نعرفها في عام 2011، وما قبل، لم تعد موجودة، ولن تعود مطلقا، وأن ما نتذكره عن دمشق، وسوريا عموما، لا يشبه ما ينقله لنا أصدقاء وأقرباء عن الواقع الذين يعيشونه ويعايشونه في كل لحظة.

وإذا كانت شوارع دمشق تشبه ما كانت عليه في عام 2011، فإن المجتمع السوري عموما، والدمشقي خصوصا، تغيّرا جذريا، مع تحوّل أكثر من نصف سكان البلاد بين نازحين ولاجئين. لا نتحدث هنا عن تشتت العائلات والأسر والأحياء فقط، بل عن شرور الحرب المتمثلة في الفقر أولا وأخيرا، وما يستتبعه ذلك من انحلال أخلاقي “مضطر” ومثير للقلق، كون إعادة الإعمار، مهما بلغت من تكلفة ووقت، تبقى ممكنة في إطار حسابات التكاليف، لكن إعادة ضبط المنظومة الأخلاقية بالقدر المعقول تبقى بالغة الصعوبة، خاصة أن الفقر مسألة معممة منذ ما قبل الثورة، لكنها كانت مكبوتة بالقوة النسبية لرقابة العائلة، وبقوة القانون المطلقة الممسوكة بقبضة قوية واستنسابية من الأمن الجنائي، ونقصد هنا استشراء ظاهرة الدعارة والمخدرات، في عموم مناطق سوريا، وأيا كانت الجهة المسيطرة، ولا نستثني من ذلك مناطق اللجوء خارج سوريا (روى لي صديق أن طالبي المتعة في مدينة غازي عينتاب يمكنهم الحصول على فتاة مراهقة فقيرة مقابل عشرين ليرة تركية أي أقل من ستة دولارات أميركية).

والتقارير الإخبارية في وسائل الإعلام، وحتى مع الشك في دقتها وتحقيقها الشروط المهنية الاعتيادية، تنقل تفاصيل من وقوع الشباب السوري في فخ الحبوب المخدرة والقوادة، وممارسة المثليين حياتهم على طبيعتها دون خوف، ليس في دول اللجوء في جوار سوريا وأوروبا فقط، بل في دمشق نفسها، كون أولويات السلطات الأمنية في العاصمة لا تملك الوقت لقمع مثل هذه الظواهر “الخادشة للحياء”، بعد أن توجهت كليا لمواجهة “الإرهاب والعصابات المسلحة”.

ونذكر أن السلطات الأمنية في ربيع 2011، وما بعد، تغاضت عن مراقبة البناء في كل من دمشق وحلب، حيث استغل أفراد وتجار بناء غليان الشارع في مناطق المخالفات العشوائية في المدن الكبيرة لإنشاء أبنية، أو إضافة طوابق مخالفة على أبنية قائمة.

هذا من ذاك، أي أن الغياب المزمن للقانون في سوريا وتركيز جهده الاستنسابي لقتال المسلحين، وارتخاء القبضة الأمنية في مجال مراقبة المجتمع وفق المعايير الأمنية، كل ذلك في هدم البنية التحتية، وفي هدم المنظومة الأخلاقية من خلال تعميم الفقر، بفعل فاعل أو نتيجة تداعيات الحالة الأمنية والنزوح والتشرد.

بالطبع، لا يمكن الحديث عن إحصائيات تقارب حالتي الهدم المذكورتين، مع ذلك يمكن لأي ملاحظ الدفاع عن وجود هذه الفرضية كونها ظاهرة كبيرة وليست حالات فردية معزولة.

في مسألة هدم المباني بالقصف الشامل على طريقة الأرض المحروقة، لا يمكن نفي ذلك، فالبيوت المدمرة كلياً عددها بالملايين في كل من حمص وحلب وريف دمشق، ودير الزور، وغيرها، وفي الرقة الآن، إضافة إلى الملايين من البيوت المدمرة جزئيا. وذلك يستدعي الإشارة إلى البنية التحتية المحيطة بتلك الملايين من البيوت من شوارع وشبكات كهرباء ومياه.

هنا، لا يمكن تجنّب الجدل حول سبب كل هذا الدمار (الهدم)، إن كانت الثورة تسببت في ذلك، أو الحرب التي شنها النظام على السوريين منذ اللحظة الأولى لاحتجاجاتهم التي طالبت بالإصلاح، وتطورت بسرعة للمطالبة بإسقاط النظام، وهدم البنية التحتية للنظام الأمني.

العودة إلى ما قبل عام 2011 بداية للإجابة على هذا الجدل كمشروع للتفكير، فمنذ عام 2004 بدأت محافظتا دمشق وحلب، تروجان لمشاريع تسوية العشوائيات في محيط مدينة دمشق، وفي حيي الكلاسة والمشارقة وجوارهما في حلب. تلك التسوية لم تحدث، كما لم يتوقف بناء العشوائيات في دمشق وريفها، وفي حلب خاصة، بينما استمر الحديث عن شركات خليجية مستعدة لاستثمار المليارات من الدولارات في هذا المشروع الدسم. وفي الواقع تم البدء بمشاريع من فئة خمس نجوم في منطقة يعفور غرب دمشق، قبل أن يتوقف المشروع في عام 2012 بسبب الحالة الأمنية مع استمرار الثورة، وتصاعد وتيرة الحل الأمني من قبل النظام.

كما تداول سكان أحياء الدويلعة والحجر الأسود وحجيرة والدحاديل إشاعات أن مستثمراً خليجياً سيؤمّن لهم مساكن مؤقتة، في الوقت الذي سيحول فيها الأرض التي تقوم عليها بيوتهم الحالية إلى أبراج سكنية عملاقة على مساحات طابقية كبيرة، بحيث يتم إسكان الحي كله في مساحة صغيرة من حيهم السابق، بينما يتم استغلال المساحة الفائضة للمرافق العامة، ولمشاريع تجارية لمصلحة المستثمر وشركائه في النظام الأسدي. وحينها كانت تكتمل الإشاعة بإضافة اسم رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد)، الواجهة الاستثمارية للنظام الأسدي.

في الإطار العام لم تكن تلك مجرد إشاعات، لكن تأجيل الخطوات العملية لإعادة تأهيل مناطق المخالفات يمكن تفسيره بما يشبه “نظرية المؤامرة”، فالنافذون في النظام الأسدي كانوا يستهدفون تحويل مزرعتهم إلى شركة عقارية تمتد في عرض البلاد وطولها، وفي دمشق خاصة.

وما كان يتطلب الهدم بالجرافات في هذه العملية، استعمل فيه النظام البراميل المتفجرة، والصواريخ والمدافع، دون أدنى اعتبار لحياة المدنيين سواء في العشوائيات، أو في المجمعات السكنية الحضرية، التي قد ينطبق عليها، أو لا ينطبق، اسم مساكن حديثة، ففعل التدمير فعله بدلا من الهدم وإعادة الإعمار.

هذا ما يحدث في سوريا، التي حوّلها النظام الأسدي والإسلامويون إلى ثورة دموية. وعلى الرغم من كل قسوة الواقع، وتشاؤم التفكير بالمستقبل لا تزال الثورة كامنة، ولا تزال قائمة بدوافع الثأر من النظام على الأقل. بينما حافظت مصر على عشوائياتها المرشحة للتوسع دون حل، وبما يعنيه ذلك من امتداد الفقر، الآن وفي المستقبل. وفي تونس ستعدّ عودة نظام بن علي، وتصديره الدواعش لـ“المعارضات”، ودعم يساره الحزين للنظام الأسدي، استمرارا في غيبوبة ثورة أشعلت مغرب العالم العربي ومشرقه في عام 2011.

التناقضات ستبقى قائمة في مصر وتونس، وفي ليبيا واليمن، لكن في حالة كمون. أما في سوريا قبل تلك البلدان، فالهدم المستمر، من وجهة نظر النظام، ومن وجهة نظر الثورة، يجعل فرصة إعادة البناء ممكنة في الأجل المتوسط، حتى لو كان المستقبل القريب متشائما، من وجهتي النظر كلتيهما.

كاتب وصحافي سوري

9