الهزيمة أن تفتش عن وجهك ولا تجده أبدا

العالم ملوث بنا، ونحن ملوثون به، الشعر واسطة لنقل استيائنا المتبادل من بعضنا البعض، ولولاه لامتهنا القتل، ولولا أن نسرح في هذا الخيال الغارق بالتأمل، لم نكتشف إلى الآن علة الاستمرار في الكون الذي تملأه الخيبات والهزائم، هذا بافتراض أن ثمة من بلغ مدى الاستمرار، فثمة آخرون مازالوا يعرفون أن حتى هذا الاستغراق هو قتل لكنه من نوع.
الأربعاء 2016/08/17
ضياع الوجوه في عالم متشظ

في مجموعتهِ الشعرية البكر الموسومة بـ”دع للأناشيد غبارها”، يأخذنا الشاعر العراقي أحمد ساجت شريف لاجتراح قراءة مبسطة لتلك العملية، لكنه يقرأها من زاوية أخرى، أو أنه يمثل الصوت الآخر، المهمش، الخفيض، الغائب، المُقصى، الذي وقع عليه فعل القتل، لكنه لا ينتصر له، بقدر ما يضعنا أمام محاكمة لكلا الطرفين، بوصفهما قاتلين فحسب.

هذه المجموعة التي بناها الشاعر على جملة من الثنائيات، أبانت عن شعور دفين بالهزيمة والانكسار في ظل عالم متشظ ومليء بالقسوة، وهنا يمكن الحديث عن التشارك والتساوي كمفهومين متقاربين ظاهريا على الأقل، في تعريف أو على الأقل خلق تصور بسيط عن رابط مشترك يعيد قراءة مسارات حياة صاخبة بوصفها عملية قتل لا أكثر.

الهزيمة والتلاشي

في المجموعة الشعرية ”دع للأناشيد غبارها” الضاجة بالهزيمة والانكسار والتلاشي والتشظي والخيبة، تجدك أمام تعريفات يحاول الشاعر، إعادة تموضعها في الفهم من وجهة نظر شعرية، أو على الأقل يحاول إزالة اللبس الحاصل من كلا طرفي المعادلة، ففي نص “ما بقي وما يجيء”، يضعنا أمام تعريف آخر للهزيمة، لا بوصفها عملية اندحار مادي فحسب، بل بوصفها عملية إجهاز على الذات من الداخل قبل أن تكون فعلا خارجيا، يقول ساجت شريف “الهزيمةُ/ أن لا تقتنص عزلة مضيئة / في تلك الضجة الباذخة / الهزيمة / أن تعود مبكرا إلى قبوك/ لا إلى فضائها وأنت تحمل خردة عمرك على الأقل”.

ويواصل عبر هذا النص وضع تعريف للهزيمة، إلى القول “الهزيمةُ إلا / تقتنص وجهك من بين هولاء الأموات”.

الشاعر ينقل في هذه المجموعة أجواء الهزيمة التي يعيشها وطن ممزق بين الحروب والتشريد، وطن دمره الخراب

أما في نص “دعني افترض” فإنه يشير إلى الهزيمة مرة أخرى، باعتبارها مآلا حتميا، فلم يربح أحد من عملية القتل المتبادل، سوى الهزيمة وحدها، يقول “دعني / مثلا أسير كمجنون بزي محارب/ أمتهن عد التوابيت بدمعة يقظة/ دمعة تتكلس كذبا في حافة الوجه / تلويحة لنصر لم يحدث”.

وطن ممزق

ينقل الشاعر العراقي في هذه المجموعة أجواء الهزيمة التي يعيشها وطن ممزق بين الحروب والتشريد، وطن هزته القلاقل، ولم تعد ترى فيه سوى مشاهد الخراب وأصوات التفجيرات بصعود حمى الاقتتال الطائفي، يقول في نص “بحث” حيث يواصل الشاعر تصوير الهزيمة بوصفها تشظيا واندحارا، وبوصفها نهاية لجنون إنساني مستمر، وهو يحاول أن يشير إلى أن ما يقصده الإنسان من حروبه الطويلة لن يتحقق مطلقا، بقدر أنه يواصل تمزقه وحسب، “دلني على بهجة كاذبة/ على شفة تعتزم الضحك/ على وجه لم تمزقه الحرب”.

ويأخذنا الشاعر في نص “خذلان” إلى الحرب باعتبارها، وجها آخر للهزيمة، هزيمة الإنسان الذي يقبع في الذات، هذا الإنسان الذي تحوّل إلى وحش كاسر كشّر عن أنيابه لأخيه، وفتك به، في حكايات أليمة، نراها مكررة في جلّ الأوطان العربية، جرّاء الحروب والدمار الذي انتشر في كل مكان، هذا الإنسان حين ينفلتُ منه زمامه يتحول إلى مجرد مدونة في ذاكرة القتل، يقول الشاعر “الحربُ لم تكن كناية عن احتراق الأجساد/ لم تكن مدونة الجنود الذين غابوا في حروبها المشتعلة/ لم تكن إلا هذا الحزن الذي يتبرعم فوق شفتي ولا يتوقف/ لوحدي أعد وجوه الخذلان التي تتدفق على مرايا الحضور / لوحدي / أخوض هزائمي المتكررة”.

الإنسان تحول إلى وحش كاسر كشر عن أنيابه لأخيه وفتك به، في حكايات أليمة نراها مكررة في جل الأوطان العربية

يظل الشاعر أحمد ساجت شريف في نص “مهادنة صامتة” في دوامة الهزيمة ذاتها، فمحاولات الهرب منها، تفلح أحيانا، ولكنه سرعان ما يعود إليها من جديد، فحتى إن تحقق النصر في الخارج حين تهرب من آلة القتل، إلا أنك تبقى في النهاية محكوما بالتفكك من داخل ذاتك، حين يتفكك المحيط كله، إثر الحرب بوصفها هزيمة كبرى للإنسان، يقول “أغمسُ وجهي في سراب التمني/ أضفي / لونا محتملا / على تلال الخراب التي تحيط رأسي/ وأثقب الذاكرة / لكي يتسلل الغياب”.

وإذا كانت في النص السابق محاولة للهرب من تلك الفاجعة التي حلت بالوطن، فإن الشاعر يدرك في ما بعد أن لا خلاص له حتى بافتراض أن الغياب يمكن أن يكون بابا لولوج عالم خال من مرارة الهزيمة، يقول في نص “أنت رهين حتفك” في نبرة حزينة وبألفاظ تعبّر عن المرارة المتكررة “لموعد مع خذلان آخر/ لمسيرة إلى فجر مليء بالمصادفات/ أو لإزاحة الستار عن موت جديد/ لا شيء يختلف/ أنت رهين حتفك”.

يشار إلى أن الشاعر أحمد ساجت شريف، من مواليد الناصرية (جنوب العراق) العام 1983، حاصل على البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين.

14