الهروب إلى حضن المعلّم

غونزالو هيغواين الذي خيّل له أن المقام آمن وطيب في حضن السيدة العجوز، تحول بسرعة البرق إلى لاعب منبوذ وغير مرغوب فيه.
الأحد 2019/01/20
أمله الوحيد هو تجاوز كل المحن

بلا شك يمكن القول إن المهاجم الأرجنتيني غونزالو هيغواين يتصدر قائمة النادمين في عالم الكرة العالمية. فقد اتخذ في السابق قرارا جعله يقضم أصابعه من شدة الغيظ والحسرة، أما اليوم فهو ينتظر فرحا وفرجا للخروج من المتاهة التي دخلها طواعية دون أن يجبره أحد على ذلك.

غونزالو فعل بنفسه ما لا يفعل أي لاعب مغفّل آخر. لقد رمى بنفسه في أتون ساخن. مشى حافي القدمين إلى مرمى النيران. لقد ترك منذ موسمين نعيم نابولي هذا الفريق الذي كاد يساويه مع مواطنه والنجم السابق مارادونا من حيث “العظمة” والمكانة، واختار الرحيل إلى معقل اليوفي أو فريق “السيدة العجوز” الذي لا يهتم سوى بالتعاقد مع اللاعب الأفضل والأكمل والأنسب له.

منذ موسمين كان هيغواين يمنّي النفس بأن يعود إلى الواجهة الأمامية، كان يحلم بأن يلعب لفريق ينافس من أجل الألقاب والبطولات، ربما كان محقا نسبيا في التطلع إلى الأفضل والحصول على التتويجات كما كان يصنع في السابق مع الريال، لكنه أخطأ العنوان وأغرته أضواء تورينو، ليغادر مزهوا وفخورا صوب يوفنتوس.

لقد خان “العيش والملح” ووجه ضربة موجعة لنادي الجنوب الإيطالي. فبعد مواسم كان خلالها هذا اللاعب الأكثر سطوة وحظوة في الفريق أبى إلاّ أن يغدر به، فرفض تجديد العقد قبل أن “يفرّ هاربا” نحو السيدة العجوز غير عابئ بكل الوعود التي تلقاها من إدارة نابولي الساعية آنذاك لمنحه مكانة تاريخية لا يحصل عليها سوى الأساطير و”العظماء”.

تنكر غونزالو لكل من ساعده في هذه المدينة وهذا الفريق. أخلف بوعوده التي قدمها في السابق بخصوص بقائه إلى آخر لحظة في مسيرته الاحترافية بأوروبا مع نابولي. لقد جعل الجميع هناك، في تلك المدينة يتأفّفون من تصرفه الصبياني وخيانته غير المشروعة.

لكن من يحصد يزرع، وكل مخادع ينال الجزاء. فهيغواين الذي خيّل له أن المقام آمن وطيب في حضن السيدة العجوز، تحول بسرعة البرق إلى لاعب منبوذ وغير مرغوب فيه. فمجرد قدوم البرتغالي كريستيانو رونالدو إلى اليوفي أطاح به خارج الأسوار، وجعله يصبح عبئا ثقيلا في صفوف الفريق.

لم يجد من حل سوى الرحيل إلى الميلان، ذلك “الأسد الجريح” في مسرح المنافسات الإيطالية. أقنع غونزالو نفسه بأنه ربما قد ينجح ويقدر مع هذا الفريق المترنّح على أن ينتقم ممن أبعدوه سريعا من مدينة تورينو. كان يتوهم أنه قادر على الانتفاض مجددا كما حصل في السابق عندما “طرد” من الريال، فتألق كأفضل ما يكون التألق مع نابولي.. لكن ما كل مرة تسلم الجرة.

فتجربة هذا الفتى الواهم، هذا اللاعب الغادر والمغدور مع الميلان أوشكت على النهاية. كانت تجربة قصيرة للغاية لم تتعد ستة أشهر لم يجد خلالها اللاعب ما بحث عنه. لقد أيقن أن البقاء لفترة أطول ربما “يرسله إلى مصحة نفسية”. فطعنة السيدة العجوز كانت قاسية أكثر مما تخيل، لم يستطع أن يتخلص من آثارها.

وبعد أن دفعته “دوافع الانتقام” من اليوفي إلى تقديم مستوى مقبول في بداية الموسم وسجل ستة أهداف، طاردته بعد ذلك كوابيس الماضي وهواجس الحاضر، ليلقى مصيرا قاتما مع الميلان ويجد نفسه، دون أن يدرك مطالبا بالبحث عن تجربة جديدة.

كان هيغواين يمنّي النفس بأن يرد على اليوفي ضمن منافسات الدوري المحلي. أتيحت له الفرصة للرد حيث تبارى الميلان واليوفي منذ فترة، حصل على ضربة جزاء تقدم لتنفيذها، صوّب فأخفق. ومنذ تلك المباراة تراجعت أسهمه وتدهور مستواه بشكل واضح. ربما ظلت آثار الكوابيس القديمة تطارده إلى أن اتخذ قراره النهائي بالرحيل.

بحث في كل الأرجاء، ربما فكر في التكفير عن ذنبه وطلب السماح من نابولي، لكن لا سبيل إلى ذلك، فهيغواين بات منبوذا من الجميع هناك، قرر أن يغادر الدوري الإيطالي علّه ينسى همومه ويتطهّر من ذنوبه، فوجد الحل.

إذ قلّب دفاتره القديمة، ليجد أن مدربه السابق في نادي نابولي ماوريسيو ساري قد يوفر له الحضن الدافئ. فهذا المدرب الإيطالي الذي يشرف حاليا على نادي تشيلسي مازال يؤمن بقدرة الهداف الأرجنتيني على تقديم الإضافة.

حصلت مفاوضات أولية قبل أن تتحدث وسائل الإعلام المختصة عن اقتراب حصول اتفاق وشيك يقضي برحيل هيغواين إلى الفريق الإنكليزي بطلب من المدرب ساري.

ومما لا شك فيه أن إتمام صفقة انتقاله إلى هذا الفريق قد يكون أقصى ما يمكن أن يطمح إليه هيغواين. فهو جرّب طعم التتويجات في إسبانيا مع الريال قبل أن يجرب أيضا طعم الخروج من الحسابات. لقد جرب معنى النجومية المطلقة في إيطاليا مع نابولي، لكنه خسر كل شيء بجرّة قلم وبخطوة غير محسوبة عندما تحول إلى اليوفي.

أما اليوم وهو يقترب من “سن اليأس″ الكروي، فإن أمله الوحيد هو تجاوز كل المحن التي عاشها في بداية هذا الموسم. سيكون ممتنا للغاية لمعلّمه ساري الذي آمن به في السابق ودافع عنه في الحاضر. سيتعين عليه أن يغتنم الفرصة إن تحققت كي يكفّر عن كل ذنوبه ويحاول أن ينهي مسيرته في حضن دافئ بعيدا عن الشرور والغدر.

23
مقالات ذات صلة