الهلالي الشربيني قبطان التعليم الذي يقاوم الغرق في بحر الجهل

السبت 2015/11/28
أكاديمي حاد الطباع ينشد النجاح ولا يجد الوسيلة لتحقيقه

القاهرة - تولي حقيبة وزارية في مصر، يترافق غالبا مع حالة من “الشو” الاعلامي يسعى إليها الوزير المكلف لإبراز إنجازاته على الرأي العام، وربما كبار المسؤولين في الدولة، مع التغافل عن إخفاقاته.

لكن وزير التعليم الجديد سلك نهجا معاكسا منذ يومه الأول في منصبه، حيث فضّل الدخول في حالة من البيات الإعلامي، بعيدًا عن أيّ مؤثرات خارج حدود عمله، لدرجة أنه نادرا ما يظهر في وسيلة إعلامية تاركا المهمة لمعاونيه.

سلوك الهلالي الشربيني وزير التعليم في مصر، قد يبدو التزاما بنهج رئيس حكومته شريف إسماعيل، بالابتعاد عن الإعلام، تجنبا للتصيد أو السقوط في دوامة التصريحات المثيرة للجدل، التي قد تؤدي لإثارة الشارع ويهدم بذلك ما تأسس من خطوات إيجابية، وقد تكون غضبا من الحملات الإعلامية المكثفة ضده، عقب اختياره للمنصب بدعوى أنه يخطئ في اللغة العربية.

فقد كان الرجل أكثر وزير أثير حوله الجدل بعد دقائق من أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية، بعد أن اكتشف المصريون أنه ناشط سياسي ومناهض لكل ما هو ضد الدولة، مثلما أنه شاعر وكاتب خواطر.

فهو لا ينتمي لحزب بعينه، لكنه في ذات الوقت تثيره الحركات الثورية، لم يكشف نفسه بنفسه، بل كشفته تغريداته التي سطّرها على حسابه الشخصي على فيسبوك، طوال الفترة التي سبقت تكليفه بالوزارة.

عدو الإعلام

ابتعاد الرجل عن الإعلام، لم يكن بمحض إرادته، لكنه أجبر على هذا بشكل أو بآخر، بفعل الحرب الشرسة التي تعرض لها من بعض الصحف والمحطات الفضائية، التي قلّبت في دفاتره القديمة ونشرت تقارير عدة عن توجهاته الفكرية، ماذا يحب وماذا يكره، وأيّ القوى السياسية والحزبية والحركات الثورية التي يظهر لها الرجل كثيرا من العداء؟

هذه المسألة أوقعته في حرج بالغ، حيث تحوّل الرجل إلى مادة خصبة للتقارير الصحفية والتليفزيونية، ليس بدافع ميوله فحسب، لكن الأمر تجاوز ذلك إلى حد اكتشاف أخطاء إملائية فادحة في التغريدات التي كان يدوّنها على فيسبوك.

هذا الأمر أثار استغراب متابعيه، فكيف لرجل يتولى منصب وزير التربية والتعليم ولا يجيد القراءة والكتابة ولديه أخطاء إملائية قد لا يقع فيها طالب في المرحلة الابتدائية؟

لكنه سارع بالرد على هذا الأمر، في أول تصريح إعلامي له بأنه “غالبًا ما يكتب بطريقة سريعة، وهناك تكنولوجيا معينة في الهاتف المحمول، يستلزم اتباعها في كل مرة حتى لا يقع في خطأ إملائي، لكنه لم يكن يهتم بذلك”.

ولأنّ حربه الأولى كانت مع الإعلام، راهن الهلالي على الصمت لتمرير الأزمة بسلام، ومع الوقت اختفى من الظهور في أيّ وسيلة إعلامية، كما أنه نادرا ما يرد على اتصالات الصحفيين به.

الشربيني يظهر في صورة سربت أثناء اختطافه مع دبلوماسيين مصريين في ليبيا

علاقته بالإعلام قائمة على مبدأ مفاده أن المسؤول الذي يظهر بشكل مكثف دون أن يكون لديه ما يقدمه للرأي العام، يدفع نفسه دفعا لمرحلة الفشل، ويقول عن ذلك “لا أهوى البحث عن الشهرة، لكن عندما أظهر لأتحدث إلى المجتمع، لا بد أن أكون قد أنجزت أمرًا ما لأنقله إلى الناس، وإذا تعاملت باستمرار مع الإعلام، فلن أنجز شيئًا.. لا أشاهد هاتفي إلا نهاية كل يوم عقب عودتي إلى منزلي، أراجع المكالمات التي وردت إليّ، فأعاود الاتصال بأصحاب المكالمات الهامة فقط.

وجاء حصول مصر على المركز قبل الأخير عالميًا في جودة التعليم بمثابة القشة التي قصمت ظهر علاقته بالإعلام، بعد أن أرجع أسباب ذلك التصنيف الكارثي إلى الإعلام لأنه لا ينشر الإيجابيات ويركّز على السلبيات، ما جعله مرة ثانية مادة خصبة للسخرية في الصحف والفضائيات.

الجنة والنار

في تقدير الهلالي أنه اختير للمنصب في توقيت بالغ الصعوبة، فلم يتبق حينها سوى 4 أيام على انطلاق العام الدراسي الحالي، وأبلغته رئاسة مجلس الوزراء بتكليفه لتولي المهمة الشاقة، فجاء من جامعة المنصورة التي كان نائبًا لرئيسها، حيث يتعامل مع أساتذة جامعات وعمداء كليات، إلى التعامل مع أطفال في سن البراءة، وآخرين في سن المراهقة، فأصبح مثل القادم من الجنة إلى النار.

مدارس متهالكة وأخرى آيلة للسقوط، وصيانة لم تكتمل بعد للمباني المدرسية، ومناهج تعليمية عفا عليها الزمن، وكثافة طلابية غير مسبوقة داخل الفصول، فضلا عن 20 مليون طالب في المراحل المختلفة، بات الرجل مسؤولا عن سلامتهم وحمايتهم من أيّ مخاطر، هذا إلى جانب مسؤوليته أمام المجتمع والدولة عن تحقيق طفرة معنوية للتعليم الذي ينحدر مستواه وتقلّ جودته عاما بعد الآخر، نتيجة تخبط السياسة التعليمية منذ عشرات السنين، واختلاف رؤى الوزراء الذين سبقوه في التعامل مع هذا الملف.

رغم هذه الأجواء المحبطة كان الوضع داخل الوزارة أسوأ، بعدما تفاجأ الرجل بخلوّها من الكوادر التعليمية ذات الصلة المباشرة بالمدارس والأساليب التربوية، خاصة أن الوزيرين اللذين سبقاه للمنصب عقب ثورة 30 يونيو 2013، استعانا بعدد من أهل الثقة من جنرالات الجيش والشرطة السابقين لمساعدتهما في إدارة ملفات الوزارة.

ابتعاد الرجل عن الإعلام، لم يكن بمحض إرادته، لكنه أجبر على هذا بفعل الحرب الشرسة التي تعرض لها من بعض الصحف والمحطات الفضائية

من هنا وجد الرجل نفسه يخطط لسياسات التعليم، ويضطر لتنفيذها بنفسه، لأن الشعب والإعلام والدولة سيحاسبونه على التطوير بعيدًا عن آلية الوصول إليه.

فضّل الحكمة على التسرع، ورفض الدخول في صراعات هو في غنى عنها، فكان فرض الاستقرار بالمدارس الشغل الشاغل أمام الرجل لتصدير صورة حسنة نسبيًا إلى الرأي العام، ولم يكن أمامه سوى هجرة مكتبه الوثير، واتّباع أسلوب المباغتة بالنزول إلى أرض الواقع وكشف الحقائق في المدارس من خلال جولات ميدانية مفاجئة، بعيدا عن أعين الإعلام أو إخطار أيّ مسؤول بموعد الزيارة.

يرفض التقارير المكتوبة التي تعرض عليه حول أوضاع العملية التعليمية، لأن غالبيتها يتضمن عبارة “الأمور تمام، والمدارس على ما يرام”، وغالبًا ما يشكك فيها، بدافع أن كل مسؤول لن يكتب إليه الحقيقة التي تدينه وتكشف تقصيره في القيام بمهام عمله.

ومن جاء قراره بأن يزور بنفسه المدارس والمؤسسات التعليمية، ويفاجئ المسؤولين بأنه يقف وسط الطلاب في طابور الصباح كي يوصل رسالة إلى الآخرين أنه سيكرر معهم نفس الموقف، ويجعل كل مسؤول يدرك بأن الوزير سيكون فوق رأسه في أيّ لحظة، ما يجعله يدير دفة الأمور بطريقة صحيحة، خوفًا من العقاب.

أسلوب الصدمة والرعب

على عكس غالبية من سبقوه في المنصب، أو حتى باقي المسؤولين بالدولة، لا يخجل الهلالي من إبراز مساوئ الوزارة قبل إيجابيّاتها في وسائل الإعلام، فهو يتباهى بصراحته وشفافيته أمام الرأي العام، إدراكا منه بأنه لن يستطيع خداع الناس، وهم في الأساس يعيشون ويتعايشون مع مشكلات التعليم بشكل يومي.

في عهده انكشفت العديد من أسرار الوزارة أمام الرأي العام، وأقرّت الوزارة لأول مرة بوجود تحرش جنسي في المدارس، وكذلك حوادث قتل واستخدام أسلحة آلية في المشاجرات بين الطلاب، ما جعل الرجل يبدو وكأنه يريد أن يشاركه الشارع مشكلات وزارته وأن يجبر الجميع على دعمه مستخدما أسلوب الصدمة.

تحرير الطلاب العرب من الكثير من القيود الفكرية والشروط البيئية يعتبر المهمة الأكبر على عاتق وزراء التعليم في المنطقة

المشكلات المتراكمة انعكست على مزاج الوزير، حيث يندر أن تراه مبتسما أو ودودا خاصة مع أكبر قيادات وزارته، بمن فيهم الجنرالات الذين كانوا يديرون دفة الأمور في الماضي القريب ويتحكمون في كل صغيرة وكبيرة في قطاع التعليم، وكان التقرب منهم بمثابة نيل الرضا والخلود في المنصب.

غير أن الرجل حجّم الجميع، فلا مجال لمناقشته في أيّ من قراراته، ولا جدال معه إذا كان الأمر يتعلق بعقوبة على مقصّر أو مخالف، حتى وإن تدّخل كل الوسطاء فإن القانون هو المرجعية الأولى عنده.

طريقته الحادة أجبرت أحد الجنرالات (موظف برتبة لواء) على الرحيل عن الوزارة، لأنه لم يقبل أن يتحدث إليه الوزير بطريقة لا ترضيه، بينما أرغمت باقي المسؤولين على التأقلم مع أسلوبه في الإدارة، على عكس الوزراء السابقين الذين كانت تربطهم علاقات صداقة مع الجنرالات، الذين كان يتم تعيينهم، تسمح بكثير من التجاوزات.

برر الشربيني أسلوبه الحاد بأنه إذا سار على نهج من سبقوه، فلن تكون لديه أداة للمحاسبة، لهذا وضع مسافة بينه وبين الجميع، ما جعله مفضّلا لدى صغار الموظفين الذين تعرضوا للأذى من كبار المسؤولين بحكم علاقاتهم القوية بالوزراء السابقين.

مخطوف في ليبيا

مرّ الهلالي الشربيني بتجربة مثيرة للغاية بعدما تعرض للخطف في ليبيا أثناء عمله مستشارًا ثقافيًا بالسفارة المصرية هناك عقب سقوط نظام العقيد معمر القذافي، حيث اعترضه مسلحون خلال سيره في أحد المناطق غير المأهولة مع أصدقاء له واقتادوه إلى مكان مجهول، قبل أن يتصلوا بالسفير المصري في ليبيا مطالبين بفدية كبيرة مقابل الإفراج عنه.

روى تفاصيل التجربة بقوله “لم أبال وقتها بما قد يحدث لي، فأنا بطبعي شخص جريء، أدرك تماما أن القدر سيأتي لا محالة، ولن أحصل سوى على ما قدّر لي أن أحصل عليه في حياتي، لهذا بقيت هادئا طوال الوقت حتى تم إطلاق سراحي بعد جهود دبلوماسية مصرية”.

ما يحسب للوزير الناشط قدرته العالية على تحدّي الصعاب، لكن ما يؤخذ عليه عدم قدرته على تغيير أدائه بحسب اختلاف المواقف والظروف والخصوم، ما يكلّفه خسارة معارك لا يجب أن يخسرها، مثلما حدث عندما قرر ربط 10 درجات في نتيجة الثانوية العامة بالحضور المنتظم للطلاب إلى المدرسة.

الوضع داخل وزارة التعليم يراه الهلالي أسوأ مما كان يتوقع، بعدما فوجئ بخلوها من الكوادر التعليمية ذات الصلة المباشرة بالأساليب التربوية، خاصة وأن الوزيرين اللذين سبقاه للمنصب عقب ثورة 30 يونيو 2013، استعانا بعدد من أهل الثقة من جنرالات الجيش والشرطة السابقين لمساعدتهما في إدارة ملفات الوزارة

وقد أثارت هذه المسألة غضب الطلاب وأولياء الأمور لدرجة بلغت حد التظاهر المتكرر أمام المدارس وقطع الطرق والهتاف ضده، ما استدعى تدخل رئيس الوزراء لإلغاء القرار، فيما يعدّ إهانة للرجل أمام الرأي العام تكرست في اليوم التالي حينما امتنع الطلاب عن الذهاب إلى المدارس فرحا بانتصارهم على الوزير.

كذلك دفعه هوسه بالنجاح إلى سلك طرق أقرب لما تفعله أجهزة المخابرات حيث لجأ لإنشاء لجان رقابية تابعة لمكتبه مباشرة تتابع أداء مسؤولي الوزارة ومجريات الأمور بالمدارس وتقدم له تقارير منتظمة عن أيّ مخالفات.

وتبقى مشكلة الهلالي الحقيقية أنه أكاديمي، لم يعش تجارب واقعية مع مشكلات المدارس أو المناهج وما تحويه من كوارث، أو طريقة إدارة مرحلة التعليم قبل الجامعي، بمعني أنه لم يعمل من قبل في وزارة التربية والتعليم، ما يجبره على إضاعة الكثير من وقته في التجوّل بنفسه لرصد المشكلات، مما ثناه عن التركيز على خطة حقيقية واقعية من شأنها أن تجعل التعليم المصري مشروعًا قوميًا، مثلما يطمح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

هذه المشكلة هي التي يتعرض لها أيّ وزير تعليم مصري، بيد أن الحكومة ترفض أن يتقلد المنصب أحد أبناء الوزارة المنغمسين في مشكلاتها على مرّ السنين، بل تعتبر الحكومات المتعاقبة أن أستاذ الجامعة هو الأحق بالمنصب، فيأتي للوزارة ويرحل دون جديد يقدمه، لأنه يفعل غالبًا نفس ما يفعله الوزير الحالي بأن يتحرى عن المشكلات ثم يفكر في آلية حلها والتعرف على عقلية وشخصية من يتعاملون معه.

وبعدها يفكر في تعيين أو إقالة مسؤولين بعينهم، وكل ذلك من رصيد أيامه المعدودة داخل الوزارة، ما يبعث برسالة إلى الرأي العام والحكومة والإعلام أنه لا جديد في التعليم، ومع توالي الانتقادات تلجأ الحكومة إلى تغيير الوزير وتكليف آخر لتتكرر نفس مأساة التعليم العربي.

12