الهندي الأحمر القادم من المحميات بثياب أجداده وشارات بطولاتهم

الأحد 2017/10/15
الهندي الأحمر غربة الأخير من بني قومه

نيويورك - ليست هناك مشكلة في أن أكتب عن رجل لا أعرف اسمه. ما من ضرورة للأسماء هنا. أقصد في منهاتن بنيويورك. آلاف من البشر يمرّون مسرعين. آلاف آخرون يجلسون وينظرون إلى الفراغ. العيون لا تحمل المعنى ذاته.

لا أحد يفكر في ذلك الرجل الذي باع جزيرة منهاتن. أكان مالكها حقا؟ ربما احتاج بيتر مينويت القادم من هولندا عام 1626 إلى وثيقة تثبت ملكيته للجزيرة ومن أجلها اخترع رجلا لا وجود له إلا في الحكايات. رجل من غير ملامح مؤكدة. ما كان لأمستردام الجديدة أن تنهض من غير تلك الوثيقة.

أما الثمن فقد كان عبارة عن خرز وعقود وحليّ وقماش. فالبائع لم يكن رجلا عاديا ليرضى بالنقود.

كابوس مكيف الهواء

أصغر أحياء نيويورك هو أكثرها شهرة على الإطلاق. مجازا وعن طريق الشعر يمكن اعتبار كل هؤلاء الناس أحفادا لذلك الرجل الخفيّ الذي صار عنوانا للهندي الأحمر المطرود من جنّته.

ولدت أسطورة الرجل الأبيض مع أول رصاصة وجهت إلى صدر رجل أحمر. خطأ كريستوفر كولومبوس وهب هوية مزوّرة صارت عنوانا للبس تاريخي. صار مالك الأرض الأصلي بحكم التاريخ مجرد هندي أحمر مطلوب غيابه لكي تكتمل عناصر الشرعية. وهو ما صار واقع حال.

لو بحثت عن ذلك الرجل اليوم لن تجده. يمكنك أن تحلمه مثلما تخيلته هوليوود في أفلامها. صار ذلك الرجل هو الآخر صناعة أوروبية.

جنة الرجل الأحمر صارت كابوسا مكيف الهواء حسب هنري ميلر.

فضاء لإنتاج المعلبات، المادي منها والفكري. سيكون على المرء أن يتماهى مع صفته معلبا من غير أن يدري حين يرتاد غير مرة في اليوم قطارات الأنفاق التي تخترق به المياه التي تحيط بالجزيرة التي صارت كوكبا لا أرضيا.

“هنا كل شيء ومن أجل لا شيء” جمال قد تُقال لتصف ما لا يُوصف.

ليس في الإمكان استعادة حلم ذلك الرجل الذي اندثرت آثاره وامّحت خطاه وانطفأت ناره. لقد حلّ الصينيون المشكلة حين صنعوا دمى تشبهه. إنها دمى صغيرة عابسة دائما لتذكّر بحزنه وغضبه وضياعه. غير أنها أكثر حنانا عليه من ورثته الذين تعددت أجناسهم وتشظت ألسنتهم بين اللغات.

كانت السينما هي وسيلة اعتراف بما تعرضت له الشعوب الأصلية في ولايات الأميركيتين من عمليات إبادة وقهر وإذلال، كان الغرض منها إخفاء معالم الجريمة الأولى التي حدثت منذ قرون

في شارع كوريا يمكنك أن تأكل فقط متأملا صورا تحمل صورا لبشر من الجنس الأصفر. ضيوف يُطعمون ضيفاً ولا أحد يسأل عن صاحب الدار.

يمكنك بيسر أن تكون كوريا أو أرجنتينيا أو عربيا أو كوبيا أو فنلنديا غير أنه من الصعب عليك أن تحل في جسد ذلك الرجل من غير أن تفكر بروحه الهائمة بحزن في مكان لم يعد ينتمي إليه بعد أن طُرد منه باعتباره بائعا ساذجا.

فكرة أميركا هي نفسها أسطورتها.

غاري كوبر، برت لانكستر وجون وون كانوا أشهر منه. كان يقف أمامهم بهلع مسكونا بما لا يفهم من مشاعر ولم يكن له اسم مثلهم. كما لو أنه كائن لا ملامح خاصة به كان يكتسب ملامحه التي يظهر من خلالها من القناع الذي يرتديه لحظة التصوير.

ولكن ماذا لو اختفى ذلك الهندي الأحمر من المشهد هل كان لجون وون وسواه من رعاة البقر المتغطرسين أن يجتاحوا صالات السينما ويستولوا على عقول وقلوب الناس وفلوسهم أيضاً؟

لا تحتاج واقعة مقتل الهندي الأحمر إلى ما يسوّغ وقوعها. إنها تقع لأنها يجب أن تقع من أجل متعة تمجّد الحركة العبثية.

يُقتل صاحب الأرض لأنه يظهر فجأة على أرضه متأملا بحرج قتلته الذين يضعون أيديهم على بنادقهم. لا يتعلق الأمر بالعدالة. بالنسبة إلى كولومبوس وأحفاده فإن روح القيم الأوروبية لا تظلل الهنود الحمر بملائكتها.

“إن لم تقتله يقتلك” جملة مظلمة تكشف عن عمق سوء الفهم الذي راحت ضحية له حضارة لم نسمح لأنفسنا بأن نتعرف عليها.

آلاف من البشر يمرون مسرعين في شوارع نيويورك. العيون لا تحمل المعنى ذاته، ولا أحد يفكر في ذلك الرجل الذي باع جزيرة منهاتن.

بطل الفيلم المنسي

في ساحة الاتحاد بمنهاتن رأيته بالثياب التقليدية التي ظهر بها على شاشات السينما. إنه يمثل دوره. ترى فيه الممثل وليس الإنسان. إضافة إلى ذلك القناع الضروري من أجل أن يكون هو، كان يبيع أشياء هي الأخرى مثله مزورة. بريشة تعلو رأسه يقف ذلك الرجل الذي لا ذاكرة له.

بدلا من أن يكون بطلا للفيلم وهو كذلك في واقع خُيّل إلينا من صنع هوليوود صار ممثلا ثانويا يمكن استبداله في أيّ لحظة فلا يؤثر ذلك الاستبدال على الأحداث. فالهندي الأحمر موجود ليُنسى. أنت تراه ولا تراه في الوقت نفسه. فهو أقرب إلى الشيح منه إلى الكائن البشري.

يبدو بائع المواد والأدوات الفلكلورية الهندية أشبه برجل خرج لتوّه من شريط سينمائي ليعود إليه بعد أن يؤدي دورا ثانويا في ساحة يقف في أحد جوانبها، ليس بعيدا عنه تمثال للمهاتما غاندي.

كان هناك رجل كبير السن يجلس وأمامه منضدة عليها رقعة شطرنج وكان هناك كرسي فارغ لمتبار قد يحضر في أيّ لحظة. قريبا منه انهمك متبارون في لعبة شطرنج وقد رصّفوا الأحجار على مناضدهم. سباق من أجل كسب المال عن طريق اللعب. كان الهندي الأحمر ينظر إلى البيادق المقتولة كما لو أنه يتذكر أجداده.

رائحة اللغات الضائعة

انتهى عصر أفلام الغرب الأميركي وطويت صفحة الهندي الأحمر الذي لم يعد وجوده ليشكل عنصر جذب لعشاق السينما. كانت السينما هي وسيلة اعتراف بما تعرضت له الشعوب الأصلية في ولايات الأميركيتين من عمليات إبادة وقهر وإذلال، كان الغرض منها إخفاء معالم الجريمة الأولى التي حدثت منذ قرون.

مشهد الهندي الأحمر في ساحة الاتحاد لا يبدو مسرا. فمن بين كل الباعة المتجولين كان ذلك الرجل هو الشخص الوحيد الذي يبدو كما لو أنه يؤدي دورا في فيلم لم تكتب حكايته بعد.

هناك لغات وأديان وطقوس ومهن وأشعار وحكايات وأزياء قد تعرّضت للزوال بزوال شعوبها أو اعتقالها في محميات كالحيوانات بذريعة الحفاظ عليها.

لم يكن مشهد الهندي الأحمر في ساحة الاتحاد مسرّا. فمن بين كل الباعة المتجولين كان ذلك الرجل هو الشخص الوحيد الذي يبدو كما لو أنه يؤدي دورا في فيلم لم تُكتب حكايته بعد. كان مضطربا، شارد النظرات لا يعير بضاعته أيّ اهتمام وكان يمزج وهو يتحدث مع زبائن السوق بين الإنكليزية والإسبانية بطريقة تجعل منهما لغة واحدة.

لم يكن مناسبا أن أكلّمه. كان عليّ أن اكتفي بالنظر إليه لا إلى بضاعته التي لم يكن مهتما بالترويج لها. يحزنك أن ترى شخصا يؤدي شخصيته الحقيقية في مسرحية لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة.

ليس مطلوبا من ذلك الرجل أن يكون ممثلا بارعا. كان آداؤه الرديء هو مصدر صدقه. من بين عجمته اللغوية كنت أشم رائحة لغات ضائعة. شيء منه يظل عصيا على التفسير.

فالرجل كان ضئيلا غير أنه كان حاضرا بقوّة سحره. لا يغريك ببضاعته غير أنه يجذبك بعينيه الذابلتين. تشعر أنه يقف في المكان الخطأ. أردت أن أقول له “نحن غريبان ها هنا” غير أنني شعرت أن الحوار معه يحتاج إلى شيء أقوى من اللغة. سألته بكلمات مبعثرة فأجاب بالطريقة نفسها ولم يكن في الإمكان الاستمرار في الحوار معه.

“أهذا ما تبقى منك؟” سؤال هو عبارة عن جملة لم أقلها.

لقد راقبته وهو يمشي فكانت خطواته واسعة كما لو أنه يقفز.

ربما لن تتاح لي فرصة أخرى لرؤية هندي أحمر غير أن ذلك الرجل وهبني فرصة نادرة للّقاء بإنسان حقيقي.

10