الهروب من التسوية بالحرب الفلسطينية

الاثنين 2017/09/25

لست ممن ينشرون السواد أو يكتبون لنثر الإحباط، لكن التعامل بموضوعية يفرض علينا مناقشة الموضوعات دون هوى أو حسابات وتوازنات سياسية تتعلق بهذه القضية أو تلك.

المشهد الذي بدت عليه القضية الفلسطينية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وعلى هامشها يشي بعدم استبعاد عودتها إلى الواجهة قريبا، ويمكن أن تستحوذ مرة أخرى على اهتمام المجتمع الدولي، أملا في الوصول إلى تسوية سياسية ترفع المعاناة والحرج عن كاهل بعض القوى.

عناصر التفاؤل جاءت من رحم محددات عدة، أبرزها الشروع في ترتيب البيت الفلسطيني، وتمهيد الطريق لمصالحة وطنية، وتركيز مصر على تشجيع الأطراف المختلفة لولوج ما يعرف بـ“صفقة القرن”، وحض الراعي الأميركي على استرداد دوره، والتواصل مع روسيا كلاعب إقليمي مهم، ومحاولة تبديد مخاوف إسرائيل السياسية والأمنية والجغرافية، ناهيك عن تلويح الرئيس الفلسطيني أن السلطة الوطنية على المحك وربما تنهار إذا واصلت الحكومة الإسرائيلية تصوّراتها وإجراءاتها العدوانية.

محاولة وضع كل طرف أمام مسؤوليته عملية جيدة ويمكن أن تقود إلى تحريك قطار التسوية من المحطة التي توقف عندها منذ سنوات، لكن الحركة الحقيقية بحاجة إلى ثلاثة مستويات من الاهتمام، يجب أن تسير جنبا إلى جنب ليتسنى الحديث عن تسوية فعلية وليس أمنيات لدى من يحاولون الترويج لها كنوع من المسكّنات والبحث عن أدوار إقليمية، لأن قاعدة التشبث بالسلام الظاهر كعملية بحد ذاته تبعث برسالة طمأنة وتقطع الطريق على الحرب، لم تعد مجدية وتم تجريبها وفشلت وقادت في النهاية إلى اشتعال حروب كثيرة.

المستوى الأول له علاقة بالأجواء الإقليمية والدولية، فهناك خطاب دعائي إيجابي، ظهرت معالمه في اجتهادات بعض الدوائر، الأميركية والروسية والفرنسية والمصرية، لكنه لم يتمكن من بلورة رؤية واضحة تقود للجلوس إلى طاولة المفاوضات، فهذا الخطاب يظهر ويختفي حسب طبيعة المرحلة، ولتأكيد جدواه يجب أن يقدّم أصحابه طرحا له قابلية للتنفيذ، ومراعاة الممانعات والعراقيل الإسرائيلية، وعدم تجاهل المطالب الفلسطينية العادلة لتكون له مضامين على الأرض، فما معنى أن يتزايد الحديث عن تسوية في زمن تفتقد فيه إلى أبسط قواعد تطبيقها؟

المسافات البعيدة بين القوى الراعية من المشكلات الرئيسية، فلكل جهة تقديرات متباينة عن الأخرى، والبيئة القلقة يصعب أن تنتج تسوية مستقرة، ما لم يتم تجاوز عناصر التوتر بأدوات كفيلة أن تجعل السلام طموحا عند غالبية أطرافه، وامتلاك وسائل ضغط صارمة لمن يخرجون عن الإجماع الدولي، وحتى هذه اللحظة هناك أفكار متناثرة تطرح من دون جهود كبيرة كي تكون لها ظلال على الأرض، وكأن كل طاه يجهّز الوجبة التي يريد أن يتذوقها على مزاجه فقط، ما يفتح المجال للحرب وليس السلام.

لم تقدم تل أبيب ما يثبت أنها راغبة فعلا في التسوية، ومعظم التوجهات والتصرفات تسير عكس الاتجاه، لأن الاستيطان يتوسع ويتوغل، وتقطيع أواصر الأراضي الفلسطينية لا يهمد، والاستفزازات بشأن السيطرة على الأماكن المقدسة تتزايد.

المستوى الثاني يخص الرواسب الإسرائيلية الحاكمة، حيث لم تقدّم تل أبيب ما يثبت أنها راغبة فعلا في التسوية، ومعظم التصرفات تسير عكس الاتجاه، لأن الاستيطان يتوسّع ويتوغل، وتقطيع أواصر الأراضي الفلسطينية لا يهمد، والاستفزازات بشأن السيطرة على الأماكن المقدسة تتزايد، والتضييق على تحركات المواطنين يتواصل بوتيرة مزعجة، والسباق نحو التطرف يتكاثر في صفوف المجتمع الإسرائيلي، كما أن الأجواء الإقليمية تسير في اتجاه داعم لحكومة بنيامين نتنياهو، فلماذا تقبل بتسوية تجبرها على تقديم تنازلات غير مضطرة لها وبإمكانها التنصل منها؟

بافتراض أن القوى الإقليمية نجحت في حشر إسرائيل في زاوية ضيقة تجبرها على دخول محادثات سلام، فلن تعدم تل أبيب إيجاد مبررات وذرائع تقنع بها الحلفاء والمؤيدين والمتعاطفين رفع أيديهم عنها، بل يمكن أن تقدم على مزيد من الانتهاكات والجرائم ما يربك المشهد العام برمته.

وقد أفصح عدد من ساستها عن نوايا عدوان جديد يمكن شنّه على قوات حزب الله في لبنان، ومزيد من الضربات ضد قواته في سوريا، وبسهولة تستطيع تسخين الأوضاع في قطاع غزة، وربما إجبار عناصر كتائب القسام التابعة لحماس للرد العشوائي على إسرائيل، بمعنى أن خيار الحرب سيظل مقدّما على السلام المستحيل.

من هنا نصل إلى المستوى الثالث ويخص حماس الفلسطينية، التي قبلت على مضض حل لجنتها التي تدير غزة والقبول بعودة الحكومة الفلسطينية والإعلان عن الدخول في مصالحة وطنية، وقبل ذلك حركات مسرحية تتعلق بتعديل ميثاقها الأول والزعم أنها تخلّت عن روابطها مع جماعة الإخوان، كما أن تقاربها مع القاهرة والموافقة على الإملاءات الأمنية والسياسية لهما دلالات إقليمية غير خافية، ما يكبدها خسائر لم تكن تقبل بها لو أن ظروفها أفضل حالا، لذلك سوف تبحث قريبا عن خلاص مناسب لهذا المأزق.

الخيار الوحيد المتاح أمام حماس أن تستمر في الطريق الذي رسمت القاهرة ملامحه بعناية مؤخرا وتتحمّل تكاليفه الباهظة، لأنها حركة انتهازية من الصعوبة الوثوق في وعودها، ولن تتوقف عن إيجاد نافذة تقفز منها للهروب من الالتزامات التي فرضت عليها، ولن تجد أنسب من الاحتكاك بإسرائيل والانجرار وراء أي بادرة للحرب، فهي الباب المناسب للتنصّل مما قبلته من مصر، والذي سيعيد لها قدرا من التعاطف الذي فقدته بسبب انخراطها في أنشطة الإخوان وانجرافها نحو قطر، والمبرر المأمون لتمسكها بالسيطرة على قطاع غزة.

المثير أن السعي نحو الحرب تحوّل إلى منقذ أو مخرج لكل من إسرائيل وحماس، وتبدو غيومها تلوح فوق سماء المنطقة، وتفتقد القوى الفاعلة لروادعها اللازمة، وربما تتكاسل ولا تريد أن تمارس دورا لوقفها مبكرا، وفي الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأميركية عن السلام كعنصر مهم لضبط الانفلات في منطقة الشرق الأوسط، قامت بالإعلان عن إنشاء قاعدة عسكرية في صحراء النقب بإسرائيل، ما يؤكد أيضا أن خيار الحرب أقرب من السلام الآن.

لا أقصد وقف الجهود التي تبذل من جانب أطراف مختلفة، بل عدم توقفها ومراعاة أن البيئة غير مناسبة لهذا النوع من التحركات البطيئة الغامضة، ومن الضروري العمل على ردع التوجهات الرامية للحرب قبل وقوعها.

كاتب مصري

9