الهواتف الذكية تحوّل البشر إلى كائنات تكنولوجية

التعلق بالأجهزة المحمولة يعزل البشر عن الواقع، ومدمنو المواقع الاجتماعية يستغنون عن أساسيات حياتية مقابل هاتف.
الاثنين 2018/09/03
المحمول قبل الخبز أحيانا

عالم الاجتماع العربي عبدالرحمن بن خلدون قال قبل قرون إن “الإنسان اجتماعي بطبعه”، معتبرا أن البشر ليس بوسعهم العيش بمعزل عن أبناء جنسهم، لكن لا غرابة في أن تتضارب هذه المقولة مع الواقع المعاصر للمجتمعات بعد أن أصبح البشر كائنات تكنولوجية بامتياز

أصبحت الهواتف الذكية تفوق في أهميتها العديد من الحاجيات الأساسية في حياة الناس، إذ بإمكان الكثيرين الاستغناء عن الأكل والشرب لساعات طويلة من اليوم، لكن ليس من السهل عليهم التخلّي عن هواتفهم لدقائق معدودة.

ويرجع الخبراء أن السبب وراء هذا التعلّق الزائد عن الحدّ بالأجهزة إلى كثرة المهام التي يقوم بها معظم الأشخاص بالاعتماد على تكنولوجيا الاتصال الرقمي، وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن ثمة أيضا علاقة من نوع خاص تنشأ بين الأجهزة الرقمية والمستخدمين، تجعلهم يتعاملون معها وكأن لها مشاعر، ويفضلونها أحيانا على العلاقات الاجتماعية الحقيقية، رغم إدراكهم المسبق أنها مجرد آلات صنعها أشخاص آخرون مثلهم وقاموا ببرمجيتها.

وبالنظر إلى عدد من سيمتلكون هواتف ذكية في المستقبل القريب، فإنه من المرجح ألا يكون الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة ظاهرة مؤقتة، بل ستصبح أولوية على حساب الكثير من الاهتمامات الحياتية الأخرى.

ويُتوقع أن يصل السوق إلى مرحلة التشبع خلال الأعوام القليلة القادمة، في ظل محافظة مبيعات الهواتف الذكية على تقديراتها التي ستبلغ عشرات الملايين.

وبحسب المسح السنوي الذي أجرته شركة “سيسكو” الأميركية لتقنية المعلومات، فإنه من المتوقع أن يصل عدد الذين يمتلكون الهواتف بحلول العام 2020 إلى 5.4 مليار شخص حول العالم.

ووفقا لمركز “بيو” للأبحاث، يستخدم حوالي 24 بالمئة من مستخدمي الإنترنت موقع تويتر، في حين يستخدم 29 بالمئة منهم موقع “لينكد إن”.

فيما يقضي مشتركو موقع فيسبوك أكثر من 50 دقيقة يوميا في المتوسط في تصفحه، وقياسا على الوقت المهدور على مواقع على الإنترنت، يبدو أن جماهير واسعة واقعة تحت أسر الأجهزة الذكية.

وفي المقابل لا تزال الأبحاث حول تأثير الأجهزة الذكية على المستخدمين محدودة بعض الشيء، لكن الأدلة الحالية تشير إلى أن أجهزة الهواتف الذكية تؤثر على الناس بأشكال مختلفة، ووفقا لظروفهم المسبقة، وسماتهم الشخصية.

التطبيقات ومنصّات التواصل الاجتماعي مصمّمة لجعل المستخدمين يدمنون على تصفحها، وكلما حاول البعض منهم الابتعاد عنها تسعى بشتى الطرق لجذبهم إليها

وكشفت دراسات حديثة أن مستخدمي الهواتف الذكية يتفاعلون معها بمتوسط 85 مرة في اليوم، وأنهم يعتبرون الأذى النفسي الذي قد يسببه فقدان الهاتف يكاد يساوي الوقوع ضحية لأي حادث.

وتتأثر أدمغة المستخدمين لحظة تلقّي الشخص تنبيها مثل “إعجاب” على فيسبوك، ما يؤدي إلى إفراز هرمون “الدوبامين”، الذي يرفع مستوى الاستثارة في المخ، ويؤثر على المنطقة المسؤولة عن التفكير وإصدار الأحكام.

ولاحظت المحللة النفسية الأميركية ليزا ميرلو من خلال الأبحاث التي أجرتها في هذا الصدد أن بعض من يستعملون الهواتف الذكية يركزون تفكيرهم عليها، لدرجة أنهم لا يدركون محيطهم بشكل مباشر، مشددة على أن تزايد عدد الوظائف التي يقوم بها الهاتف الذكي يمكن أن يفتح الباب أمام “المبالغة في الارتباط بالجهاز” وما يرافق ذلك من هواجس يغذّيها الخوف من ضياعه أو نفاد بطاريته أو نسيانه أو فقدان الاتصال بالإنترنت، والأسوأ من هذا كله أن هناك من يشعر أنه لا يستطيع الاستغناء عنه، وقد يفضّل التنازل عن الكثير من الأساسيات في الحياة مقابل الإبقاء على هاتفه الذكي.

ويُرجّح الخبراء أن تلك الحالة تنتج عما يُعرف علميا بـ“الفومو”، ويعني “خوف الشخص من أن يفوته شيء ما يحدث في المجتمع من حوله، وبشكل خاص على شبكات التواصل الاجتماعي”، وقد دخل هذا المصطلح قاموس أكسفورد الإنكليزي في عام 2006.

وقال بول لي، رئيس قسم أبحاث التكنولوجيا والإعلام والاتصالات في ديلويت، إن “الهواتف الذكية تمكّن مستخدميها من الإطلاع باستمرار على كل ما يحدث، وما يقوله الناس، وما ينشرونه. ويمكن القيام بذلك على مدار ساعات النهار، لكن الهواتف الذكية تشجع أيضا على القيام بذلك ليلا”.

وأضاف “قد تكون الأجهزة شخصية، لكن استخدامها يؤثر على المحيطين بمستخدميها. ويحتاج المستخدمون لإيجاد سُبُل للتحكم في حياتهم في وجود الهواتف الذكية، وليس أن تتحكم الهواتف بحياتهم”.

كريستوفر بوتر: لم يكن البشر قط جزءا من الطبيعة، بل كانوا دوما جزءا من التكنولوجيا
كريستوفر بوتر: لم يكن البشر قط جزءا من الطبيعة، بل كانوا دوما جزءا من التكنولوجيا

وعندما نأخذ في عين الاعتبار مقولة الفيلسوف الإنكليزي كريستوفر بوتر “لم يكن البشر قط جزءا من الطبيعة، بل كانوا دوما جزءا من التكنولوجيا”، ونقارن مع الكيفية التي تتحكم بها التكنولوجيا في جوانب مختلفة من الحياة البشرية، فإنه من غير المستبعد أن تعوض تلك الأجهزة البشر في يوما ما ويعطيها أصحابها أهمية أكثر من الأشخاص المحيطين بهم.

ويتزايد توجّس الخبراء ليس فقط من سيطرة الأجهزة الاصطناعية على حياة الناس، بل لأن التطبيقات ومنصّات التواصل الاجتماعي مصمّمة لجعل المستخدمين يدمنون على تصفحها، وكلما حاول البعض منهم الابتعاد عنها تسعى بشتى الطرق لجذبهم إليها.

وقال ستيفان هوفمان، أستاذ علم النفس بجامعة بوستن، والخبير في دراسة المشاعر الإنسانية، إن البعض قد تنتابهم حالة من القلق عند الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي، ويشعرون برغبة ملحّة في العودة إليها، مضيفا أن بعض الناس تخيفهم فكرة فقدان الاتصال بالعالم عبر الهاتف، لئلا يغفلوا أي خطر وشيك، أو لمتابعة الأخبار السياسية.

أما جوناثان زيتراين، أستاذ التشريعات القانونية المتعلقة بشبكة الإنترنت في كلية الحقوق بجامعة هارفارد الأميركية فيساوره القلق حيال تضاؤل استقلالية الإنسان، في ظل ما تتسم به الأنظمة المُدعومة بالتكنولوجيا من تعقيد متزايد وترابط على نحو محكم.

وقال زيتراين إن إقدامنا على تطوير نظم الذكاء الاصطناعي مُتجاهلين ما ينطوي عليه الأمر من مخاطر في بعض الأحيان، ربما سيحدونا للشعور بالندم على الطريقة التي قد يتطور بها نظامٌ ما من هذه الأنظمة، وكذلك حيال عدم إفساح المجال بشكل واضح لكي يُوضع البعد الأخلاقي موضع الاعتبار في هذا الصدد”.

وبما أننا اخترنا منظومات الذكاء الاصطناعي لتكون نسخة أخرى منّا نحن البشر، فمن غير المستبعد أن تكون مثلنا تماما، بارعة وبها بعض العيوب أيضا، لكن الخوف كل الخوف من أن يتحوّل البشر إلى كائنات تكنولوجية.

12