الهروب من "القطيع"

السبت 2014/11/01

تدهشنا تصرفات البعض، والكيفية التي يقيمون بها الأحداث والزاوية الضيقة التي ينظرون من خلالها إلى الوقائع. وأكثر ما يميز أحاديثهم وحواراتهم مع الآخرين، غياب المنطق وتغييب العقل، وما يتفرع عن هذا وذاك من الإيمان بالشيء ونقيضه في وقت واحد، وتأييد بعض الآراء صباحا والتخلي عنها مساء وتأليه بعض الأشخاص في الماضي القريب ولعنهم في الحاضر، حتى يصل بهم الأمر إلى إصدار الأحكام المتسرعة على عباد الله الصالحين والطالحين دون وجه حق، سوى الحق الذي يكفله لهم جمهور الأغلبية الذي يعاند دوما جادة الصواب.

يأتي الحكم الدقيق على الأشياء والناس والأحداث من خلال التفكير المتعقل والمنطقي، الذي يزن الأمور بميزان واحد ويبتعد عن الميل إلى الأهواء والانتماءات والتحزبات أيا كان نوع الارتباط بها، لكن بعض الناس وبسبب من هذه الانتماءات، يعجزون حتى عن التمييز بين الخطأ والصواب بل يعجزون عن تشكيل آراء خاصة بهم تعكس تجاربهم الشخصية في الحياة، بسبب خوفهم من عواقب الخروج غير الآمن عن رأي (قطيع) الأغلبية. وحين يجد المرء نفسه محسوبا على إحدى هذه المجموعات- رغم أنفه – سيصاب بالذعر حتما خوفا من احتمال استشراء العدوى والانخراط دون وعي في صفوف الأغلبية. الشخصية اللاواعية التي تتشكل لا إراديا من خلال الانتماء إلى فكرة ما أو الانغماس قسرا في محيط اجتماعي معين، استفزت العديد من علماء النفس، حيث شبهها بعضهم بالاستعمار بسبب طغيانها واستبدادها ومحاولاتها المستمرة للسيطرة على منابع التفكير الحر والعقل والمنطق وإلغاء الشخصية الحقيقية الواعية. وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فوصفوا الأفراد من ضحايا اللاوعي السياسي والاجتماعي بالمنوّمين مغناطيسيا، حيث تتلاشى خصائص الفرد الأساسية ويوجه قسرا بوساطة التحريض والعدوى إلى تبني عواطف وأفكار معينة تقتضيها مصلحة جماعة (الأغلبية) أو بالأحرى مصلحة الفرد القائد المسيطر، أو الحاكم بأمره، الدكتاتور (الأوحد) أو أمير الجماعة.

الطبيب والمفكر وعالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون، هو أول من تنبّه إلى هذه الإشكالية منذ قرن من الزمن، من خلال تجواله في أرض الله الواسعة واحتكاكه بشعوب وقبائل كثيرة على امتداد رحلاته (الاستكشافية) في عالم الشخصية، فكان كتابه “علم نفس الجماهير” أو “سيكولوجية الجماهير” بمثابة ثورة في علم النفس الاجتماعي، وعصارة لتجارب بعض الجماعات البشرية والأوطان التي ابتليت بتسيّس اللاوعي لأفرادها للسيطرة على مقدراتهم، وقتل إرادتهم واستخدامهم كوسيلة لتحقيق أهداف الجماعة المتسلطة، التي تحولهم إلى أبواق تنعق ولا تعقل وأفواه تقول ولا تفقه.

وبحسب لوبون وفي مرحلة ما، تصبح الشخصية الواعية مغمًى عليها، وتصبح إرادة التمييز والفهم ملغاة، ويصبح الخروج من قبضة الأغلبية والانفلات من (القطيع) مهمة شاقة للبعض الذين يحلو لهم الاستسلام للآخرين والانصياع لأفكارهم وربما التطبيل لها، حتى إذا كان هذا مخالفا للمنطق والحقيقة الساطعة وعصيا على الفهم. ولهذا السبب، يتحمل هؤلاء الضحايا- الجناة وزر الأخطاء والكوارث التي تقع على رؤوسهم قبل غيرهم. ولهذا ينصح الكاتب الأميركي الساخر، مارك توين، أيضا بضرورة المحاولة للانفلات والهروب في أقرب فرصة ممكنة من قبضة الجمهور، فكان يقول: “كلما وجدت نفسك في طريق الأغلبية، فقد حان الوقت لتتوقف وتغير اتجاهك”. متى يحين الوقت يا ترى؟.

21