الهواتف الذكية أجهزة تنمّي الحسد

سئم كثيرون من مستخدمي الشبكات الاجتماعية حياتهم الخاصة عندما شرعوا في مقارنتها بحياة “أصدقائهم” على الشبكات الاجتماعية وهي صورة قد تجافي الحقيقة، لكنها مع ذلك قد تصور للبعض أن حياتهم لا تسير على النحو الأمثل، وأنها بائسة.
الاثنين 2018/10/15
ابتسامات زائفة لكنها لازمة

لندن - يعيش مستخدمو الشبكات الاجتماعية عصر الحسد بامتياز: حسد مهني، حسد اجتماعي، حسد على الأكل، حسد على عضلات الذراع المفتولة، أو على العطلات والرحلات والأسفار. الحسد لا ينتهي.

لطالما شعر البشر بذلك الشعور الذي عرّفه أرسطو في القرن الـ4 قبل الميلاد بأنه “ألم ينتابنا لدى مشاهدة حظوظ الآخرين ونعمهم”.

يغذي الحسد فينا “أولئك الذين يملكون ما كان ينبغي أن نملكه نحن”، وذلك قبل ألف عام من إدراج الحسد على قائمة البابا غريغوري للخطايا السبع. وقد سعى المسلمون لاتقاء شره بالرقية والصلاة.

وتقول كاتبة مقال في الغارديان البريطانية “قبل حوالي خمس سنوات، قبل الخلود إلى النوم بقليل، شاهدت تغريدة على تويتر من صديق أعلن فيها عن مدى سروره لكونه قد تم اختياره لجائزة صحافية. شعرت بأن معدتي تؤلمني، بل انتابني دوار. لم أنم ليلتها حتى الصباح.

خمس سنوات أخرى قبل ذلك عندما كنت في الجامعة، كنت أتفحّص عبر فيسبوك صورا لفتاة كنت أعرفها تتمتّع بتسكعها مع أصدقائها، ضاحكة في حالة سكر، شعرت عندها بأن مزاجي يتغير واضطررت إلى الجلوس. بدا لي كأنني أتوقف عن التنفس”.

وتضيف الصحافية “أفكر اليوم لماذا لا تزال هذه الذكريات تلاحقني من وقت إلى آخر، فلماذا لا أنساها مع معظم التفاعلات اليومية الأخرى التي أجريتها على وسائل التواصل الاجتماعي؟ وأعتقد أن السبب في ذلك هو أنه خلال 32 سنة من عمري، كانت تلك اللحظات التي أحسست بها، هي الأقوى والأكثر إيلاما. لم أكن قد دخلت في مسابقة الصحافة هذه، ولم أكن أبدا في أي وقت مضى أستمتع بالتسكع مع أصدقائي”.

تقول ريتشيل آندرو عالمة النفس السريري لصحيفة الغارديان البريطانية إنها ترى المزيد من حالات الحسد في عيادتها، من أناس “لا يمكنهم تحقيق نمط الحياة الذي يرغبون به”.

وتضيف أن استخدامنا لمنصات مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وسنابشات يضخم التشويش النفسي المزعج جدا.

وتشرح قائلة “أظن أن ما فعلته الشبكات الاجتماعية هو أنها جعلت الجميع متاحا للمقارنة. في الماضي كان الناس لا يحسدون سوى جيرانهم، أما الآن بات في وسعنا مقارنة أنفسنا بالجميع حول العالم”.

تمضي آندرو فتقول إن هذه المقارنات أصبحت الآن أقل واقعية بكثير، “فنحن جميعا نعرف أن الصور قابلة للفلترة، وأن الناس يبرزون أفضل نواحي حياتهم”.

ريتشيل آندرو:ما فعلته الشبكات الاجتماعية هو أنها جعلت الجميع متاحا للمقارنة
ريتشيل آندرو: ما فعلته الشبكات الاجتماعية هو أنها جعلت الجميع متاحا للمقارنة

وتعتبر أننا نحمل جهاز مكبّر الحسد معنا في جيوبنا وننام بجانبه وهو يغرينا طوال 24 ساعة في النهار، ولحظة نستيقظ حتى لو كان ذلك في منتصف الليل.

لاحظت آندرو وسط مرضاها أنه رغم علمهم بأن ما يرونه ليس إلا نسخة منقّحة عن الواقع، فإن وعيهم بزيف هاشتاغ #nofilter (لا للفلترة) لا يشكل أبدا خط دفاع أمام القوة العاطفية للحسد.

وتقول “ما من مجموعة عمرية ولا شريحة اجتماعية لديها حصانة من الحسد”.

ويطلق ويندي درايدن، أهم معالجي الأسلوب السلوكي المعرفي في المملكة المتحدة، على هذه الظاهرة اسم “هوس المقارنة”.

وأثر ظهور الشبكات الاجتماعية على الساحة، حسب رأي إيثان كروس، بروفيسور علم النفس بجامعة ميشيغان الذي درس فيسبوك على صحتنا النفسية وراحة بالنا، ما جعل “الحسد يأخذ أبعادا هائلة”.

ولاكتشاف دور الحسد في طريقة استخدامنا للشبكات الاجتماعية، صمم كروس وفريقه دراسة للوقوف على العلاقة بين الاستخدام السلبي لفيسبوك “أي مجرد المرور المتصفح” على حد تعبيره، وبين الحسد وتغيرات المزاج بين اللحظة والأخرى.

يقول كروس إن النتائج كانت مثيرة “فكلما طال الوقت الذي تمضيه في المرور والتصفح أثير لديك شعور بالحسد، ما ينبئ بنوبات من المزاج السيء تصيبك”.

رغم أن الحسد يكفي لتدمير صاحبه، إلا أن عالمة النفس الاجتماعي المرموقة شيري تيركل تقول “لدينا ما هو أدهى وأمرّ  فنحن ننظر إلى الحياة التي نسجناها على الإنترنت والتي لا نبرز فيها سوى خير ما لدينا”. وتعتبر أننا نشعر بخوف من التقصير تجاه حياتنا، “فنحن بعيدون عن الحياة التي نقول للآخرين إننا نعيشها، وننظر إلى ذواتنا وكأنها لأشخاص آخرين فنشعر بالحسد تجاههم وهذا ما يخلق شعورا بالغربةفنشعر أننا لسنا حقيقيين والعجيب أننا نحسد الآفاتار الذي صنعناه لأنفسنا”، وفق تعبيرها.

يرمق البعض الصور المفلترة المنحّفة التي تُنشر على هاشتاغ #OutfitOfTheDay (زي اليوم) ويتمنى لو كان له نفس الجسم في الصور، ثم يبصق الأزهار “القابلة للأكل” الخالية من الطعم التي تزين طبق الحبوب والفواكه المجففة بالحليب، فهي في الواقع ليست لذيذة أبدا مثلما نحاول إبرازها على هاشتاغ #foodgasm.

وبصفته معالجا سلوكيا إدراكيا فإن ويندي درايدن لا يكترث كثيرا لأصل أسباب الحسد الجذرية، بل يركز بدلا من ذلك على ما يمكن فعله حياله.

عندما يتعلق الأمر بنوع الحسد الذي تثيره الشبكات الاجتماعية، حسب رأيه، فهناك عوامل تجعل الشخص أكثر عرضة له، أهمهما قلة تقدير الذات والتحسس المفرط من الحرمان.

ويصف الشعور الأخير عدم القدرة على تحمل عدم حصول الإنسان على ما يريده.

وقد قدم موقع “راندي مورايتس” randy moraitis مجموعة من الحلول التي يمكنها أن تجعل استخدام الشبكات الاجتماعية أمرا لا يثير الإحباط، ولا يؤدي إلى الاكتئاب أو النظرة الدونية للنفس.

ويؤكد الموقع أنه على الرغم من أهمية التواصل الاجتماعي، وضرورة أن تبقى على اتصال بكل ما حولك، إلا أنه من المفيد، بل من الضروري، أن تمنح نفسك إجازة من شبكات التواصل ليوم أو لأسبوع أو أكثر. فهذا الأمر سيحسن من مزاجك، ويغير من ارتباط طريقة تفكيرك بما تتلقاه عبر هذه الشبكات.

ولكي تحظى بالسلامة النفسية أثناء استخدامك للشبكات الاجتماعية، لا تكن غير نفسك في التعبير عن كل ما يعتمل داخلك، ولا تحاول أن تظهر كشخص مثالي، فالبحث عن القبول الاجتماعي لدى الآخرين قد يسبب لك متاعب كثيرة.

ويطالب الموقع أيضا باستخدم المنشورات التي تأتي من الأصدقاء ومن غيرهم بشكل إيجابي، أي لا تقم بالمقارنة من خلالها بين حالك وحالهم، بل لتتنسّم عبق الذكريات الماضية، فقد أثبتت الأبحاث أن الذكريات يمكنها أن تقدم للإنسان سعادة وطاقة إيجابية لا حدّ لهما.

وأخيرا يخبر الموقع مستخدمي مواقع التواضل الاجتماعي بأن  “لا تجعلوا من علاقاتهم مع الآخرين تعتمد على ما إذا كانوا يتابعونهم عبر الشبكات الاجتماعية أم لا، وهل تعجبهم منشوراتهم أم يغضون الطرف عنها؟ إذ أن استخدام الناس لشبكات التواصل الاجتماعي  وحماسهم نحوها يتغير من فترة إلى أخرى. لذا، يجب أن يعتمدوا على علاقاتهم الواقعية معهم بعيدا عن الشبكات”.

المقارنات أصبحت الآن أقل واقعية بكثير
المقارنات أصبحت الآن أقل واقعية بكثير

 

19