الهندي سوبود غوبتا يحتفي بالمعدن في "متحف العملة" الباريسي

الفنان الهندي سوبود غوبتا يتميز عن نظرائه باستعمال أدوات المطبخ في صنع منحوتات عجيبة وغريبة، وفي خلق أشياء مدهشة من عدم.
الاثنين 2018/08/20
رمزية عالية تجمع بين التقليد والحداثة

حتى نهاية شهر أغسطس الجاري، يحتفي متحف العملة بالعاصمة الفرنسية بباريس بالفنان الهندي سوبود غوبتا، الذي حاز شهرة عالمية بفضل إنجازاته القائمة أساسا على استعمال أدوات المعيش اليومي، وتوليفها في أعمال فنية مستحدثة، تعكس ثقافة متعددة الأوجه

يواصل متحف العملة الباريسي اتباع النهج الذي سار عليه منذ بداياته، بإقامة معارض خارجة عن مألوف ما يعرض في المتاحف الأخرى، وضيفه هذه المرة فنان هندي طبقت شهرته الآفاق هو سوبود غوبتا، أحد نجوم الفن المعاصر في العالم.

فنان يتميز عن نظرائه باستعمال أدوات المطبخ في صنع منحوتات عجيبة وغريبة، وفي خلق أشياء مدهشة من عدم تقريبا، والطريف أن كلا الطرفين يحتفي بالمعدن، فمؤسسة العملة بباريس التي دأبت على إنتاج القطع النقدية منذ ألف ومئة

وخمسين عاما تلتقي مع غوبتا في قَطع المعدن وشحذه ونقشه وسكّه، والفرق الوحيد بينهما هو أن المؤسسة تستعمل الذهب والفضة والبرونز والفولاذ فيما يقنع غوبتا بالمعادن البسيطة المتداولة كالنحاس والألمنيوم والإينوكس.

ولد غوبتا عام 1964 في قرية خاغول ببيهار، واحدة من أفقر ولايات الهند، حيث تنحصر علاقة الناس بالفن في الرسوم الدينية وعروض بعض الفرق المسرحية المتجولة.

وكان من الطبيعي أن ينجذب غوبتا إلى التمثيل وينخرط في فرقة مسرحية قبل أن يلتحق بالمعهد الأعلى للفنون والصنائع التقليدية في باتنا، انتقل إثرها إلى أكاديمية الفنون الجميلة بنيو دلهي، حيث يعيش الآن، واكتسب منذ إنجازه الأول “أصباح” عام 1996 حضورا لفت نحوه أنظار عدة معارض ومتاحف في الهند وخارجها.

ولع منذ نعومة أظفاره بأواني المطبخ “الإينوكس″، المتوافرة في بيوت شتى العائلات الهندية من الطبقة المتوسطة، فاختارها كما يختار غيره الخشب أو الرخام في صياغة منحوتات لم يسبقه إليها أحد، أغلبها يبهر بضخامة حجمه مثل “الرب الذي لا يشبع″ وهي عبارة عن جمجمة عملاقة لامعة مكوَّنة من عشرات أواني الطبخ، أو منحوتة “شجرة الناس″، شجرة البانيان الهندية، التي تستقبل الزوار في ساحة الشرف.

 ويكتشف الزائر أيضا سلسلة من أواني البنتو (طبق يحوي عدة أطعمة) الفارغة يعالج فيها غوبتا المفارقة التي يعيشها الشعب الهندي بين الوفرة المدهشة والجوع القاتل، والتي تتجلى في امتلاكه أواني غير قابلة للتأكسد، ولكن معظم شرائحه لا تقدر على ملئها نتيجة فقرها المدقع.

لا يلتزم غوبتا في مقاربته الفنية بالتقاليد الهندية وحدها، بل يشفعها بمؤثرات الفن الغربي المعاصر، يتبدى ذلك في أعمال تحيل أشكالها إلى الثقافة الشعبية، البصرية والروحانية في الهند

وتكتسي أواني الطبخ عند غوبتا رمزية واضحة عن الغذاء كأساس للحياة، وثنائية الموت والحياة التي تحيل بدورها إلى الفكر الروحاني الهندي الذي يعتقد في وجود حلقة أزلية لا تنتهي فيها الحياة، بل تنبعث في حياة أخرى.

ويقوم عمله على مراكمة بعض أدوات المعيش اليومي، وتحويلها عن وظيفتها الأصلية، ثم قولبتها في البرونز أو النحاس أو النيكل ليمنحها رؤية مخصوصة، ذات رمزية عالية تجمع بين التقليد والحداثة، الإنتاج الصناعي والخلق المفرد، النمطية والمفاهيم الجديدة، مع التركيز في أغلب الأوقات على تضخيم الأشياء لمزيد لفت الانتباه إلى المخاطر التي تتهدّد المجتمعات المعاصرة، ونقد الأدواء التي تنهشها، مثل الغيمة النووية التي كان عرضها في تيت بريطانيا عام 2009.

ولا يلتزم غوبتا في مقاربته الفنية بالتقاليد الهندية وحدها، بل يشفعها بمؤثرات الفن الغربي المعاصر، يتبدى ذلك في أعمال تحيل أشكالها إلى الثقافة الشعبية، البصرية والروحانية في الهند، مثلما تحيل إلى بعض أعمال رواد الفن المعاصر في الغرب، كالفرنسي مارسيل دوشامب.

ويتجلى ذلك في عدد الجفان المعلقة في شكل طوابق، سواء أكانت من الألمنيوم أم الإينوكس أم النحاس الأصفر، وكلها لا تعكس ثنائية الغذاء والحياة، وكثافة الشعب الهندي السكانية، وذكاءه العلمي فحسب، وإنما تعكس أيضا حركته الدائبة وأخذه بأسباب الحداثة وتشييده ناطحات سحاب عصرية التصميم، فمقاربته وإن كانت حداثية، تخالف مقاربة الأميركي جيف كونس.

وفي هذا يقول الناقد نيكولا بوريو الذي مهد لغوبتا سبل الوصول إلى العالمية “أداة كونس ممتعة، مسلية، ومسالمة، فهو يستثمر منطقة وسطى بين المهمَل والثقافة الشعبية، أما أيقونوغرافيا سوبود غوبتا فهي تنهل من أشد مظاهر الحياة اليومية بساطة لتضعنا في مواجهة المشاكل الكونية، والموت، والنظر الفكري في مصائرنا، والأوضاع الهشة بشكل عام”.

وغوبتا إذ يعرض أشياء الحياة اليومية، من علب وجفان وقدور، يحرص على جعلها مضادة للأنصاب والتماثيل، فمن خلال عملين معروضين، أحدهما يمثل مركبا مشحونا بالقوارير القديمة، والثاني شريط فيديو يصوّر أمتعة بسيطة لمهاجرين هنود متجهين إلى الشرق الأوسط، يتناول ثيمة التنقل والهجرة والمنفى ومصير المهاجرين، نجد هذا الاهتمام بالتنقل في أعمال أخرى أيضا كالدراجة والسيارة والقطار وكوب الماء الذي يمنح للضيف وعابر السبيل.

وتقول كاميل مورينو، مندوبة المعرض، “إن أعمال سوبود غوبتا، التي يتبدى من خلالها طباخا ونحاتا، ورساما ومبتكرا في الوقت ذاته، تتناول الروحانيات والسياسة والحقل الاجتماعي، فهو يتصوّر كل عمل من أعماله مثل مجمع ثقافات تلتقي فيه سرديته الخاصة، والتاريخ السياسي والاقتصادي في العالم، وتاريخ الهند في القرن الحادي والعشرين، وتأوّله لتاريخ الفن المعاصر الذي يلعب فيه مارسيل دوشامب والواقعية الجديدة دورا بارزا”.

16