الهم الذي أثقل كاهل الملك عبدالله بن عبدالعزيز

الثلاثاء 2015/01/27

ليس خافيا أن هناك من توقع للمملكة العربية السعودية حالة من عدم الاستقرار فور رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله. ومرد هذه التوقعات هو ما يترقبه المتربص ويخشاه المحب من حدوث اضطراب في الحكم وفقدانه لسلاسة الانتقال التي عُرف بها طوال تاريخ المملكة الحديث. وقد كان هذا السؤال، أو ما في معناه، هو السؤال المتكرر الذي يطرح عليك، كمراقب، من وسائل الإعلام بعيد الوفاة وتوالي ردود الفعل، الداخلية والخارجية، على هذا المصاب الجلل.

هذا السؤال وأبعاده الظاهرة والباطنة أجابت عليه القرارات الملكية السريعة التي اتخذها خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي حرص، على قطع الطريق على التقولات والتخرصات وعدم إعطائها مجالا للتشكيك في قدرة الحكم السعودي على التماسك وعلى استقرار المملكة، مهما تغيرت الظروف أو نشأت حسابات جديدة بحكم تقادم الزمن والآليات.

وبعيدا عن هذا السؤال فإن ما هو جدير بالتوقف عنده، في هذه المناسبة الحزينة، هي السيرة الوطنية والعربية الرائعة التي نعرفها عن الراحل الكبير، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، وقربه من شعبه ونوعية منجزاته. تلك المنجزات التي حدثت في سباق مع الزمن، من أجل أن يحقق رؤيته ويترك أثرا على تطور السعودية والسعوديين وانطلاقاتهم إلى آفاق أرحب، من الانفتاح على بعضهم أولا وعلى الآخرين ثانيا. وهو ما يعتبره كثيرون هَمّاً أثقل كاهل الملك عبدالله وأتعبه صحيا، خاصة في السنتين الأخيرتين.

حين أجريْتُ بعض المداخلات في المحطات التلفزيونية بهذه المناسبة كنت مصرا على القول أن الملك عبدالله، لم يبن فحسب حالة تنموية مادية متقدمة للمملكة، بل بنى حالة فكرية متقدمة وشبه متكاملة غيرت إيجابيا الكثير من السائد وطنيا واجتماعيا في السعودية. ذلك السائد، أو المتعارف عليه تقليديا، الذي خضع لزمن طويل لمجاملة بعض الأطياف التي تخشى التغيير أو، في أقل تقدير، تتحفظ على هذا التغيير.

أول ما اهتم به الملك الراحل، رحمه الله، التعليم الذي سخر له الكثير من اهتماماته الشخصية وقراراته. وكان أهم هذه القرارات إطلاقه لبرنامج ابتعاث أبناء وبنات المملكة بالآلاف للدراسة في جامعات خارجية. ورغم ما وجده هذا البرنامج من عنت الرفض من المتشددين الذين يرون فيه، خاصة للبنات، طريقا إلى الاحتكاك المباشر بثقافات وحضارات تتعارض مع قيم الإسلام، إلا أنه استمر وتضاعفت أعداد المبتعثين والمبتعثات سنة بعد أخرى حتى بلغ عددهم الآن ما يقرب من مائتي ألف مبتعث ومبتعثة.

بخلاف التعليم المتقدم الذي سَيُحصله هؤلاء المبتعثون فإن بعد وعمق الانفتاح الذي يعودون به بعد انتهاء دراساتهم هو الأهم بالنسبة للمملكة، التي تحتاج بشدة لهذا الانفتاح على الحياة والحضارات المعاصرة لتسير عجلة تطورها بشكل أسرع وأفضل من السابق. وحين يستلم هؤلاء العائدون من دراسات الخارج دفة المناصب والوظائف التنموية والمشهد الاجتماعي بشكل عام فإن تأثيرهم، بحكم التحصيل العلمي المتقدم والاحتكاك الثقافي بحضارات أخرى، سيكون له حتما أثر مغاير على مستقبل المملكة.

الأمر الثاني في حالة البناء الفكري الوطني الذي خلفه الملك عبدالله، رحمه الله، هو حرية النقد والتعبير عن آراء المواطنين بالقدر الذي تحتمله دولة حذرة من انفلات هذا التعبير الذي يجربه الناس فيها لأول مرة. وكان أول ظهور لهذه الحرية الحذرة في التعبير في مقالات كتاب الأعمدة في الصحف السعودية، الذين انتقدوا كثيرا من صور الأداء الحكومي وبأسماء الوزراء، بل بأسماء بعض الأمراء أحيانا. كما طرحوا آراءهم في العديد من القضايا الحساسة اجتماعيا التي كان مسكوتا عنها بحكم العادة أو التغلب.

مركز الحوار الوطني، الذي لا تزال النخبة السعودية تتحفظ على نتائجه، كان أيضا من وسائل هذا التعبير الحر الذي شهده عهد الملك عبدالله، حيث لم يكن للحوار على طاولات المركز أي حدود أو قوالب تضعه في إطار مسبق لما يمكن اعتباره ما تريد الدولة أن تسمع من المتحاورين. وفي موازاة ذلك كانت منصات الحوار الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي تمارس حرية تعبير اقتربت أحيانا من تعبيرات منفلتة ومضادة لثوابت الوحدة الوطنية. ولم تفكر السعودية، كما فعلت دول أخرى، بحجب هذه الوسائل أو التعسف على المواطنين الذين يكتبون فيها.

المرأة وتمكينها والتعاطي الإيجابي مع حقوقها وشؤونها كان حالة فكرية أخرى في عهد الملك الراحل، رحمه الله. وضمن هذه الحالة، البالغة الحساسية، اتخذ الملك عبدالله قرارات تاريخية أبرزها إدخال ثلاثين امرأة سعودية في مجلس الشورى وإعطاؤها حق الترشح والانتخاب في المجالس البلدية وإيصال المرأة إلى مرتبة وكيل وزارة. وفتح الباب واسعا أمام طلبها للرزق مثلها مثل الرجل، حين بدأ سريان مفعول ذلك القرار الذي يعرفه السعوديون بتأنيث المحلات النسائية، حيث تمكنت آلاف النساء السعوديات من الحصول على وظائف في المؤسسات والمحلات التجارية في القطاع الخاص، وزال بمرور الوقت، ذلك الرهاب من خروج المرأة للعمل والاختلاط.

الملك عبدالله، أيضا، كان حريصا على توجيه رسائل إيجابية للمجتمع عن تقديره للمرأة وأدوارها العلمية وشراكتها في عملية التنمية الشاملة، فاصطحب معه في بعض الزيارات وفودا نسائية وكرم شخصيا عددا من النساء السعوديات الرائدات الموهوبات، اللائي يحفظن ويذكرن له الآن هذه الحفاوة والرعاية الملكية التي اعترفت للمرأة السعودية بأدوارها ومنحتها قدرا هائلا من الحضور والتأثير الوطني والاجتماعي.

هذه الحالة الفكرية الجلية الآن في المملكة، في التعليم وحرية النقد والتعبير والحوار وإعطاء اعتبار كبير للمرأة بصفتها شريكا كاملا في التنمية، هي ما يحسب، قبل غيره، لعهد الراحل الكبير، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله. وهي التي ستظل على مدى السنوات القادمة محل قراءة وقياس وتحليل، باعتباره الملك الذي غير وجه المجتمع السعودي بقدر ما كانت تسمح به الظروف والملابسات ومنجزات أطياف هذا المجتمع، الذي كما عرف النفط والثروة في تاريخه الحديث عرف، أيضا، بعض المعوقات التي حدت منذ انطلاقاته، حيث لم يعد ممكنا، بعد الآن، عدم إخضاع هذه المعوقات للحوار والنقاش، بل وإخضاعها للقرار السياسي الناجز الذي سيقوده من الآن خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، المعروف بقدرته الإدارية الفائقة واستيعابه للمتغيرات وفهمه لحاجات وطنه وشعبه.


كاتب سعودي

8