"الهرم الرابع" غاية نبيلة لا تبرر الخروج على القانون

الدخول إلى عالم تكنولوجيا الإنترنت ربما يأخذ مسارا آخر في فيلم “الهرم الرابع”، إذ يتضمن معالجة موضوعية بفكرة جديدة وطازجة، ربما يتفق معها البعض أو يختلف، إلاّ أنها في نهاية الأمر تتوافق مع الجانب الثوري للشباب في فترة ما بعد الثورة، حيث لم يعد فيها السكوت عن المظالم أمرا مباحا.
الثلاثاء 2016/03/08
روبن هود مصري

تدور قصة الفيلم المصري الجديد “الهرم الرابع” للمؤلف والمخرج بيتر ميمي حول شخصية يوسف، شاب دارس ومتخصص في هندسة البرمجة والمعلومات، يصادفه سوء حظ غريب يضطره للعمل كسائق لسيارة أجرة (تاكسي)، وفي اليوم الذي يحصل فيه على وظيفة بإحدى الشركات الكبرى، تدخل والدته في غيبوبة مفاجئة، وفي محاولة منه لإنقاذ حياتها يذهب بها إلى أحد المستشفيات الاستثمارية الكبرى بعد أن يفشل في الحصول على مكان في غرفة العناية المركزة بالمستشفيات الحكومية المتواضعة.

يكتشف الشاب سطوة المال عندما يضطرّ، بسبب حالة والدته وهي بين يديه، للإذعان لإدارة المستشفى الاستثماري المصرة على الحصول على مبلغ نقدي كبير على سبيل التأمين، أو قبول سيارة الأجرة التي يعمل عليها كرهن إلى حين قيامه بتدبير المبلغ، قبل إسعاف الأم المريضة، متجاهلة توسلاته، ومن هنا تنطلق الأحداث.

كلمة السر

“الهرم الدولي” هو اسم المستشفى أو كلمة السر التي يجعل منها بطل الرواية لغزا طوال أحداث الفيلم، حيث يبدأ بالتخطيط للانتقام من صاحب المستشفى، فيقوم بإدخال فيروس يعطل نظام العمل في البنك الذي يحتفظ فيه المستشفى بأرصدته، ثم يقوم بتحويل أمواله إلى اليونان ومنها إلى مصر لصالح إحدى الجهات الخيرية، ويموت الطبيب بالسكتة القلبية بعد علمه بنبأ ضياع أمواله، وهنا يستخدم يوسف اسم “الهرم الرابع” لوصف عمليات انتقامه، كما يحاول مساعدة آخرين في استرداد حقوقهم.

قدم الفيلم عالم التكنولوجيا بشكل مختلف ليبرز جانبه الإنساني، ما أضفى حيوية على القصة وأبعدها عن السطحية التي تظهر بها شخصية مهندس البرمجيات في أغلب الأعمال الدرامية.

و“الهرم الرابع” عمليات قرصنة إلكترونية يستخدمها يوسف لصالح المؤسسات الإنسانية من أجل مساعدة الآخرين (على طريقة القصص الشهيرة المستوحاة من حكاية روبن هود)، وهو هدف نبيل رغم خطأ التنفيذ، بعكس أغلب الحكايات المماثلة التي نرى فيها مثل هذه الأحداث تزرع الضغينة في نفوس أصحابها، وتحوّلهم فقط لبيع ضمائرهم من أجل تكوين الثروة والمال فقط دون الالتفات إلى أحد.

أحمد حاتم بدا أكثر تفاعلا مع الشخصية، خصوصا وأن مساحة دوره تتصدر جميع المشاهد بعكس باقي الأبطال

يحمل فيلم “الهرم الرابع” قدرا كبيرا من الجرأة في التناول، فرغم عدم وجود إشارات مباشرة إلا أنه يلمح إلى فساد بعض رجال الأعمال الذين يسيطرون على الدولة بأجهزتها وإعلامها في كافـة المستويـات، وفي عبـارة صريحة ضمن أحـداث الفيلـم، يشـار إلى شرعية السرقات التي يقوم بها “الهرم الرابع” من أجل إعادة توزيع الحقوق على الفقراء من جديد، وأن هذا هو ما يمثل العدل الحقيقي.

يبدو ذكاء مؤلف ومخرج الفيلم بيتر ميمي، في تجنبه النقاش حول فكرة الاندفاع والغضب لدى الشباب بطريقة تقليدية وساذجة مثلما شاهدناه من قبل في الكثير من الأعمال، حتى حين يقرر يوسف، الذي جسده الفنان أحمد حاتم، الانتقام، يلجأ إلى طريقة تتلاءم مع طبيعة تفكيره العلمي.

البطل يوسف لم يبحث عن رفع شعارات ضدّ الظلم وإغراق الشوارع بها، وإنما سعى إلى الحصول على حقه بنفسه، وهو مبدأ سائد في مصر منذ سنوات في ظل غياب القانون تقريبا أو بطء إجـراءاته في أحسن الأحـوال، حتـى سـار شعـار “الهـرم” هـو الـرمز الذي يؤمن به الشباب، بل إنهم يرونه بطلا.

الجدال حول شرعية ما يقوم به يوسف يقود السيناريو إلى منطقة أخرى شائكة تتجسد في عبارة تنتشر بين الشباب تقول “معقول يا جماعة يبقى رمز البلد حرامي”، وهي إشارة متعددة الدلالات، فرغم الهدف الأسمى الذي يبحث عنه البطل في مشواره لاسترداد الحقوق إلاّ أنه تم بطريقة غير مشروعة، وهو ما قد يمكن اعتباره تلويحا غير مقصود أو مباشر لبعض النماذج المماثلة التي كانت هي الرمز والقدوة لدى الشباب خلال فترة الثورة وما بعدها.

قدوة سيئة

أحمد حاتم أو يوسف حمل عبء البطولة المطلقة بشكل يمزج بين الوعي والحرفية، فهو وإن كان قد بدأ حياته الفنية بطلا للفيلم الشهير “أوقات فراغ” منذ سنوات، إلاّ أن عمله بالدراما التلفزيونية خلال الفترة الماضية زاد من خبرته وإتقانه للأدوار.

ذكاء المخرج بيتر ميمي يبدو جليا في تجنبه النقاش حول فكرة الاندفاع والغضب لدى الشباب بطريقة تقليدية

بدا أحمد حاتم أكثر تلقائية وتفاعلا مع الشخصية، خصوصـا أن مساحـة دوره تتصدر جميـع مشاهد العمل بعكس باقي الأبطـال الـذيـن لـم يكـن لأحـدهـم وجـود بارز مثل تارا عمـاد، وميريهـان، بـل كانت الأدوار الـمؤثـرة في الفيلـم ممثلـة مـن بعـض ضيـوف الشرف المشاركين في العمل، مثل الفنان يوسف شعبان، ومحمود الجندي ويسرا اللوزي.

يقف الإخراج في مرحلة وسط، فهو بالتأكيد لا يخرج بالمشاهد إلى المناظر الطبيعية أو ما شابه، لكنه ينحصر في الأغلب داخل شقة البطل وغرفته الإلكترونية التي تجري فيها عمليات القرصنة، بالإضافة إلى بعض مشاهد الخدع البسيطة ضمن الأحداث، والتي لا شك أنها أضفت على الفيلم طابعا مميزا، ولا سيما أن الأحداث تدور في عالم الفضاء الإلكتروني.

يبدو أن بيتر ميمي ككاتب لسيناريو الفيلم تفوّق على دوره كمخرج، فلم يكتف بالتعرض لما ذكرناه سابقا من مواضيع، لكنه ألمح أيضا إلى الارتباك والعبث اللذين يسيطران على المجال الإعلامي، إذ يكشف زيف الصحافة في فبركة الأحداث من خلال مشهد يجمع بين البطل وصحافية جسدت دورها الفنانة يسرا اللوزي.

فيلم “الهرم الرابع” الذي عرض مؤخرا في دور العرض المصرية يرجّح أن يكون عامل جذب للعديد من الشباب، خاصة أنه يتفق مع تفكير الشباب الحالي رغم طريقة التنفيذ الخاطئة التي اتبعها البطل في الفيلم، لكنها في الوقت ذاته أصبحت سمة للمجتمع خلال السنوات الأخيرة التي انتشرت فيها فكرة “أخذ الثأر بالقوة”.

16