الهندسـة الوراثيـة تكسر الحدود الطبيعية

عندما ظهرت أفلام الخيال العلمي في بداية الستينات من القرن الماضي، دهش العالم بما جاء في تلك الأفلام الخيالية واعتقدوا إلى وقت قريب أن ما جاء فيها مجرّد تخيّلات إبداعية مستحيلة التحقق، ولكن على ضوء ما نعيشه اليوم من تطورات واكتشافات علمية، “بات المستحيل واقعا!”.
السبت 2015/05/02
التجارب العلمية لإعادة صياغة الجينوم البشري تثير الجدل حول أخلاقيات الهندسة الوراثية

تنذر التحوّلات الطبية والعلمية في مجال الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزئية بأنّ العالم مقبل لا محالة على تغيير نوعي في طبيعة الإنسان ومعالمه لاحقا، حيث تبشر بمقدم عصر التصنيع للأعضاء البشرية، فضلا عن إنتاج أطفال بتوفير قطع غيار بيولوجية أو ما يطلق عليه في الولايات المتحدة الأميركية بالتسوق في محلات البيع الجينية بعد إباحة التجارب الوراثية من دون حد ولا قيد.

وأضحى تدخل التقنية في طبيعة الإنسان لتحويرها وتعديلها وراثيا أمرا متاحا اليوم، بعد أن تطوّرت سبل تحديد النسل واختياره على نحو يتحالف فيه الاقتصاد والتقنية والسياسة، ويعتبر بموجبها المواطن حرا في اختيار ما يناسبه وما يناسب أطفاله، مما يطرح سؤالا مفاده؛ هل يمكن أن يكون تحسين النسل وفق قاعدة العرض والطلب مستقبلا نذير شؤم أو فاتحة أمل؟

تساؤل مردّه أنّ العديد من الشركات العالمية تستثمر أموالا طائلة في مجال ميادين الطب والتكنولوجيا الإحيائية، وتسعى إلى عرض منتوجاتها بما يجعلها قابلة للتصنيع والتجارة والتسويق، كما أنّ العديد من رغبات السياسيين تجتاحها حمى تدجين النوع البشري والبحث عن كل ما يساعد في وجود نماذج مطواعة وهجينة وتابعة على الشاكلة التي يريدونها ويبتغونها. هذا فضلا عن تطلع العلماء إلى إحراز تقدم هائل يخلّد أسماؤهم كمكافأة على أبحاثهم العلمية، بوصفهم من ساعد في تحقيق حلم “الإنسان الخارق” وخسف الأفكار البالية والتصوّرات العتيقة.

السيطرة عبر الهندسة الوراثية

ينعكس التداخل بين التقنية والاقتصاد والسياسة، حينما تصبح الهندسة الوراثية قادرة من ناحية على اختراق التركيبة الإحيائية للإنسان وتحوير تركيبته البيولوجية على نحو يزاوج بين رغبة العائلة وتشريع السياسيين بالاكتفاء بأن القانون هو من يتولى ضبط التاريخ الذي يأتي فيه مولود جديد، وهو من يتولى ضبط تاريخ الموت، وبالتالي لن تعود الولادة قدرا، بل مجرّد إرادة، هذا فضلا عن تسخير العلماء الهندسة الوراثية لتغيير المخلوق القادم، ممّا يثير جملة من الأسئلة الأخلاقية مفادها؛ هل يمكن للهندسة الوراثية أن تغيّر من طبيعة الإنسان جوهريا، وتنذر بتحول عميق في أسس المجتمعات البشرية وتؤدي إلى كثير من التجاوزات؟ وهل يؤدي التحوير أو التدخل في الجينات إلى تغيير يمسّ أسس الاندماج الاجتماعي والسياسي للمجتمعات والأفراد؟

أي تغيير في البنية الطبيعية للإنسان يمكن أن ينتج عنه تغيير في التجربة الأخلاقية والاجتماعية عموما

الحقيقة أنه لا يمكن الاقتصار على أسئلة السيئ والأسوأ فقط، بل يجب عدم الإفراط في التفاؤل دون وجل أو عجل. فمن يستطيع أن ينكر الفائدة الجمّة من وراء ذلك، خاصة أن الجميع يرغب في أن يكون له أطفال يستوفون جميع شروط الكمال البدني والذهني، ومن هي الأم التي ستمتنع عن استبدال خلايا وراثية مريضة بأخرى سليمة، إذا كان أفق استعمال ذلك ميسّرا وبأجر زهيد، بل من هو الأب الذي سيرفض أن يرى ابنه خال من كل عاهة أو استبدال خلايا أو أعضاء وراثية معطوبة بأخرى سليمة؟

الأخلاق في سباق مع التقنية

لم يعد بإمكان أحد أن يُجادل اليوم حول مسألة أنّ العلم والتقنية بلغا شأنا كبيرا في سبر أغوار الطبيعة الإنسانية وتطوير قدرات الإنسان كمّا وكيفا في جميع المجالات، فإنّ ذلك يعني أننا مقبلون على تحول نوعي في طبيعة الإنسان عاجلا أم آجلا.

أسهم تطور الهندسة الوراثية والنانوية والمعلوماتية في خلق أرضية جديدة غير مألوفة تشي بأنّ سيرورة النشوء والارتقاء ما تزال قائمة على قدم وساق من حولنا وغير مكتملة، وما دام بمقدور الهندسة الوراثية أن تتابعها وتُكملها ولما لا تطورها، فهي وحدها اليوم من لها القدرة أن تكون صمام أمان أمام أهوال الطبيعة المتقلبة والأمراض والفيروسات والأوبئة المتربصة، وهي التي من شأنها أن تمدّ الإنسان بانطلاقة جديدة في سفر التكوين. وما يؤكد هذه الفرضية بشكل وثيق، هو أنّ الإنسان بفضل إكراهات ومطالب الحياة وضمان استمراره في الوجود، يحتاج اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لهذه التقنيات.

ويحيل التأمل في تطور التجارب البيولوجية والهندسة الوراثية، إلى حقيقة مفادها أن البشرية مُنجرّة إلى استعمال هذه التقنيات بحدة. ومن ثمة، لا مجال للتملص واللامبالاة، بل يجب مواجهة التحديات والعمل بمسؤولية. فالتطورات الحاصلة في مجال الهندسة الوراثية والاستنساخ الطبي، تطرح مسألة إنتاج أعضاء وخلايا وأنسجة الإنسان كقطع غيار، أو استنساخها من طرف واحد يتم استخراج عدة نسخ مماثلة له من خلاياه المانحة. وتنكشف، من ثمّة، إمكانية تحسين النسل وتعديل طاقم الإنسان الوراثي، سواء بغاية علاجية أو بغاية الحفاظ عليه من أخطار الأوبئة والكوارث الطبيعية والأمراض والجراثيم، خوفا من مخاطر أن تقع البحوث العلمية فريسة حسابات الربح والخسارة ومنطق السوق، فضلا عن الوقوف في وجه التقدم العلمي باسم الحفاظ على الطبيعة الإنسانية التي يزعم البعض أنها قارة وسرمدية، تحت تأثير التهويمات السحرية والغيبية التي تقدم كتفسير للظواهر الطبيعية والبيولوجية.

التعديل الوراثي تلاعب بشري بالشيفرة الوراثية لأي كائن حي بطريقة لا تحدث في الظروف الاعتيادية ولكن عبر التكنولوجيا

لكن على الرغم من ذلك، تنبئ الهندسة الوراثية بالتحول الذاتي القادم والمحتمل جدا للنوع الإنساني، مما يعني الإقرار بأنّ الحدود في عصر الطفرة التكنومعلوماتية والوراثية لطبيعة الإنسانية غير مستقرة بين الطبيعة والثقافة، أي بين مواد عضوية طبيعية ومواد عضوية مصنعة.

وإلى حد الآن ما زالت الحدود بين مجال الاستنساخ العلاجي والاستنساخ الوراثي كيفما كانت تبريراتها، غير واضحة بالمرّة، فهي متداخلة تقنيا، كما لا ينبغي أن يغيب في الحسبان أن تحسين النسل قد يخضع لتوجهّات سائدة، مثل زرع الشعر والجراحة التجميلية وغيرها.

وبموجب ذلك يطالب البعض بوقف التدخلات في الجينات الإنسانية عند الحدود التي ينذر تجاوزها بتغيير الخصائص الوراثية وتحسينها ضدا لطبيعتها الأصلية. ومفاد ذلك، أنّ أي تغيير في البنية الطبيعية، يمكن أن ينتج عنه تغيير في التجربة الأخلاقية والاجتماعية، غير أن هذه “الأمنية” ولو كانت جد ضرورية، تصاحبها مُفارقة كبرى؛ فهي تسعى في نفس الوقت لكي ترسم حدودا واضحة في مجال حدود غير واضحة.

وبالتأكيد، فإن تلك الحدود الطبيعية التي دأبنا عليها منذ زمن يتم اجتثاثها اليوم تباعا وتهوي عليها معاول تقنيات الهندسة الوراثية الجديدة، لكن ما هو متاح تقنيا ربما لا يجوز أخلاقيا، ومع ذلك ينبّهنا العلماء إلى أنه لم يتم الوصول إلى أي اتفاق حول الوضع الأخلاقي للحياة الإنسانية في بدايتها المبكرة في الرحم، لذلك فالجنين بالنسبة إلى البعض، هو مجرد مجموعة من الخلايا في هذه المرحلة، بالمقابل يرى البعض الآخر أنه البداية الحقيقية للحياة الإنسانية.

التطور التقني بين التحريم والتشجيع

جدل بين دعاة المنع والترخيص

يخطئ دعاة التحريم والمنع، في نظر البعض، عند رميهم لهذه التقنيات الجديدة بسهام أفكار وأحكام مسبقة، لأنه كان من الأولى بهم أنْ يعترفوا بأنّ الولادة والتناسل الطبيعي، لم يضمنا في شيء عبر التاريخ تربية جيدة للناشئة ولا منح حرية لهم تبعا لذلك، كما أن ولادة عن طريق الاستنساخ ـ إنسان مصطنع ـ لا تفرض بالضرورة على المواليد بهذه التقنية أن يظلوا حبيسي ما اختاره لهم آباؤهم أو صانعيهم.

ويتجلّى التحول الحاسم في الإقرار بفائدة الهندسة الوراثية، عندما تقوم بإصلاح وتقويم واستبدال خلايا وأجنة وراثية مشوّهة، وبالتالي التوسيع من الوصاية التربوية الأخلاقية للآباء، لكي تشمل وتطال حرية التربية البيولوجية لأطفالهم وتعديل طاقمهم الوراثي. وبالتالي يتجلى موقف المدافعين الذين يرون في تحسين النسل وسيلة الطفرة التكنومعلوماتية والهندسة الوراثية لإعادة تربية الإنسان أنتروبولوجيا وبيولوجيا في مزارع وحدائق وحظائر بشرية. لكن إذا كانت التربية عبر الوصل بين الخلف والسلف لا تطرح اعتراضا، فإنّ التطابق المعقود بينها وبين تحسين النسل، يؤكد ظهور عدمية جديدة قوامها السقوط في فرضية إعداد “الإنسان الخارق” كما حدث مع النازية وظهور النزعة العنصرية والتطهير العرقي، حيث تمّ تعقيم وتصفية المشوه والمتخلف ذهنيا أو المصاب بعاهة. لكن إضافة “التربية” البيولوجية لصلاحياتهم ينذر بتحول خطير في القيم والطبيعة الإنسانية على حدّ سواء. وهو تدخّل لا يُراعي حرية الفرد والمساواة والاستقلالية والكرامة الإنسانية.

علاوة على ذلك، فإنّ التدخل الوراثي لا مصداقية له، إلا إذا كان الدافع هو مصلحة المعالَج وفق رغبته، حيث لا يمكن أن يخضع لتقييم غير ذلك، ولا يمكن تبريره أيضا حسب رغبات تحسين نسل، لأن ذلك مرتبط بإشكالية كبرى مفادها؛ كيف سيكون وعي الفرد الذي يدرك أنه مجرد مصنوع تمّت قولبته وفق هذه الرغبة أو تلك؟

خلاصة القول تعد الهندسة الوراثية والمعلوماتية في زواجهما المعلن والقريب، من بين تلك الوسائل الجديدة التي ستقدم إنسانية جديدة بقيم جديدة، ولا يمكن لها أن تسير في اتجاه واحد ووحيد، وهي مجرد تمديدات ذكية لتطور النوع البشري ذاته، مما يقدم فرصة إعادة تقييمها في كل آن وحين، ما دامت المسؤولية تقع على من يستخدم التقنية في أغراض الهدم وليس في أغراض البناء.

باحث جامعي، مركز أنظمـة الفكر المعاصر، جامعة السـوربون

6