الهروب من القفص

السبت 2016/01/23

الخوف من المجهول، هو القيد الذي يمنعنا عن الخروج من القفص، قفص جميل واسع مريح ومؤثث بالأمان يمنع عنا شرور العالم الخارجي، طالما استسغنا البقاء فيه وركنا إلى عزلتنا خوفا من الخروج إلى التجربة والمحاولة والوقوع غير الآمن في الخطأ. أن تختار بين الأمان بكل ما يوفره لك من راحة بال وهدوء نفسي وسلام أو الحرية بكل ما تعنيه من تمرد وقفز غير محمود العواقب على سلّم الخيارات، خيط رفيع، هو خطوة واحدة بين التجربة أو اللاتجربة.

كثيرا ما يظهر هذا التعارض بين الحرية والأمان، عندما نقبل على اتخاذ قرارات جديدة ومهمة في حياتنا، فقد نختار بين السفر مع كل ما يعنيه من مرح وحرية التنقل وتغيير دفة أقدارنا خارج دوامات الحروب واستكشاف أماكن جديدة أو البقاء في المنزل والتمتع بالاستقرار والأمان ودفء الموقد. في حين يفاضل العازب بين الارتباط وهي مغامرة قد لا تحمد عواقبها وبين حرية كونه أعزب بإرادته، وهو لا يختلف كثيرا عن المتزوج الذي يختار أن ينهي علاقة زواج فاشلة فيغامر بالتخلي عن الاستقرار الذي اعتاده في حياة زوجية طويلة، ليبدأ حياة جديدة لا تخلو من المغامرة سواء أكان بمحاولة التكيّف مع حياة الوحدة أو محاولة الدخول في علاقة جديدة ربما لا يكتب لها النجاح.

وضع عالم النفس الأميركي إبراهام ماسلو، الحاجة إلى الأمان في أولويات تسلسل هرم الحاجات التي حاول فيها أن يصيغ نسقا مترابطا من الحاجات الإنسانية التي تمثل طبيعة الدوافع التي تحرك السلوك الإنساني وتحدد اتجاهه.

في هذه النظرية، يفترض ماسلو أن الحاجات تنتظم في تدرج متصاعد، وكانت في مقدمتها الحاجات الفيزيولوجية ثم الحاجة إلى الأمان من حيث الأولوية والأهمية وهي تشمل الإحساس بالأمن والثبات والنظام والحماية وغيرها من مصادر الشعور بالاستقرار النفسي.

أما ما يحدثه غياب مثل هذه الحاجات وضغطها، فيمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول ومن الغموض والفوضى بل والخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة، لكن ماسلو يعتقد بأن هناك ميلا إلى المبالغة في تقدير حاجة الإنسان إلى الأمان بشكل غير مسوغ. والأمثلة على ذلك كثيرة، فالبعض قد لا يتجاوز الضغط النفسي الذي تولده هذه الحاجة، فيميل إلى الاحتفاظ بوظيفة غير مجزية ولا تحقق طموحاته المادية والمعنوية خوفا من المغامرة وخسارة الأمان المادي، في حين يتخلى البعض الآخر عن التعبير عن أفكار يؤمن بها وبجدواها خوفا من اتهامه بالغباء.

وهكذا تتوالى الخسارات، التاجر الذي يرفض المغامرة والدخول في صفقة جديدة خوفا من خسارة المال أو الزوجة التي تقبل بمواصلة حياة زوجية فاشلة وتفضل استمرارها على علاّتها خوفا من الوحدة أو كلام الناس.

أما السؤال المهم الذي يأتي في خضم هذه التعقيدات، هو كيف سيكون شعورك وأنت ترى نفسك في آخر العمر وما زلت قابعا داخل حدود هذا القفص الذي منحك الإحساس بالأمان وسلب منك كل أمل في لحظات فرح وانطلاق، حرمت فيها من متعة السير في دروب لم تقطعها وأناس لم تلتق بهم وأحلام مجنونة لم تستطع تحقيقها؟ بل وضيّعت الفرصة على نفسك، حين لم تمتلك الشجاعة الكافية يوما لتصرخ بوجه أحدهم أو إحداهن “اخرجوا من حياتي فقد سئمت عنجهيتكم!”. جربوا أن تخرجوا قليلا من هذا القفص، فالهواء منعش في الخارج.

21