الهروب من الكابوس

الأحد 2016/04/24
في لحظات الرعب يتجمد الحرف في عروق القلم

الكتابة فعل تربية الحرف على طرف هاوية. الكتابة فعل إنشاء الظرف على نقيض الحياة. الكتابة هي تدوين المشهد قبل اختراع "الكاميرا". والكتابة هي استنهاض الموت بعد تاريخ كتبه أحد المنتصرين. في أوقات الحب نحوّل لحظات لا يقوى فيها المظروف على مقاومة إغراء نص العشق وفي تلك الحالات يكون إغواء الكلمة مدهشًا. في أوقات السكينة لا نحتاج سكينًا لنرسم بها لوحة زيتية، يكفي أن نملك قلمًا وورقة وموهبة كي نصنع من لحظة عابرة مزارًا للحكمة يطوّق رغباتنا ويدفعنا للاستمرار نحو الأعلى.

في لحظات الرعب، الخوف، الدّم، الحرب، الموت، يتجمد الحرف في عروق القلم وينام على كتف الورق كل ما يمكن أن يقال. حين يثقل الهم كتف الكاتب بين تأمين الدفء لعائلته أو إنقاذهم من براثن المجازر حين يطوي السّقفُ السّقفَ، لا سقف وقتها للكتابة سوى عن الألم.

الألم هذا النخر المستعصي على إنهاء المشهد، وكمسرحي يحاول ختم السيناريو بعبارة رنّانة تترك الحاضر عالقًا بدهشة المحتوى. كعالم يحاول ختم أطروحته بمعادلة تلخص كل التجارب التي قام بها كي يحرّك التاريخ عن سكتّه باتجاه معاكس، كخبّاز يضع الرغيف في فرنه وهو يتخيل أن النار هناك ستنضج الحالة، ولا حالة هناك سوى الموت، ماذا عسانا أن نكتب؟!

حين يصبح فعل الكتابة كالسّير في حقل ملغّم بالأفخاخ السّياسية والتوجهات الفكرية يصبح الإنسان هو الرقم الأضعف. حين يصبح فعل القتل بمختلف الطرق هو السائد بلونه الأحمر المشتقّ من السّواد والسّواد المشتق من الأحمر يكون العقل مصفّدًا بسلاسل وأقفال كبيرة. حين تحاول تدوين المشهد بوحشيته وتغرق الصفحة بدمعك تصبح أنت السوري الغارق في أحد مراكب الموت بحثًا عن مكان آمن.

تخيّل معي أنك تمسك قلمًا وتحته ورقة تئنّ بانتظار نشوة الكلمة لكن الجدران حولك تنزف، الأرض تشتعل، وطاولة المكتب تنهار أمام سيل الحزن القادم من أعلى. تخيّل معي أنّك تحاول جاهدًا إرغام الحبر الأزرق الفاضح أن يشقّ طريقه على شوارع مدماة. أن يرسم بالكلمات قوس قزح وضحكة مراجيح تنادي الأولاد. تخيّل أن الحبر ذاته كان يكتب دعوة لعرس وفي الأعراس زنبق بلدي يغرق أنفاسك بعطره. تخيل أنك ببلد وقع على ركبتيه ولا يسمح له بالنهوض، تخيل أن الفرح مرَّ من هنا.. تخيّل أنت ككاتب وانقل ما كان على ورق مبلل بالدّمع.

الكتابة تحت سيل القذائف ومن قلب المعارك تشبه الكتابة من قلب البحر وأنت تصارع الموج من أجل نفس أخير. أجل! الكتابة من قلب المعركة وأنت تصغي إلى صوت الرصاص معتبرًا أنك خبيرٌ بتفنيد نوع السلاح الصادر منه ومسافة إطلاقه يشبه إلى حد كبير الهرب من كابوس مستمر وحقيقي.

أما الكتابة من قلب مخيّم على حدود رسمها قلم فهو كالقفز على الحبل وأنت تستذكر قول الراحل غسان كنفاني "خيمة عن خيمة تختلف".

كاتبة من سوريا

15