الهندوس أولا.. نزعة متطرفة تدق ساعة رحيل المسلمين

فوز الشعبويين بالانتخابات يفتح فصلا جديدا من الصراع الطائفي.
الخميس 2019/05/23
المسلمون ضحايا سياسات متعصبة

رغم أنهم يعتبرون أقلية، مقارنة ببقية طوائف الهند الذي يزيد إجمالي عدد سكانه عن مليار نسمة، فإن المسلمين يقدّرون بقرابة 200 مليون نسمة، لكن هذه القوة الديموغرافية الهائلة للمسلمين، لم تحصّنهم خاصة بعد عام 2014 وفوز حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي من التعرّض إلى الإقصاء والتهميش، بفعل الوقع الكبير للشعار القومي المتطرف “الهندوس أولا”، والذي قد يجبر الأقلية المسلمة في بعض القرى مثل نايابانز على الرحيل إلى مناطق أخرى أكثر أمنا، إذا ما فاز الحزب الحاكم بولاية ثانية في الانتخابات العامة الحالية.

نايابانز (الهند) - تتجه أنظار الأقلية المسلمة في الهند، إلى ما ستفرزه نتائج الانتخابات التشريعية في البلاد بعد ستة أسابيع من الاقتراع، لما سيكون لها من وقع وتأثير على مستقبلهم في بلد قسّمته النزعة القومية المتطرفة منذ وصول حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي، بزعامة ناريندرا مودي إلى سدّة الحكم في عام 2014.

ويعيش الهند منذ أن تصاعد نفوذ القوميين، على وقع صراعات طائفية في بعض القرى ذات الأغلبية المسلمة تقوم على فصل الهندوس عن المسلمين، رغم عراقة العلاقة بين الطائفتين.

وتترقب الأقلية المسلمة بخشية، نتائج الانتخابات التشريعية الخميس، خاصة وأن استطلاعات الرأي والترجيحات تصب في خانة فوز الحزب الحاكم  الشعبوي بهاراتيا جاناتا بولاية ثانية، وهو الحزب الذي غذّى منذ 2014 وبصفة غير مسبوقة نعرات الانقسام في الهند متعددة الأقليات والأديان والطوائف.

من أكثر القرى التي تتوجّس مما ينتظرها مستقبلا بعد صدور نتائج الانتخابات، هي قرية نايابانز والتي لا يميزها شيء عن غيرها من قرى شمال الهند، لكن سكانها يتذكرون زمنا كان أطفالهم يلعبون فيه مع أطفال الهندوس، ويتبادل فيه الناس من الديانتين أطراف الحديث، ويتردد أفراد كل طائفة منهم على متاجر الطائفة الأخرى، ويخرجون في الأعياد معا.

ويقول كثيرون إن هذه التصرفات لم تعُد تحدث، والسبب هو الاستقطاب الذي شهدته الطائفتان في العامين الأخيرين لدرجة أن البعض يعيش في رعب ويفكر في الرحيل، هذا إذا استطاع أن يتحمل نفقات الرحيل.

يقول مسلمون من هذه القرية إنهم يعتقدون أن التوترات ستزداد سوءا إذا ما نجح حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي، بزعامة ناريندرا مودي رئيس الوزراء، في الفوز بفترة ثانية في الانتخابات العامة الحالية، مثلما ترجّح استطلاعات آراء الناخبين التي نشرت الأحد الماضي.

التفرقة بين الهندوس والمسلمين ستزداد إذا ما نجح حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي، بزعامة ناريندرا مودي، في الفوز بفترة ثانية

ويقول جولفام علي الذي يدير متجرا صغيرا لبيع الخبز والسجائر “كانت الحياة هانئة من قبل. وكان المسلمون والهندوس معا في السرّاء والضرّاء والزيجات والوفيات. أما الآن فنحن نعيش منفصلين رغم أننا نعيش في قرية واحدة”.

وتولّى مودي السلطة في 2014 وسيطر حزب بهاراتيا جاناتا في 2017 على ولاية أوتار براديش التي تقع فيها قرية نابايانز لأسباب منها رسالته التي ترتكز على فكرة الهندوس أولا. ويرأس حكومة الولاية يوجي أديتياناث وهو كاهن هندوسي متشدد ومن الشخصيات الكبيرة في حزب بهاراتيا جاناتا.

وقال علي “أفسد مودي ويوجي الأمر. فالتفرقة بين الهندوس والمسلمين هي برنامجهما الرئيسي، برنامجهما الوحيد. لم يكن الأمر على هذا الحال من قبل. نريد الرحيل عن هذا المكان لكننا لا نستطيع في الواقع″.

ويقول علي إن حوالي 12 أسرة مسلمة رحلت في العامين الأخيرين ومنها أسرة عمه، فيما ينفي حزب بهاراتيا جاناتا أن سياساته تغذّي الانقسامات الطائفية.

جراح لم تندمل

في نهاية العام الماضي أصبحت قرية نايابانز، التي تنتشر حولها حقول القمح ولها شوارع إسمنتية ضيقة تسير فيها عربات تجرها الثيران وتجوس فيها الأبقار، رمزا للهوة العميقة التي تفصل بين الطائفتين في الهند عندما شكا بعض الرجال الهندوس من المنطقة أنهم شاهدوا مجموعة من المسلمين يذبحون أبقارا. ويقدس الهندوس الأبقار.

واتهم الهندوس الذين انتابهم الغضب الشرطة بالتقاعس عن منع هذا التصرف غير القانوني وأغلقت مجموعة منهم طريقا رئيسيا، وراحت تلقي بالحجارة على السيارات وتشعل النار فيها. وسقط قتيلان بالرصاص أحدهما ضابط شرطة.

وبعد مرور خمسة أشهر على هذه الأحداث يقول كثيرون من المسلمين، الذين يبلغ عددهم 400 بين أكثر من 4000 شخص يعيشون في القرية، إن الجراح لم تبرأ بعد.

وفي بلد يمثّل المسلمون 14 بالمئة من سكانه والهندوس 80 بالمئة، تعكس قرية نايابانز التوترات الأوسع نطاقا في الأماكن التي يفوق فيها الهندوس المسلمين عددا بكثير.

وينفي حزب بهاراتيا جاناتا أنه يسعى إلى معاملة المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية أو أنه معاد للمسلمين. وقال جوبال كريشنا أجاروال المتحدث باسم الحزب “لم تقع أحداث شغب في البلاد في ظل هذه الحكومة. ومن الخطأ وصف حوادث جنائية ندينها بأنها مشاكل بين الهندوس والمسلمين”.

شبح الرحيل

Thumbnail

يقول بعض سكان القرية إن نايابانز لم تكن تخلو من مظاهر الصراع في الماضي. فقد أدت محاولات لبناء مسجد في 1977 إلى أعمال شغب طائفية سقط فيها قتيلان. لكنهم يؤكدون أيضا أن الأعوام الأربعين التي تلت ذلك سادها الوئام النسبي.

وقال بعض المسلمين إن المتشددين من الهندوس بدأوا يتصرفون من منطلق تأكيد الذات بشكل أكبر في القرية بعد تولّي يوجي منصبه في مارس 2017.

وتدهور الوضع في شهر رمضان عام 2017 وطالب ناشطون من الهندوس المسلمين بالكفّ عن استخدام مكبّر الصوت في المدرسة الدينية، التي يستخدمونها كمسجد، في إذاعة الآذان وقالوا إنه يقلق القرية كلها.

ووافقت الأقلية المسلمة على مضض على التوقّف عن استخدام مكبّر الصوت، الذي يقولون إنه يستخدم منذ سنوات عديدة، حفاظا على السلام، لكن هذه الخطوة أثارت استياء شديدا.

ولا تشعر شريحة واسعة  الهندوس بالتعاطف مع الأفراد المسلمين. فقد قال أوم براكاش الخياط البالغ من العمر 63 عاما “الرب يعلم ما ينوحون عليه. الهدوء ينتشر هنا لكننا لن نسمح بأي مكبّر صوت هناك. فتلك مدرسة وليست مسجدا”.

وتقول عائشة طالبة القانون عائشة “لا نستطيع التعبير عن ديانتنا بأي شكل هنا. لكنهم أحرار يفعلون ما يريدون”. وأضافت أن رجالا من الهندوس في القرية كثيرا ما يصيحون بشعارات مناهضة للمسلمين خلال المناسبات الدينية. فيما نفى أكثر من عشرة من الهندوس حدوث ذلك. وبسبب هذه الانقسامات الكبرى، التي تشق المجتمع الهندي بدفع سياسي واضح، فإن شبح الرحيل بات يخيّم على بعض المسلمين، في عدة قرى للبحث عن أماكن خالية من نعرات تطرّف الهندوس.

وسبق أن ورد اسم شرف الدين سيفي (38 عاما)، الذي يدير متجرا للملابس في سوق قريبة في بلاغ للشرطة قدّمه هندوس بسبب حادث البقرة في العام الماضي.

وبعد حبسه 16 يوما أخلت الشرطة سبيله لعدم وجود أدلة تدينه، لكنه قال إن الكثير قد تغيّر بعد خروجه من السجن.

وقد أصبح الهندوس يتجنّبون التعامل معه. واضطر بسبب ما أنفقه على المحامين إلى التوقّف عن الذهاب إلى دلهي لشراء ملابس لمتجره الذي أصبح خاويا إلى حد كبير. كما أخرج ابنه البالغ من العمر 13 عاما من مدرسة خاصة لأنه لم يعد يتحمّل مصاريفها.

وقال عن معاناته في فترة حبسه “هذا أمر جلل بالنسبة إلى شخص لم يشاهد من قبل مركز الشرطة من الداخل، ولم يحلم حتى بارتكاب جريمة”.

وكثيرا ما يجول بخاطره أن يرحل عن القرية لكنه يقول لنفسه “لم ارتكب خطأ فلماذا أرحل؟”.

بنفس الطريقة تقريبا، انتقل جبار علي النجار، البالغ من العمر 55 عاما، إلى منطقة ذات غالبية مسلمة في ماسوري قرب دلهي واشترى بيتا بما ادخره من مال من العمل في السعودية.

وقال وهو يتذكر الحادث الذي وقع في ديسمبر الماضي “إذا كان الهندوس يستطيعون قتل مفتش الشرطة الهندوسي أمام مركز الشرطة والحرس المسلح بجواره، فما حالنا نحن المسلمين؟”.

ولا يزال يحتفظ ببيته في نيابانز ويزور القرية من حين لآخر، لكنه يقول إنه يشعر بأمان أكبر في بيته الجديد حيث كل جيرانه القريبين من المسلمين.

وأضاف “أنا خائف هنا. والمسلمون قد يضطرون للرحيل عن هذا المكان إذا حصل مودي على فترة ثانية واستمر يوجي هنا”.

13