"الهربة" فيلم يعري تناقضات المجتمع التونسي

فيلمان تونسيان ينتصران للجسد بسحره وبوحه وتحرّره وإقباله على الحياة.
الاثنين 2020/12/21
"المدسطنسي" تأرجح بين التحقّق والعدم

شهد مهرجان أيام قرطاج السينمائية في نسخته الحادية والثلاثين التي تتواصل فعالياتها حتى الثالث والعشرين من ديسمبر الجاري عرض فيلمين تونسيين جديدين، هما “الهربة” لغازي الزغباني و”المدسطنسي” لحمزة العوني، استعرضا وفق سرد روائي للأول وتوثيق سيري للثاني حجم التناقضات الحاصلة في المجتمع التونسي قبل ثورة 14 يناير 2011 وغداتها، ومدى تأرجح أبطالها بين التحقّق والعدم.

تونس – رغم قلة عدد الأفلام الجديدة المعروضة في الدورة الحالية لأيام قرطاج السينمائية التي ارتأى منظموها، في ظل الوضع الصحي الاستثنائي، الاحتفاء بذاكرة الأيام من خلال عرض الأفلام التونسية والعربية والأفريقية المتوّجة بالمهرجان على امتداد دوراته الثلاثين الماضية، إلاّ أن النسخة الحادية والثلاثين منه قدّمت لعشاق الفن السابع بعض الأفلام التونسية الجديدة في عروضها الجماهيرية الأولى.

وضمن هذا الإطار قدّم المخرج التونسي غازي الزغباني أول أفلامه السينمائية المعنون بـ”الهربة”، وهو فيلم روائي طويل من بطولته رفقة كلّ من الممثلة نادية بوستة والممثل محمد حسين قريّع.

انقلاب الأدوار

“الهربة” هو في الأصل عمل مسرحي تمّ إنتاجه في العام 2018، وحقّق نجاحا جماهيريا كبيرا نتيجة طرحه المبتكر وفكرته الغرائبية، الأمر الذي شجّع الزغباني على تحويله إلى عمل سينمائي بعد أن أدخل عليه بعض التعديلات في الكتابة، محافظا على الممثلين الذين شاركوه أحداث المسرحية وشخصياتها مع إضافة كل من الممثلين رانية القابسي ولسعد بوسبيعة إلى فريق الفيلم.

وتروي أحداث العمل رحلة هروب متشدّد ديني من قبضة رجال الأمن، ولجوئه إلى منزل مومس للاحتماء به من مطاردتهم له، فتعمل المومس على مساعدته رغم التناقض الشديد في الأفكار بينهما.

وارتكز الفيلم أساسا على جملة من المفارقات أهمها أن المتشدّد الديني، يهرب من قبضة الأمن، لكنه في المقابل يجد نفسه أمام واقع آخر مناف لمبادئه وأفكاره وميولاته التكفيرية. واقع جديد فرض عليه فرضا بعد أن قادته الصدفة للاحتماء من مطاردة البوليس في غرفة مومس تعمل بماخور المدينة المليئة بالمفارقات.

فيلم "الهربة" لغازي الزغباني دعوة للمصالحة مع الذات والآخر والتحرّر من أغلال التشدد الأيديولوجي والديني
فيلم "الهربة" لغازي الزغباني دعوة للمصالحة مع الذات والآخر والتحرّر من أغلال التشدد الأيديولوجي والديني

ومن هناك يعكس الفيلم صورة لثلاثة نماذج مختلفة من المجتمع التونسي، هي المتشدّد الديني والمومس والمواطن العادي، أو الزّبون، الذي لا يحمل أيّ أفكار أيديولوجية، فكل همّه تحقيق لذته العابرة. ولكن الجزء الأكبر من هذا العمل خصّصه المخرج للحوار الدائر بين الشاب المتشدّد دينيّا والمومس. فجعلها تعرّي أفكاره التكفيرية وتكشف حجم المفارقات التي يعيشها في عقله الباطن، وتدعوه للمصالحة مع الذات والإقبال على الحياة.

وتعدّدت عناصر المفاجأة في العمل، فكانت أهم المواقف التي اعتنى بها الزغباني في السيناريو هي شخصية المومس، فهذه المرأة ذات المستوى الدراسي والثقافي المحدود بدت رمزا للحكمة والتفكير العقلاني الحرّ حمّالة لرؤى منفتحة ومتعايشة مع الآخر مهما كانت درجة الاختلاف معه، في حين بدا الشاب التكفيري منغلقا على نفسه ورافضا للآخر الذي يختلف معه فكرا ومظهرا، رغم أنه خريج الجامعة، بما يعني ظاهريا أنه مثقف ومنفتح ومتصالح مع ذاته والآخرين، لكن العكس هو الذي يحصل، لتنقلب الأدوار تماما.

والمسرحية التي حُوّلت إلى فيلم هي اقتباس من نص تونسي لحسن الميلي باللغة الفرنسية حمل عنوان “العالم الصغير”، كُتب في ثمانينات القرن الماضي، إلاّ أن الزغباني الذي غيّر عنوانه إلى “الهربة” جعله يحكي تونس ما بعد ثورة 14 يناير 2011.

وعن العنوان يقول مخرج العملين “لديّ قناعة أنه لا يمكن أن يكون عنوان المسرحية/ الفيلم إلاّ ‘الهربة’، لأن الشخصيات الثلاث في العمل تعيش جميعها حالة هروب دائم، الملتحي هارب من الأمن ومن الناس ومن ذاته، أما الزبون فهارب من حياته الزوجية ومن نمط عيشه الكلاسيكي ومن حياته القاسية، في حين أن المومس هاربة من المجتمع ومن قسوة الظروف والزمن”.

وينتهي الفيلم بانتصار الجسد على الجمود والتقوقع، فقد استطاعت المومس عبر حيلة بسيطة أن تقنع المتشدّد بحلق لحيته، حيث قايضته بين الاحتفاظ بجنينها الذي تحمله في أحشائها من أب مجهول الهوية، أو الإجهاض، فحرّضها على إسقاطه، رغم أن الدين يحرّم هذا الفعل، لتكشف بذلك تعارضه بين ما يجهر به وما يخفيه، بين ما يقوله وما يفعله، ومن هناك وافقت على إجهاض الجنين على أن يستغني هو عن لحيته، وهو ما كان، وهي بذلك حمته من أعين البوليس وأعادته إلى حياته المدنية.

ونجح الزغباني من خلال فيلمه الذي تدور أحداثه في ليلة واحدة وفي مكان واحد، هو غرفة المومس، في تبليغ رسالة مفادها أنه رغم ضيق غرفة نوم المومس الحاضنة للتناقضات الحاصلة بينهما، فإن التعايش بينهما ممكن، وذلك عبر الحوار القادر لوحده على حسم كل الخلافات وإن كانت عقائدية حتى، فللمومس وللمتشدّد، على السواء، الحق في الحياة وبكرامة في وطن واحد.

وغير بعيد عن هذا الطرح الذي يكشف بشكل ملموس هذه المرة، عبر فيلم وثائقي وليس روائيا متخيّلا، حجم التناقضات الحاصلة في المجتمع التونسي ومدى تأرجح بعض مواطنيه، إن لم نقل كلهم، خاصة فئة الشباب منهم، بين التحقّق والعدم، حيث يتتبّع المخرج التونسي حمزة العوني في فيلمه الوثائقي الطويل “المدسطنسي” حياة بطله محرز طاهر منذ سنة 2005 وحتى العام 2017، وهو شاب يقطن بمدينة المحمدية إحدى الأحياء الشعبية الواقعة في ضواحي تونس العاصمة، مُدمن على القمار في سباق الخيل، لكنه أيضا موهوب في مجال الرقص والمسرح.

مقارعة الفراغ

“الهربة” صراع أيديولوجي في غرفة مغلقة
“الهربة” صراع أيديولوجي في غرفة مغلقة

على امتداد 12 عاما يقدّم العوني بطله بما هو شخصية مسكونة بالتناقضات بين الطموح والإحباط والعزيمة واليأس، وهي تشق طريق الحياة بحثا عن المعنى، وقد تجسّدت في فترات الدراسة المتقطّعة والتجارب الفاشلة في أوروبا والبطالة والسجن والمشاركة في الأعمال المسرحية ومقاومة الدكتاتورية والتطلّع إلى الحرية وحياة اجتماعية واقتصادية أكثر عدلا وإنصافا.

و”المدسطنسي” مصطلح يعني المستبعد أو المنفي، وهذا النفي الداخلي يتجلّى بوضوح في الوثائقي الطويل من خلال سيرة محرز الذي يعاني مثله مثل جميع شباب المناطق الشعبية التونسية من انعدام الفرص في العمل والتحقّق بشكل كريم، فيعيش يومياته مقاوما ذاته مغبة السقوط في مستنقع المحظورات.

ويجاهد البطل على امتداد زمن تصوير الفيلم السّيري من أجل التحقّق وهو الراقص المحترف والممثل الهاوي، الذي يجد في جسده وخشبة دار الثقافة بالمحمدية الملاذ والسلوى عن أفكاره التي تشطح به بعيدا أحيانا في علاقة مدّ وجزر بين الأحلام التي تمنحها له خشبة المسرح حين يرقص وحين يرفع الصوت بنص مسرحي ما، وبين الانكسارات التي تفرضها عليه مدينته المهمشة والمنسية، فيسقط رغما عنه في براثن الإدمان ويزجّ به في السجن.

ورغم تغيّر المشهد بعد خروجه من السجن، إلاّ أن الوضع العام بالبلد لم يتغيّر بل زاد تعقيدا، ليعود محرز مجددا إلى مقارعة الفراغ مع بداية كل يوم جديد في محاولة منه لإضفاء معنى على حياته، ولكنه يعود في كل مرة إلى النقطة صفر، أو المرّبع الأول من الأحلام المتكسّرة على جدران مدينته الخانقة، الكئيبة والمنتكسة، فما إن يغادر الشاب خشبة أحلامه وآماله في التحقّق حتى يلتحق بزمرة العاطلين والمهمشين في مجتمع جابه شبابه الدكتاتورية ودفع الدم سبيلا إلى العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية، لكنه لم يحقّق منها بعد مرور عشر سنوات على ثورة 14 يناير سوى بعض من الحرية والكثير من التهميش والإقصاء.

والفيلم بشاعريته وسوداويته في الآن ذاته، أتى على شاكلة أسطورة سيزيف، فكما عوقب سيزيف من قبل زيوس، بحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا حتى الأبد، ليغدو رمز العذاب الأبدي، فإن محرز طاهر هو سيزيف العصر الحديث، الذي يُعاود في كل يوم استنهاض أحلامه لتنكسر مجددا على عتبات الفقر والتهميش، وكأنه وغيره من شباب تونس معاقبون نتيجة تجرّؤهم على التحرّر ومنبوذون لأنهم سعوا إلى التغيير.

هكذا اتفق الفيلمان التونسيان من حيث لا يعلمان، أو ربما يعلمان، رغم اختلاف شكليهما، بين الروائي في “الهربة” والوثائقي في “المدسطنسي” على الانتصار للجسد بسحره وبوحه وتحرّره، الذي جعل من المتشدّد في “الهربة” يثوب إلى عقله ويتخلّى عن رفضه للحياة، ليقتحم ملذاتها دون مواربة أو نكران، في حين كان الجسد في “المدسطنسي” هو الحدث والحديث والمحرّك للأحداث، حيث جعل الراقص/ الممثل محرز طاهر يتطهّر من أدران يومياته المريرة في قاع مهمّش ليحقّق ذاته، ولو قليلا، في انتظار اكتمال المشهد الذي يرنو إليه في وطنه المحلوم به.

17