الهمّ السياسي يثخن جراح الرواية الفلسطينية

لا شك في أن الرواية الفلسطينية مسكونة بالهم السياسي والقضية الفلسطينية منذ الجيل الأول من الروائيين، وحتى الآن، وربما لم يفكر الروائيون إلا في ما ندر في البحث عن أفكار أخرى خارج هذه القضية، وكأن القضية السياسية غدت مطية الكاتب الوحيدة وبوصلته الفريدة، حتى حازت الرواية الفلسطينية لقب الرواية السياسية، وربما أثر ذلك في أساليبها الفنية، بدعوى وقوعها في فخ الدعاية السياسية المباشرة، لتتحول إلى متواليات سياسية تحمل قناعات الكاتب الفكرية وإسقاطاته المذهبية في غالب الأحيان.
السبت 2015/10/10
القضية السياسية غدت مطية الكاتب الوحيدة وبوصلته الفريدة

بما أنه لا يوجد همّ/ مشكلة/ قضية ذات سمة واحدة، لذلك كانت كل قضية لها تشعباتها السياسية والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية حتى الضحية بقسميها النفسي والعضوي، وعلى ذلك ستكون كل قضية بحاجة إلى حلول مركبة ومتداخلة، ولا تفلح معها الحلول الفردية أو الجزئية، لأن حل المشكلة جزئيا هو عدم حل المشكلة أساسا.

وهذا ما ينعكس على الرواية بوصفها حاملا نصيا- فكريا لمشاكل المجتمع وقضاياه؛ فكل رواية وهي تتمحور حول قضيتها الخاصة ومقولاتها الفكرية تتماس في صنعتها الروائية مع كل الجوانب الأخرى، بصفتها قضية اجتماعية بالدرجة الأولى لها أبعادها المتشعبة، التي تحاول أن تخترق قوانين ذلك المجتمع أو ما يجب أن يكون عليه ذلك المجتمع.

وحتى لا أبتعـد عـن الفكـرة أكثر مما ينبغي، أعود إلى الروايـة الفلسطينيـة، وحضـور الهم السياسي في مقولاتها الفكرية، ومـن أجـل هذا الغرض ارتأيت أن أتوقف عند مجموعة من الروايات الفلسطينية، وأستعرض سريعا اشتغالها بالهم السياسي، واخترت أن أتوقف عند رواية غسان كنفاني “عائد إلى حيفا”، ورواية جبرا إبراهيم جبرا “صيادون في شارع ضيق”، ورواية رياض بيدس “باط بوط”، ومن الروايات الصادرة حديثا توقفت عند رواية عيسى القواسمي “النزوح نحو القمر” ورواية مشهور البطران “السماء قريبة جدا”، وأخيرا رواية باسم خندقجي “مسك الكفاية” التي كتبها صاحبها في الأسر.

الأسرة اللاجئة

لعلّ عالم غسان كنفاني عالم منغمس بكليته في الهم السياسي، فهناك رواية “رجال في الشمس” و“أم سعد” و“ما تبقى لكم”، ورواية “عائد إلى حيفا”، وكلها تعالج روائيا مفردات القضية الفلسطينية منذ عام 1948، فيجد القارئ انشغال الكاتب بقضية اللجوء والتشرد والبحث عن الحلول الفردية غير المجدية، وما يتفرع عنها من هموم اجتماعية أو اقتصادية، كما تتعرض للآثار النفسية التي تركتها كل تلك الإشكاليات في نفسية الشخصيات.

وأما رواية “عائد إلى حيفا” فتعالج جانبا آخر من جوانب القضية الفلسطينية، من خلال نموذج الأسرة اللاجئة التي عادت إلى حيفا لا لتستقر في بيتها، ولكن لتبحث عما فقدته هناك، وتقترب الرواية من النقاش الفكري حول قضايا فكرية عامة بطرح قضية من هو الأولى بالحقّ من خلال معالجة قضية الطفل خلدون الذي أصبح “دوف”، لتخلص الرواية إلى موقف سياسي واضح بوجوب الانحياز إلى العمل العسكري من أجل إرجاع الحق المسلوب.

الأرستقراطية العربية حائل دون إنجاز التحرير على أرض الواقع

زمن المنفى

يتناول جبرا إبراهيم جبرا في رواية “صيادون في شارع ضيق” القضية الفلسطينية ولكن بطريقة مختلفة، تتمحور حول “جميل فرّان” ذلك البطل الفلسطيني المثقف، الذي يعيش الحالة السياسية وانعكاساتها الفردية عليه، فيتفوق على كل من حوله، ما جعل الناقد فيصل دراج في كتابه الصادر مؤخرا “جبرا إبراهيم جبرا” يعنون مقالته التي تناول فيها الرواية بـ“المفرد الرومانسي في زمن المنفى”.

وفي الرواية مناقشة للحالة السياسية الفلسطينية وتأثير الحالة العربية عليها، ولذلك يرى جبرا من خلال أفكار جميل فران أن الأرستقراطية العربية/ العراقية هنا كنموذج، حائل دون إنجاز التحرير على أرض الواقع، وكأن الكاتب يدعو بطريقة أو بأخرى إلى أهمية الالتفات إلى الواقع العربي عند محاولة التحرير والخلاص.

في رواية “باط بوط” للكاتب رياض بيدس، تظهر القضايا السياسية بشكل مغاير عما قدمه الروائيان السابقان بحكم الواقع الذي يعيشه الكاتب، فيبحث الكاتب قضايا عيش الفلسطيني في ما بات يعرف بـ“المجتمع الإسرائيلي”، وما يعانيه من اضطهاد وتمييز عنصري، فيتعرض الإنسان العربي للملاحقات الأمنية، وتفرض عليه الإقامات الجبرية، ويخضع للتفتيش والاستجواب المخابراتي.

وقد عانى العرب في الداخل الفلسطيني من هذه الإجراءات وتحدث عنها شعراء وكتاب آخرون، وجسدته هذه الرواية بأسلوب ساخر، يذكر برواية إميل حبيبي “المتشائل”، والتي تقاطعت مع بعض مقولاتها الروائية، وخاصة في ما يتعلق بمفهوم “المواطنة” في دولة ترى الآخر/ العربي عدوا ونقيضا بالضرورة ولا يُؤْمن جانبه.

التأزم السياسي

مع تطور القضية الفلسطينية سيجد الدارس أن الرواية الفلسطينية انغمست في مناقشة مفردات المرحلة التي انبرت للتعبير عنها، دون أن تتخلى عن مفردات السياسة الفلسطينية التقليدية، ففي رواية “النزوح نحو القمر” للكاتب المقدسي عيسى قواسمي مناقشة للوضع السياسي الفلسطيني تحت ظل السلطة الفلسطينية واتفاق أوسلو، إذ تتحرك الرواية في فضاء مكاني محدد بين رام الله ومخيم الأمعري، لتخلص الرواية إلى طرح فكرة التأزم السياسي الحاصل في هذا الفضاء المكاني، والذي يشعر فيه الفلسطيني بالحصار المضاعف، والذي كان الاحتلال أحد أوجهه، ليصبح مكانا غير محتمل للعيش، تموت فيه كل الطموحات الفردية وأحلام التغيير الرومانسية.

وعلى ذلك يكون “النزوح نحو القمر” حلا، وعلى ما في العنوان من ملامح التهكم إلا أنه يشي بألم كبير، فالعالم الأرضي بما فيه من أنظمة وقوانين واتفاقيات أصبح عدوا، إذن ليس على الفلسطيني إلا أن ينزح نحو القمر لعله يرتاح، ومع أن الرواية لم تقدم حلا، إلا أنها اكتفت بهذا الأفق من التفكير الجدي بضرورة التغيير، وإن لمحت الرواية وانحازت إلى العمل العسكري كذلك من أجل الخلاص أو تحسين الأوضاع على أقل تقدير.

تعبير عن مأساة الأسير وتمنياته في الانعتاق والتحرّر

وما أشار إليه الكاتب عيسى القواسمي، اشتغل عليه بصورة أعمق الروائي مشهور البطران في روايته “السماء قريبة جدا”، إذ يصور الأوضاع الملتهبة في أراضي السلطة الفلسطينية، وقد تناول بجرأة تحسب له قضية التنسيق الأمني، فما عجزت عن كشفه دولة الاحتلال من عمليات المقاومة المسلحة استطاع رجال الأمن الفلسطينيون كشفه سعيا وراء مكاسب ذاتية، متواضعة هي بالضرورة، مهما كانت مبرراتها.

وإلى جانب تلك القضية المهمة طرح البطران معاناة المطاردين والأسرى والمشاكل العائلية على خلفية التصفيات الجسدية للعملاء، ويبرز دور المرأة في سياقها الاجتماعي وتضحياتها من خلال التوقف عند نماذج متنوعة من النساء، قدمت كل واحدة منهن دورها كما كانت ترى الرواية ومقولاتها السياسية والاجتماعية.

إسقاطات التاريخ

بعيدا عن كل ذلك من مفردات سياسية كانت حاضرة في النماذج السابقة، ناقش الروائي باسم خندقجي في رواية “مسك الكفاية” قضية فكرية عامة، نابعة من تصوره الذهني للأيديولوجيا التي يؤمن بها، فاستعارت الرواية الحدث التاريخي من العصر العباسي، لتطرح أفكارا ذات أبعاد إنسانية عامة متمثلة في فكرة الحرية، ليبني على قضية المقاء بنت عطاء بن سبأ المعروفة بالخيزران والتي وقعت في الرق مقولاته في التحرر والحرية.

وتشير الرواية في الأجزاء الأخيرة إلى قيام المقاء والتي أصبحت حرة، بتحرير كل إماء القصر، وبذلك يكون الخندقجي قد قدم أفكاره باستعارية غير تقليدية منحازا إلى التاريخ ليعبر عن مأساة الأسير وتمنياته في الانعتاق والتحرر، مع ما في الرواية من انحياز واضح لدور المرأة غير التقليدي والذي عبر عنه بالعنوان الفرعي للرواية “سيدة الظلال الحرة”، مؤكدا فكرته بمفردتين هما “سيدة” و”حرة”، وبذلك تكون هذه الرواية قد أعطت المرأة دورا بطوليا فكريا وسياسيا ذا ملامح أيديولوجية.

خلاصة القول ستظل الرواية الفلسطينية مفتوحة على الأفق الاجتماعي الممتد سياسيا واقتصاديا وثقافيا، لأن الرواية في حدّ ذاتها فن مفتوح يستوعب كل القضايا التي يمور بها هذا العالم.

16