الهروب الثقافي

السبت 2017/04/08

قد يبدو الحديث عن وعي الثورة إشكاليا ومثيرا للجدل، لكنه يظل أيضا جزءا من الحاجة إلى التغيير والى إعادة توصيف الأشياء التي تحوطنا وتُربكنا بما فيها الحاجات الثقافية والتي تتطلب وعيا بالمواجهة والإرادة وتحمّل المسؤولية والتخلّص من أعباء الخيبات التي تركتنا عند الحافات والنظر إلى الاستبداد والسياسي والثقافي بأنهما ظواهر اجتماعية قابلة للتغيير والفحص والمراجعة دونما مزيد من التورط بمازوخيا الهروب الثقافي.

الكثير من مظاهر أزمة الثقافة العربية تتبدّى في ذلك الهروب والنأي بالنفس إزاء أيّ مواجهة حقيقية مع الآخر المختلف والضدي، مقابل الانفتاح والتلذذ المازوخي في صناعة المزيد من العُقد المفتوحة لحروب الجماعات ورعبها، فهذه الجماعات باتت تنشطر بطريقة غريبة حتى لم يعد أحد يملك السيطرة على ضبط هذا التوصيف، لا سيّما وأنّ هذه الجماعات تجد لها دائما حواضن ومؤسسات ورساميل ومنظومات فقهية.

فضلا عن انغمار الإيهامي في التاريخ بوصفه الحائط الأخير الذي ينبغي التحصن الغرائبي في شقوقه، بما فيها الشقوق الطائفية والثقافية التي ترفض وجود أيّ قوة مجاورة للعقلنة والقبول بالحوار والانفتاح على ذلك الآخر المُلتبّس، فضلا عن أنّ هذه الجماعات وجدت في هذا الاتجاه صورة شائهة لتداول خطابها الإكراهي وخطابها التعويضي الذي يمكن أن تُبرر من خلاله موقفها إزاء أيّ فكرة للجدل والاجتهاد ولشرعنة مجالات الإصلاح والتنوير.

ناهيك عن موقفها الانتهازي إزاء فهم مصطلحات غير مستقرة في الجهاز المفاهيمي مثل العولمة والإمبريالية والاقتصاد المفتوح وحرب الاتصالات والتكنولوجيا والأمركة، والتي تغلغلت في المعسكرات والأدلجات والصناديق العائلية، حدَّ أنها صنعت صورة مشوهة للثقافي والديني والثوري التي باتت تصنع من الأوهام أكثر مما تُقدّمه عن روح الثورات التي نحتاجها.

السؤال الأكثر إثارة في هذا السياق يتعلق بـ”ماذا” فعلت الثقافة العربية إزاء ما يجري؟ في مواجهة الاستبداد والديكتاتوريات الغاربة والقابلة وهل أدرك المثقفون العرب خطورة انخراطهم غير “الثقافي” وغير “الثوري” في لعبة حروب الجماعات والتمرغ بتراب أوهامها.

ولعل ما نقرأه في الكثير من الصحف والمجلات العربية السياسية والثقافية الدليل الأكبر على ذلك، إذ باتت الكتابات موهومة بمواقف أيديولوجية وطائفية نتنة، وأحيانا تُرسَل بمواقف قصدية غايتها التعبير عن موقف سياسي إزاء هذه القضية أو تلك حتى نلمس كثيرا نوعا من الازدواجية المثيرة للاستغراب حول قضايا خلافية حول ما يجري في عالمنا العربي.

والأدهى ما في الأمر إن بعض المثقفين “الكبار” هم الأكثر تسويقا لهذه الكتابات التي تفتقر إلى الموضوعية والمهنية والتي تُغطّي نفسها بنوع من اللمعان البلاغي الذي لا يخفي ضآلة الفكرة وانحيازها لطرف معين ولموقفٍ يُعبّر في جوهره عن رؤية سياسية محكومة بأسباب معروفة ومرجعيات طائفية غير واعية أصلا.

الخطاب الثقافي المتداول لا يخرج عن أزمة الهروبات العربية، أزمة الخنادق والأوهام وأزمة النظر إلى الوقائع بعيون كليلة أحيانا أو عبر أقنعةٍ أو عبر استعارة مواقف مدفوعة الثمن، إذ تعبّر هذه المواقف عن إشكالات كبرى، إشكالات تعيد تصنيع المزيد من الأزمات وتؤجج المزيد من التناحرات الطائفية، فضلا عن تعبيرها النكوصي عن كاريكاتورية صورة البعض من المثقفين العرب والذين بدأوا وكأنهم يشبهون لابسي ثياب الإمبراطور القديم التي تناسب حجمه الضئيل، لكن البعض من المرائين يتحدث عنها وكأنها ثياب لعارضي الأزياء الذين يتبخترون أمام الآخرين المصابين بعمى الألوان والأشكال والمواقف.

لكن ذلك السؤال يعيدنا إلى “الخطوة الأولى” خطوة البحث عن الطريق الصحيح المؤدي إلى اليقين بالحاضر وضرورة تهيئة الظروف الإنسانية والثقافية والأخلاقية لكي يكون قريبا من المستقبل.

كاتب عراقي

15