الهروب من دمشق إلى بيروت ومنها إلى أي مكان

فيلم "ثوب العيرة" وثيقة إنسانية عن معاناة شعب مشتت وهو أشبه بقصة محكية سيتداولها الأبناء عن الجدات .
الأربعاء 2018/12/12
على حافة وطن مستعار

منذ بداية العام 2012 تقريبا وعلى مدى العشرات من الرحلات البرية إلى بيروت لأستقل الطائرة، سمعت المئات من القصص عن السوريين، إلى درجة بات معها الطريق البري المؤدي إلى بيروت عبر دمشق في نظري، أو كما كنت أدعوه طريق العابرين إلى الشتات، المئات وربما الآلاف من السوريين مروا عبر هذا الطريق إلى بيروت مكرهين أو راغبين، إما للإقامة فيه كلاجئين وإما كعابرين في سبيل السفر إلى بلدان أخرى، عبر رحلات الموت أو عبر رحلات أسهل وأوفر حظا.

دمشق - بعد أن انتهيت من مشاهدة فيلم "توب العيرة" الذي عرض مؤخرا على شاشة إحدى الفضائيات العربية، وهو فيلم وثائقي من إنتاج العام 2018، انتابتني حالة من الكآبة، واسترجاع مريب للمئات من القصص والذكريات التي كانت تثقب جسدي وقلبي قبل ذاكرتي وتؤلمني، رحلة بعد رحلة، رغم أن أصحابها ذاهبون إلى الفرج كما يعتقدون أو كما هي الحقيقة.

العائلة المشتتة

فيلم “توب العيرة” الذي أخرجته مؤخرا وكتبت السيناريو لين الفيصل خريجة الجامعة الأميركية في دبي، ليس فيلما تقليديا أو حتى اعتياديا، إنه وثيقة إنسانية ستكون يوما ما  كمرجع يسجل المعاناة النفسية التي عاشها السوريون المضطرون لمغادرة بلادهم مكرهين، إنها أشبه بقصة محكية سيتداولها الأبناء عن الجدات، وهو فيلم من نوع أفلام السيرة الذاتية على اعتبار أن المخرجة واحدة من أفراد تلك العائلة التي تروي قصتها، إنه فيلم لا يخوض بالحرب الدائرة في سوريا، ولا حتى برحلة اللاجئين إلى بلاد الشتات، بقدر ما يخوض في الجانب النفسي والإنساني الذي تتعرض له شخصيات الفيلم، ومن ضمنها المخرجة بطبيعة الحال.

رغم أن الفيلم يحمل لحظات من الارتجال وبعض الهفوات الإخراجية على اعتبار أن المخرجة، هي نفسها المصورة والمونتير، التي نسمع صوتها بين الفينة والأخرى في حال استدعى الأمر سؤالا منها، يبقى فيلما هاما وجديرا بالوقوف عنده، لما يحمله من مضمون يتفوق فيه على أي خلل فني في حال وجد.

رحلة اللاجئين إلى بلاد الشتات
رحلة اللاجئين إلى بلاد الشتات

ولقد سبق لأفلام وثائقية أن حظيت بمشاهدات عالية ونالت جوائز، رغم أنها مصورة بكاميرا الموبايل أو حتى كاميرا مخفية لأسباب أمنية، وسبق لمهرجان الإسماعيلية المتخصص في الأفلام الوثائقية، أقدم المهرجانات في الوطن العربي، أن كان سبّاقا في تقديم تلك الأفلام، التي تحمل في النهاية مضامين نفسية وإنسانية إلى درجة يتعالى فيها المشاهد عن أي أخطاء أو هفوات تصدر عن صّناعها لأسباب غير إرادية أو حتى ظرفية.

بعد أربع سنوات من البعد عن العائلة بشكل شبه تام، تسمح الظروف للمخرجة المقيمة في دبي، بلقاء البعض من أفراد عائلتها، وتحديدا خالتها دعاء وبناتها في بيروت، الدولة التي توقفوا عندها كأول محطة بعد خروجهم من دمشق، وتنسج المخرجة قصتها عبر عدة خطوط موازية ومرتبطة بعضها ببعض، بداية من شخصية الجدة السيدة سهام الكبيرة في السن التي ارتأت أن تناديها بـ”سوسو”، (العمود الفقري ليس فقط للعائلة وإنما أيضا للفيلم)، وقد اضطرت لمغادرة منزلها في دمشق، والتحقت بإحدى بناتها في دبي، لكن هاجس العودة إلى الوطن متمثلا بالمنزل، وكل ماله علاقة بالحنين، ظل يلاحقها إلى أن عادت بالفعل، ولكنها هذه المرة عادت وحيدة، رغم أن لديها سبعة من الأبناء فرقتهم الحرب في بلاد الله الواسعة، تقول الجدة “راحت بيوت العائلة، لا أعرف ماذا أصنع بنفسي.. كيف يمكن لإنسان كبير في السن أن يعيش لوحده وهو في الوقت ذاته من أحوج الناس لأولاده“.

ثوب لا يدفئ

على جانب آخر تلاحق المخرجة عبر عدستها، الخالة دعاء التي سمحت لها الأمم المتحدة باللجوء إلى النرويج بعد أن أصبحت وحيدة برفقة ابنها سعد ومغادرة بناتها، في حين اضطرت للإبقاء على ابنها الشاب الذي لم يتجاوز بعد الثامنة عشرة في بيروت وحيدا، بلا أي قريب، لأن مسألة عودته إلى دمشق باتت مستحيلة بعد مغادرة الوالد إلى ألمانيا، ومسألة بقائه في بيروت أشد صعوبة وخاصة أنه يقيم بطريقة غير شرعية.

إنها قصة عائلة سورية متوسطة الدخل، تضطرها ظروف الحرب للرحيل وخاصة بعد فقدانها التعسفي لبيوتها السبعة، لحظات من الفراق والفراغ والرحيل التدريجي، تسجلها كاميرا المخرجة بكل سلاسة وانسيابية وإنسانية، إلى درجة أن المشاهد يشعر أنه راحل مع أفراد تلك العائلة فعلا، مخلفا وراءه حزنا وألما لذلك الغياب، وهي عائلة تشابه في وضعها الإنساني المئات وربما الآلاف من العائلات السورية أو العربية التي عانت ظروفا مشابهة نتيجة الحروب، كما حصل مع اللبنانين أنفسهم والفلسطينين والعراقيين وغيرهم من الشعوب ممن اضطروا، وهم المعززون المكرمون الآمنون سابقا في أوطناهم، لمغادرتها إلى بلاد قد تلفظهم أو لا ترغب بهم، وتمرر المخرجة صوتا سريعا لطلاب مدرسة يهتفون “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”.

الحلم الحقيقي في العودة يوما ما إلى الشام
الحلم الحقيقي في العودة يوما ما إلى الشام

دون أن تتوقف عند هذا الهتاف المعروف في المدارس مع أناشيد الصباح، وحتى دون أن تعلق بكلمة، ليفهم المشاهد، على الأقل السوري، المعنى المرجو منه، أننا لسنا أمة واحدة، وأن الغرب هو من فتح لنا أبوابه. ورغم ذلك لم ولن نشعر بالدفء فيه، لأن “توب العيرة” لا يمكن أن يدفئ طالما عرفنا أنه ثوب سيعاد يوما ما إلى أصحابه وليس ملكا لنا “لأن ثوب العيرة لا يدفي وإن دفا لا يدوم”، كما يقول المثل الشعبي، إنها بالنهاية مجرد أوطان أو حلم بوطن، لا يمكن في يوم من الأيام أن يكون لنا، أو أن يعوضنا عن أوطاننا، بل إن الحلم الحقيقي يتمثل في عودتنا يوما ما إلى سوريا، أو كما شاءت المخرجة تسميتها “الشام”.

الفيلم أشبه برسالة إلى بعض اللاجئين السوريين الذين غادروا بلادهم مكرهين، إننا لن ننساكم، أما للدولة التي تستقبلكم فارحموا عزيز قوم ذل.

والفيلم من إنتاج سارة حسن بالتعاون مع شركة كريتيف ميديا سوليوشن، وبدعم من مؤسسة بدايات، وسبق للفيلم أن شارك في مهرجان طريق الحرير السينمائي في دبلن أيرلندا وحصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل، كما حظي بالعرض العالمي الأول في مهرجان لندن لصانعي الأفلام، وعرض مهرجان كرامة بيروت وغيرها من المهرجانات.

14